المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

تعويم الجنيه أمام الدولار: طريق النجاة أم الغرق؟

الاثنين , 10 يوليو 2017 - 04:42 مساءٍ

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

لا يتوقف الشارع المصري منذ بداية شهر أكتوبر الجاري عن الحديث حول الموعد المرتقب لتعويم سعر الجنيه المصري أمام الدولار ليصبح رهن العرض والطلب. ويأتي هذا الحديث في وقت تعيش فيه مصر أزمة اقتصادية طاحنة نتيجة التقويم غير الواقعي للجنيه المصري، مما جعل الفجوة السعرية بين التعامل على الدولار في السوق الرسمية (البنوك) والسوق الموازية (السوداء) تبلغ مستويات غير مسبوقة. حيث وصل سعر الصرف للدولار في السوق الموازية (السوداء) نحو 14 جنيها، في حين أن هذا السعر لم يتجاوز 8.87 جنيه في السوق الرسمية، وقت كتابة هذه السطور.

 

وبينما يرى عدد من الخبراء أن "السعر الحقيقي" للدولار يقع في منطقة وسطى بين سعر السوق "الرسمي" وسعر السوق "الموازي"، أي حوالي 12 جنيه تقريبا، إذا ما تم استبعاد الأثر السلبي لأعمال المضاربة على الدولار، يؤكد آخرون على أن مواجهة "الانفلات السعري" للدولار تجعل تطبيق سياسة التعويم الكامل والفوري لسعر الجنيه هو "طريق النجاة الوحيد" للخروج من الأزمة الاقتصادية الراهنة في مصر. وهو الأمر الذي أصبح يثير جدلا كبيرا بين الأوساط المالية والاقتصادية في مصر، على النحو الذي سيرد مناقشته لاحقا.

 

اهتمام شعبي

اهتمام المصريين مؤخرا بمسألة تعويم الجنية أو خفضه جاء أيضا مع سفر وفد مصري رسمي رفيع المستوى، يضم محافظ البنك المركزي طارق عامر، ووزير المالية عمرو الجارحي، إلى العاصمة الأمريكية واشنطن للقاء مسؤولين بصندوق النقد الدولي، على هامش اجتماعاته السنوية المشتركة مع البنك الدولي، من أجل اطلاعهم على آخر المستجدات الخاصة بالوضع الاقتصادي المصري لحث الصندوق على الموافقة على قرض بقيمة 12 مليار دولار مقسمة على الثلاث سنوات القادمة، والإسراع بتسليم مصر الدفعة الأولى منه في أقرب وقت ممكن، والتي ستبلغ قيمتها نحو 2.5 مليار دولار.

 

ويبدو أن هذا الاهتمام المتنامي، شعبيا ورسميا، بمسألة تعويم الجنيه، سيستمر في المدى القريب. حيث أصبح من غير المتوقع أن يقرر صندوق النقد الدولي الموافقة على الدفعة الأولى من القرض المذكور، على الأقل، خلال شهر أكتوبر الجاري؛ حيث تؤكد "توصيات" صندوق النقد للإصلاح الاقتصادي في مصر، ضرورة قيام الدولة المصرية بخفض سعر عملتها ليتماشى مع وزنها الحقيقي مقابل الدولار، حسبما أكدت كريستين لاجارد المدير العام لصندوق النقد الدولي. ومن جهة ثانية، قال محافظ البنك المركزي المصري طارق عامر، في فبراير الماضي، أن تعويم الجنيه أمر يمكن التفكير به فقط عندما يصل مستوى الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي إلى ما بين 25 إلى 30 مليار دولار، بينما لم يتجاوز هذا الاحتياطي حاجز 19.582 مليار دولار في نهاية شهر سبتمبر الماضي، رغم ارتفاعه بحوالي ثلاث مليارات دولار مقارنة بنهاية أغسطس الماضي.

