المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

مصر والسعودية.. الشيطان يسكن في تفاصيل الخلافات

الأربعاء , 12 يوليو 2017 - 12:12 مساءٍ

الرئيس السيسي والملك سلمان
الرئيس السيسي والملك سلمان

جاء الانتقاد العلني الذي وجهه المندوب السعودي في الأمم المتحدة السفير عبد الله العلمي، لتصويت مصر مع المشروع الروسي في مجلس الأمن، مؤخراً، بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير في العلاقات المصرية السعودية، وأعاد للساحة كرة الثلج التي تدحرجت بين البلدين رغم كل محاولات وقف انحدارها على المستوى الرسمي، خاصة في أعقاب رحيل الملك عبد الله بن عبد العزيز في يناير 2015 الماضي، ووجود ما اعتبره المصريون رسائل "ذات مغزى" من حليفتهم الكبيرة/ السعودية، بشأن مستقبل علاقات البلدين في المرحلة الجديدة.

 

ورغم أن زيارة الملك سلمان للقاهرة مطلع أبريل 2016، وما قوبل به من حفاوة منقطعة النظير على المستوى الرسمي والشعبي والإعلامي، قد بددت الفتور غير المعلن، خاصة مع توقيع عشرات الاتفاقات الاستثمارية بنحو 20 مليار دولار، إضافة إلى اتفاق لإمداد القاهرة بالنفط لخمس سنوات بتكلفة 23 مليار دولار.. إلا أن كلا البلدين لم ينجحا في التكتم على "المسكوت عنه" في الرؤى السياسية بين البلدين، والتي كشفت عن خلاف كبير في مسارات التعامل مع أخطر ملفين على الساحة العربية حالياً، وهما المتعلقان بسوريا واليمن.

 

وتزايدت فجوة الخلاف السياسي بين القوتين الكبيرتين في الشرق الأوسط، حول ملفات إقليمية، حتى ظهرت للعلن، مع إعلان الرياض استياءها من تصويت القاهرة مؤخراً في مجلس الأمن إلى جانب مشروع قرار روسي، ووقف شركة أرامكو السعودية إمدادات البترول إلى مصر للشهر الجاري.

 

وانطلقت شرارة الخلاف، بما اعتبر هجوماً سعودياً شرساً على مصر، لم يكتف بساحات التواصل الاجتماعي التي انتهزها كثيرون وخاصة من أنصار الوقيعة ونشر الفتن، لتحفل هذه الساحات بكمٍّ كبير من السِّباب للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وتخوينه من قبل كتاب سعوديين وأكاديميين يُنظر إليهم على أنهم في موقع التعاطف مع جماعة الإخوان، أو من أنصارها، وكان قد سبقه إذاعة قناة روتانا خليجية ـ المملوكة للأمير الوليد بن طلال ـ حواراً مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أجراه الإعلامي جمال خاشقجي (المقرّب من السلطات السعودية، والمعروف عنه تبنّيه لفكر جماعة الإخوان)، وتهجم فيه على الرئيس المصري بشكل سافر، شعرت منه القاهرة أنه رسالة مقصودة وموجهة.

 

صحيح أن السفير السعودي في القاهرة، أحمد بن عبد العزيز قطان، رفض ـ في مداخلة مع فضائية صدى البلد الخاصة ـ الربط بين موقف حكومته الرسمي وبين دلالات الحوار، مؤكداً على أن القناة "خاصة" ولا علاقة لها بأي توجه رسمي، مستدلاً بموقف بعض وسائل الإعلام الخاصة المصرية من بلاده ـ وهذا صحيح تماماً ـ مؤكداً على أنه لا ينبغي الاعتداد إلا بموقف حكومي رسمي، ولكن بات واضحاً أن هناك في الصدور ما لا يمكن إخفاؤه، لتتحرج كرة الثلج وتتسارع، ليسقط تصريح السفير المعلّمي وانتقاده العلني لمصر ـ على غير عادة الديبلوماسية السعودية الهادئة ـ ورقة التوت حول جذور الخلافات وأسبابها.. بالتوازي مع ردود أفعال مصرية، كان أهمها على لسان الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي شدد في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة بمناسبة ذكرى حرب أكتوبر، على عمق العلاقات، ولكن اعتبر محللون كثيرون عبارته "لن نركع إلا لله" إشارة إلى موقف مصري واضح من أية ضغوط تستغل الوضع الاقتصادي الصعب في مصر.

 

وفي هذا التقرير سيتم ـ باختصار ـ تناول أسس الخلاف بين البلدين، وردود الأفعال التي أعقبته من الطرفين، وكيف يمكن الخروج من الأزمة.