 

ومع ذلك، ليس من المستبعد في المدى القريب الوصول إلى المستوى الذي حدده محافظ البنك المركزي لكي يتم تعويم الجنيه. حيث يشير بعض المسؤولين إلى أن مصر وصندوق النقد الدولي "يحققان تقدما جيدا" في المحادثات مع الصين والمملكة العربية السعودية وبعض دول مجموعة الدول الصناعية السبع لتقديم تمويل ثنائي إضافي إلى مصر تتراوح قيمته ما بين خمسة وستة مليارات دولار خلال الشهور القادمة. وفي هذا السياق، أكد عمرو الجارحي وزير المالية المصري في مقابلة نشرتها بلومبرج بداية شهر أكتوبر الجاري على أن الحكومة المصرية تحتاج لأسبوعين أو ثلاثة آخرين لتغطية شرط صندوق النقد المتعلق بالمصادر التمويلية الأخرى، مشيرا إلى أن العديد من الاتفاقات قد أبرمت بالفعل أو في انتظار التوقيع، وبعضها في مرحلة اللمسات النهائية. كما أشار وزير المالية المصري أيضا إلى خطة مصر لإصدار سندات دولارية، في أواخر أكتوبر أو أوائل نوفمبر، بقيمة حوالي 3 مليارات دولار.

 

ومن ناحية أخرى، تتوقع عدد من المؤسسات المالية الكبرى، مثل "بلتون فاينانشال"، أن يرتفع احتياطي مصر من النقد الأجنبي إلى ما بين ٢٥ و٣٢ مليار دولار بحلول 6 نوفمبر القادم، مع حصول مصر على ما بين مليار وملياري دولار من الصين، وملياري دولار أخرى من السعودية، وحصيلة طرح سندات دولارية بما يتراوح بين 3 و5 مليارات دولار في السوق الدولية، و2.5 مليار دولار من صندوق النقد الدولي.

 

ويرى كثير من الخبراء أن تعويم الجنيه المصرى أمام الدولار أو خفضه تفرضه عدة أعتبارات مهمة لعل من أبرزها:

أولا، تزايد الفجوة بين الطلب والعرض على الدولار الأمريكي، مع تراجع معدلات التدفقات الدولارية خلال الأعوام الخمسة الماضية نتيجة العديد من العوامل، من بينها انخفاض مستويات السياحة وتحذيرات السفر إلى مصر من جانب عدد من الدول المهمة، خاصة بعد إسقاط الطائرة الروسية في سيناء في نهاية أكتوبر 2015، وتحول الدولار الى سلعة تجارية عند الذين يفضلون الاحتفاظ والمتاجرة به، وتراجع عائدات قناة السويس بسبب التباطؤ العالمي وتراجع حركة الملاحة الدولية منذ أغسطس 2015، فضلا عن تراجع قيمة الصادرات وصافي الإستثمارات المباشرة وتحويلات المصريين العاملين بالخارج. وفي هذا السياق، تشير بعض التقديرات إلى أن الطلب على الدولار أكثر من العرض في الوقت الراهن. فبينما يتراوح الطلب على العملة الخضراء حاليا ما بين 75 و80 مليار دولار (مكون من 65 مليار دولار للواردات، و6 مليارات دولار لخدمة الديون، و3 مليارات دولار للمصريين المسافرين إلى الخارج، و ما بين 1 إلى 6 مليار دولار لتحويل الأرباح إلى الخارج)، لا يتجاوز العرض الحالي للدولار 50 مليار دولار (مكون من 19 مليار دولار للصادرات و15 مليار دولار تحويلات المصريين بالخارج، و6 مليارات دولار من السياحة، و5 مليارات دولار من قناة السويس، و5 مليار دولار من الاستثمار الأجنبى). أي هناك فجوة دولارية مقدارها يتراوح بين 25 و 30 مليار دولار.

 

ثانيا، وجود فجوة كبيرة في تمويل البرنامج الاقتصادي للحكومة المصرية. حيث أشارت الحكومة، في بيان أصدرته في شهر يوليو الماضي، إلى أنها تستهدف تمويل برنامجها الاقتصادي بنحو 21 مليار دولار على ثلاث سنوات، لسد الفجوة التمويلية التي يعاني منها الاقتصاد المصري. وقد أوضح وزير المالية المصري، عمرو الجارحي، أن القاهرة تستهدف الحصول على 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي على ثلاث سنوات، بواقع أربع مليارات سنويا، إلى جانب طرح سندات دولية بقيمة 3 مليارات دولار، والحصول على قرض من البنك الدولي بقيمة 3 مليارات دولار، وقرض من البنك الأفريقي بقيمة 1.5 مليار دولار، إضافة إلى 2.5 مليار دولار من مصادر أخرى.

 

جدل ساخن

وفي ظل هذه الاعتبارات، يسود جدل كبير في كثير من الدوائر السياسية والمالية المصرية حول أهمية تعويم الجنيه وجدواه. وبشكل عام، يمكن القول إن هناك فريقين رئيسين تجاه مسألة تعويم الجنيه.

 

المعارضون لتعويم الجنيه:

 الفريق الأول يعارض بشدة مسألة التعويم، ويرى أهمية الحفاظ على سعر محكوم للجنية أمام الدولار، حتى ولو أدى ذلك إلى تآكل الاحتياطي النقدي، على أعتبار أن هذه المسألة "قرار سياسي" من أجل تجنب وتحاشي حدوث اضطرابات اجتماعية قد تهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي للدولة المصرية. فترك الجنيه لمواجهة الدولار بقواعد "العرض والطلب" سيتسبب في خفض سعره أمام الدولار لمستويات غير مسبوقة (قد تتجاوز العشرين جنيها للدولار)، وبالتالي حدوث موجات تضخمية هائلة تسبب صدمة اقتصادية قوية لأغلب الشرائح المجتمعية في مصر، لاسيما الطبقة الوسطى من أصحاب الدخول الثابتة. ويضيف هؤلاء بالقول إن التعويم سيؤدي إلي موجة من ارتفاع الأسعار لأن كل السلع المستوردة، وضمنها السلع الأساسية سترتفع أسعارها بنفس نسبة انخفاض الجنيه أمام الدولار. ويقول هؤلاء أيضا إن تعويم الجنيه سوف يزيد العجز في الموازنة العامة للدولة نتيجة ارتفاع فاتورة استيراد السلع التموينية والقمح مقدرة بالجنيه المصري، وهذه الموجة من ارتفاع أسعار السلع المستوردة, سيتبعها في الغالب ارتفاع أسعار السلع المحلية المناظرة لها أولا ثم كل السلع.

 

ومن جهة أخرى، يؤكد معارضي التعويم أيضا على أن التعويم سوف يؤدي إلى زيادة الأعباء علي رجال الأعمال الذين حصلوا علي قروض بالدولار أو العملات الحرة لتمويل استيراد الآلات والمعدات والمستلزمات الضرورية لأعمالهم, حيث سترتفع قيمة القروض مقدرة بالجنيه المصري لتضيف عليهم أعباء طارئة وغير متوقعة, مما ينذر بحدوث حالات تعثر في السداد.

 

ومن ناحية ثانية، يرى معارضي التعويم أيضا أن مخاطره جسيمة على الاقتصاد المصري في الوقت الراهن لأنه يأتي في ظروف تدهور الاحتياطي النقدي، الذي لا يزيد عن تغطية الواردات لمدة ثلاثة أشهر، وهو وضع حرج حسب توصيف البنك المركزي له, وفي ظل استمرار العجز الكبير في الميزان التجاري, وعجز ميزان الحساب الجاري ( ميزان التجارة السلعية والخدمية والتحويلات). ويضيف هؤلاء أيضا أن التوقيت الحالي لتعويم الجنيه غير ملائم على الإطلاق في ظل استمرار تيار تهريب "الفاسدين" لثرواتهم للخارج, وفي ظل استمرار البورصة المصرية بلا ضوابط بما يمكن المضاربين الأجانب من تحويل أرباحهم فيها للخارج بعد تحويلها لدولارات. ونفس الأمر ينطبق علي الشركات الأجنبية التي تحقق أرباحا هائلة، والتي تحول كل أرباحها بعد تحويلها لعملات حرة دون أي ضوابط. والتوقيت غير ملائم أيضا للتعويم، من وجهة نظر أنصار هذا الفريق، في ظل الاستيراد غير المشروع للأسلحة والمخدرات بما يستنزف رصيد مصر من النقد الاجنبي. وفي ضوء كل هذه الظروف والاعتبارات, يؤكد معارضي التعويم على أن تعويم الجنيه سوف يجعل سوق الصرف أشبه بـ "نفق أسود" يبتلع النقد الأجنبي المتاح، ويدفع في اتجاه تراجع الجنيه المصري بصورة غير مبررة.

 

ومن ناحية ثالثة، ينتقد معارضي التعويم "تبريرات" صندوق النقد الدولي لجدوى وأهمية هذا التعويم, على اعتبار أن تراجع سعر صرف الجنيه سيؤدي، في الغالب، ومن وجهة نظر مسؤولي الصندوق، إلي زيادة جاذبية السوق المحلية للمستثمرين والسياح الأجانب, الذين سيصبح لديهم قدرة اعلى على شراء السلع والخدمات والأصول، بما يمتلكونه من عملات حرة. فهذه "التبريرات" ليس لها قيمة، من وجهة نظر منتقدي التعويم، في ظل الظروف الراهنة لمصر, لأن ما يعيق تدفق الاستثمارات الأجنبية والسياحة إلى مصر هو عدم الاستقرار الأمني وتصاعد التطرف الديني والانشطة الإرهابية, وبالتالي فإن تعويم الجنيه لن يؤدي على الأرجح إلي أي تطور في جذب الاستثمار والسياحة.

 

ويضيف معارضي التعويم بالقول أيضا إن مقولة مسؤولي صندوق النقد الدولي الخاصة بأن خفض سعر العملة المحلية سيؤدي لزيادة القدرة التنافسية للصادرات, هي أيضا مقولة نظرية لا قيمة له في حالة مصر, لأن جمود الإنتاج وضعف النمو في مصر حاليا يعني أنه ليس هناك فائض كبير من السلع لتصديره.

 

ومن ناحية رابعة، يري معارضي مسألة تعويم الجنيه مقابل الدولار أن هذا التعويم قد يؤدى إلى التضحية بحوالى عشرة مليارات دولار، إلى أن ينضبط سعر الجنيه مقابل الدولار، وهو مبلغ باهظ قد لا يتحمله الوضع الاقتصادى للبلاد.. وفي هذا الصدد، يشير هؤلاء أيضا إلى أن "المتآمرين على مصر" لديهم قدرة كبيرة على سحب الدولارات من مصر، بهدف تركيع مصر اقتصاديا، وبالتالي فإن التعويم سيكون اقرب الى كارثة اقتصادية كبرى.

 

 

المؤيدون لتعويم الجنيه:

وفي مواجهة معارضي التعويم، يوجد فريق مؤيد بشدة لتعويم الجنيه مقابل الدولار. حيث يرى أنصار هذا الفريق ضرورة التعويم، وفى أقرب فرصة لإنقاذ الاقتصاد المصري من عثرته الحالية. ويؤكد مؤيدي التعويم على أن تثبيت سعر صرف الجنيه لمدة طويلة، وهي السياسة التي اتبعها البنك المركزي عبر إمدادات وطروحات الدولار الأسبوعية، أدى إلى إهدار كبير للاحتياطي النقدي من العملة الأجنبية لدى البنك المركزي. حيث انخفض هذا الاحتياطي إلى أدنى مستوياته عندما بلغ 17.5 مليار دولار فقط في شهر يونيو الماضي، هبوطا من مستوى 36 مليار دولار في مطلع عام 2011، وقد جاء هذا التراجع التاريخي في الاحتياطي النقدي المصري رغم حصول الحكومة على مساعدات خارجية من دول الخليج قد تجاوزت 30 مليار دولار، منذ يوليو  2013.

 

ومن جهة أخرى، يرى أنصار هذا الفريق أن السعر غير الحقيقي للجنيه سيؤدي إلى استمرار التشوهات الحالية فى الجسد الاقتصادى المصري، مما سيؤدي بالتأكيد إلى إعاقته عن التحرك السريع والانطلاق، وهو ما سيؤثر بالضرورة أيضا على مستوى خلق فرص العمل وزيادة الدخول. فعزوف الاستثمارات الاجنبية والمحلية،على سبيل المثال، لن ينتهي، من وجهة نظر هؤلاء دون تصحيح الخلل فى سعر الجنيه أمام الدولار. وفي هذا السياق، يؤكد مؤيدو التعويم على أن تصحيح سعر الجنيه أمام الدولار هو الخطوة الأولى لوضع الاقتصاد على المسار الصحيح ، وبالتالي توفير الوظائف من اجل معالجة مشكلة البطالة التى تمثل قنبلة موقوتة – تدفع الشباب إلى فقدان الأمل والانتماء، وما الهجرة غير الشرعية ومراكب الموت إلا صورة من هذه الصور.

 

ولكن مؤيدي التعويم منقسمون بشأن آلية تحقيق ذلك، ويشيرون إلى أن هناك خيارين:

  1. الخيار الأول هو "التوجه الصاعق"، والذي يستند على التعويم الكامل لسعر الجنيه فورا، وهو اتجاه سيوفر للدولة، من وجهة نظرهم، كثيرا من مواردها المهدرة في تثبيت سعر الجنيه.
  2. أما التوجه الثاني بين أنصار الفريق الداعم لتعويم الجنيه، فهو "الخفض التدريجي المحكوم"، على أن يبلغ مداه الكامل قبل نهاية العام الحالي من أجل الوصول إلى الاستفادة الكاملة منه. ويرى أنصار الخيار الثاني أن التعويم الفوري المفاجئ يحمل خطورة بالغة خلال الفترة التي تحتاجها السوق للتوازن، والتي قد تصل إلى "سنوات"، لأن السوق قد تنهار كونها غير مؤهلة لمثل هذا الإجراء في الوقت الراهن، كما أن الأثر المتوقع لمثل هذه الخطوة سيشمل ارتفاعات سعرية مفاجئة تمس مجمل مناحي الحياة، وهو ما لا يمكن للحكومة المصرية الحالية امتصاصه إلا على مدى "قصير جدا" عبر توفير دعم واسع لكثير من السلع الضرورية والأساسية، وهو ما سيمثل ضغطا شديدا على ميزانية الحكومة "المنهكة" أصلا. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن محافظ البنك المركزى المصري، طارق عامر، قد تعهد مؤخرا بتخصيص نحو ٢ مليار دولار بشكل عاجل لتوفير احتياطيات استراتيجية من ست سلع هى القمح والأرز والسكر وزيوت الطعام واللحوم والدواجن، لمدة ستة أشهر على الأقل. وقد قام عامر بتخصيص تلك المبالغ بناء على تعليمات مباشرة من الرئيس عبدالفتاح السيسى.

 

 

توصيات للمستقبل

 

لا شك أن تعويم الجنيه بشكل فوري لن يكون أبدا "طريقا للنجاة" في مواجهة التحديات الاقتصادية التي تمر بها مصر في الوقت الحالي، لكنه قد يفاقم الأوضاع سوءا ويجرنا إلى "الغرق" في مستنقع رفع الأسعار وزيادة معدلات التضخم وتقليل الدخول بشكل غير مباشر وتآكل الاحتياطي النقدي، مما سيؤدي في النهاية إلي فقدان الجنيه لقيمته وتحويله إلي ورقة لا قيمة لها فعليا. أما الحديث عن تأثيرات التعويم الإيجابية من حيث زيادة الصادرات والاستثمارات والسياحة فهو كلام يصطدم بالواقع الذي نعيشه اليوم، حسبما أوضحنا من قبل. وهنا، يجب التأكيد على أن التعامل الناجع مع مشكلات الاقتصاد المصري لن يتأتي إلا بزيادة الانتاج من خلال تشجيع الصناعات المحلية ورفع الإنتاج الزراعي وجذب الاستثمارات المحلية إلي جوار زيادة القدرة علي التصدير ومضاعفة الصادرات، وتقليص الواردات إلي أدني حد ممكن بحيث يتم وضع مواصفات صارمة للسلع المستوردة، كما يحدث في كل دول العالم للحد من استيراد المنتجات التي لها مثيل محلي أو السلع الترفيهية والاستفزازية.

وللعلم فإن هذه الإجراءات لاتتعارض مع اتفاقية الجات، وكل دول العالم تفعل ذلك ولا تخشي صراخ المستوردين ولا رجال الأعمال الانتهازيين الذين لاهم لهم سوي مص دماء الشعب.

 

وفي هذا السياق، يجب العمل في الفترة القادمة على عدد من المحاور المهمة لتنشيط مصادر النقد الاجنبي كبديل لتعويم الجنيه بشكل فوري, وفي مقدمتها:

 

أولا، تنمية الصادرات، ومعالجة أسباب تراجعها خلال الفترة الأخيرة, مع دعم ومساندة الصادرات ذات القيمة المضافة.

 

ومن جهة أخرى، على الحكومة الاهتمام بالمشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر، والتي تهدف إلى تحسين جودة الإنتاج ليكون قابلا للتصدير، والعمل على خلق فرص عمل جديدة للشباب لمواجهة البطالة وتوفير عملة صعبة للدولة. كما يجب أيضا تنفيذ تعليمات البنك المركزي المصري للبنوك بتوجيه 20 في المائة من اجمالي محفظة القروض خلال السنوات الاربع المقبلة لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة, وهو ما يلزمها بتوجيه 200 مليار جنيه لتمويل هذه المشروعات, ولاسيما الصغيرة جدا بعائد 5 في المائة متناقص. كما من الضروري أيضا توفير العديد من المناطق الصناعية المرفقة فى كل أنحاء الجمهورية قبل نهاية 2017، ووضع بنك للأراضى الزراعية والعقارية والصناعية قبل نهاية ديسمبر 2016.

 

ثانيا، تنشيط حركة السياحة واستعادة عافيتها سريعا من خلال خطة تسويقية لوزارة السياحة, خاصة مع عودة الامن بشكل واضح في الوقت الحالي.

 

ثالثا، تنمية وتنشيط الاستثمار الاجنبي قبل نهاية نوفمبر 2016، من خلال تفعيل الاتفاقيات التي تم توقيعها خلال مؤتمر شرم الشيخ والتي تتطلب, تفعيل قانون الاستثمار الموحد ولائحته التنفيذية, إلى جانب اتخاذ خطوات فيما يتعلق بفض المنازعات مع المستثمرين, وسرعة طرح مشروع محور تنمية قناة السويس. ومن الضروي أيضا اتخاذ قرارات حاسمة للقضاء علي البيروقراطية والفساد وتسهيل الاجراءات وتوفير الأراضي اللازمة لإقامة الصناعات. وفيما يتعلق بالاستثمار الاجنبي غير المباشر، من الضروري توسيع آلية ضمان خروج الاستثمارات في البورصة سواء في الاسهم او السندات الحكومية من خلال توسيع صندوق ضمان خروج هذه الاستثمارات الموجود بالبنك المركزي, لاعطاء ثقة وطمأنة لصناديق الاستثمار العالمية في البورصة المصرية. ومن ناحية أخرى، من المهم الإسراع في طرح السندات والصكوك الدولارية في السوق العالمية.

 

رابعا، اتخاذ اجراءات تقشفية تدريجية علي العمليات الاستيرادية للسلع غير الأساسية, سواء علي مستوى القرارات الادارية أو  على مستوى رفع الرسوم الجمركية، مع تشديد الرقابة علي المنافذ الجمركية, لمنع التلاعب في الفواتير, ودخول بعض السلع علي غير المثبوت في نموذج4 الصادر من البنوك من جانب المستوردين, حيث يتم استخراجه بقيمة معينة في حين ان السلع التي يتم دخولها من الجمارك بأضعاف الكمية المدونة بالنموذج وهو ما يمثل تهريبا, واضرارا بالاقتصاد والصناعة.

 

خامسا، تنشيط المفاوضات مع الدول الأجنبية والخليجية الشقيقة لمواجهة مشكلة نقص النقد الاجنبي في الامد القصير, سواء في شكل ودائع بفوائد او غيرها من الآليات المساندة. مع ضرورة تفعيل فروع البنوك المصرية بالخارج في الدول العربية والخليجية بشكل اساسي, للقضاء علي شراء تحويلات المصريين بهذه الدول من قبل بعض المضاربين وتحويلها في حسابات بعض المستوردين للسلع غير الضرورية باسعار مضاربة, وحرمان الاقتصاد من تحويل هذه المبالغ الي شرايينه الطبيعية.

 

سادسا، ضرورة عقد اتفاق بين البنك المركزي واتحاد الصناعات واتحاد الغرف التجارية المصريين لزيادة الصادرات وتنظيم الاستيراد حتى لا يعاني الاقتصاد من اختناقات وُشح في الموارد الدولارية.

 

سابعا، الاستمرار في رفع الدعم عن الطاقة والمواد الغذائية والمياة بالتدريج، مع تعويض ذلك من خلال تقديم دعم مادي للشرائج الاجتماعية المستحقة للدعم.

 

ثامنا، زيادة شفافية السياسة النقدية والمالية والتجارية للحكومة المصرية، والإعلان عن خطوات واضحة سواء على المدى القصير أو المتوسط أو الطويل، مع التوجه بصورة أكبر نحو الإعلام لإيصال الصورة بشكل أكبر للمواطنين، للحصول على دعمهم من جهة، ولتلافي البلبلة الحادثة في شتى الأرجاء واغتنام المنتهزين للفرص الناجمة عنها من جهة أخرى. وفي هذا السياق، يجب نشر رسالة إعلامية مفادها أننا في حالة حرب اقتصادية شرسة تتطلب من الجميع التآزر والتكامل لأننا في مرحلة تشبه وضعنا بعد حرب يونيو 1967، وعلينا الاختيار: أن نعبر القناة وندمر خط بارليف فى الاقتصاد كما فعلنا في أكتوبر 1973، أو أن نكرر أخطاء الماضي ونخسر المعركة.

 

الدعوة إلى 11/11 في ضوء الأزمة الاقتصادية:

ستمر مصر خلال ما تبقى من العام 2016 بثلاثة أشهر صعبة على الصعيد الاقتصادي، في الوقت الذي تعزز فيه دفاعاتها ضد مسلحي داعش الفارين من ليبيا.

 

القاهرة، بالفعل في المراحل الأخيرة لتأمين الشريحة الأكبر من دعم صندوق النقد الدولي في تاريخ الشرق الأوسط. وستعمل على الحصول على تمويلات إضافية من البنك الدولي، ومجلس التعاون الخليجي والصين.

 

تخطط مصر لاستخدام هذه الأموال لتقليص خطط الدعم المكلفة لها في 2017. ولهذا ستتصاعد معارضة الجماهير لهذه الإجراءات التقشفية خلال الربع الأخير من عام 2016 ولكنها لن تخرج عن السيطرة، وستظل عند مستويات يمكن احتمالها.