 

 

أولاً: جذور الخلاف

 

رغم ما اتسمت به العلاقات المصرية السعودية من "تحالف استراتيجي قوي" كما تقول بيانات ما بعد أي لقاء بين مسؤولي البلدين، خاصة في مرحلة ما بعد ثورة 30 يونيو، ووقوف المملكة بكل ثقلها مع إرادة الشعب المصري والسلطة الجديدة، في عهد الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، وهو ما يحرص غالبية المصريين بمختلف توجهاتهم على تقديره وتثمينه، إلا أنه بدا واضحاً حرص الديبلوماسية المصرية على ما تعتبره "استقلال القرار الوطني" بعيداً عن أية مؤثرات أو بمعنى أصح "مساعدات".

 

ورغم أن الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، أطلق تصريحه الشهير "مسافة السكة"، عقب انتخابه في 2014، في إشارة إلى حرص مصر على أمن دول الخليج، واعتباره ضمن أولويات الأمن القومي المصري، إلا أن القراءة الموضوعية للتصريح، تكشف عن أنه ليس "شيكاً على بياض" وأن "مسافة السكة" هي لمواجهة أي عدوان، وليس للمشاركة في أي "اعتداء" حسب تفسير محللين سياسيين مصريين.. رأوا أيضاً عدم صحة الحديث عن تحالف استراتيجي بين القاهرة والرياض.

 

أحد هؤلاء ـ وهو الكاتب الصحفي المصري عبد الله السنَّاوي ـ اعتبر فيما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية: أن "التحالف الاستراتيجي يعني وجود تفاهمات في الملفات الإقليمية، وهو أمر غير موجود بينهما في الملفين السوري واليمني" وقال إن "الخلاف الآن انفجر وظهر للسطح".

 

بالمقابل، قال الكاتب السعودي البارز جمال خاشقجي لوكالة الأنباء الفرنسية: "مصر لا ترى خطرَ الإيرانيين" الذين يدخلون في صراع إقليمي محموم مع السعودية بتأييدهم لبشار الأسد في سوريا والحوثيين في اليمن، معتبراً أن "السعودية تسامحت مع الموقف المصري مراراً وتكراراً، وأعتقد أن ما حدث في تصويت الأمم المتحدة هو القشة التي قصمت ظهر البعير".

 

وهنا يمكن تحديد أسس الخلافات بين البلدين في ثلاث محاور رئيسية:

 

1) الأزمة اليمنيّة:

 

مثلت الأزمة اليمنية، واحدة من التباينات الكبيرة في مواقف البلدين (السعودية ومصر) الفعلية على الأرض، فالبلدان وإن اتفقتا "سياسياً" إلا أن مشاركتهما العسكرية فيما يعرف بالتحالف العربي متباينة، وربما كانت أول اختبار حقيقي للرؤى السياسية المختلفة بشأن معالجة الأوضاع.

 

ولنكن صريحين، فإن اليمن تمثل لمصر "ذكرى أليمة" بتورطها في حربها هناك ـ كما اعتبر سياسيون ـ كانت المقدمة لنكسة 1967، عدا الخسائر الفادحة التي تكبدها الجيش المصري، لوقوعه في فخ حرب العصابات التي دارت وقتها، وكان التدخل المصري في اليمن، يُواجَه بمعارضة علنية وشديدة من السعودية التي ناصبت الرئيس الراحل جمال عبد الناصر العداء لذلك على خلفية ما اعتبر وقتها موقفاً قومياً.

وتدور الأيام، ليتعاكس الأمر بعد قرابة نصف قرن، السعودية تقود تحالفاً عربياً في اليمن، وهذه المرة تشارك مصر رمزياً وتعلن دعمها الخجول عبر قوات بحرية لحماية مضيق باب المندب والوقوف في وجه أية تهديدات إيرانية محتملة، رغم ما قيل عن عدم استشارتها في إعلان الحرب على الحوثيين وقوات الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وثانياً لأن إعلان هذه الحرب تم قبيل ساعات من القمة العربية التي استضافتها مصر في 2015، وثالثاً ـ وربما هو الأهم ـ ما قيل عن عرقلة السعودية لفكرة القوة العربية المشتركة التي أعلن عنها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، كأداة عربية لمواجهة الإرهاب، دون اللجوء لمساندة غربية أو خارجية.

 

 

السعوديون، الذين كانوا يأملون في مساندة مصرية برّية، يبدو أنهم أصيبوا بخيبة أمل مكتومة، ولم يتفهموا التجربة المصرية نفسياً على الأقل، وبالتالي ظلت مصر رغم مشاركتها المعلنة في التحالف العربي، تنأى بنفسها عن أية تداعيات إضافية تجرها إلى مستنقع تعرف أنها خسرته مسبقاً، وليست على استعداد لأن تدفع فاتورته من دماء جيشها، حتى لو كان الأمر مقابل معونات اقتصادية.

 

السعوديون أيضاً، لم يفرقوا بين المشاركة المصرية في حرب تحرير الكويت، والتي احتلتها دولة عربية هي العراق أيام الرئيس الراحل صدام حسين (1990)، وبين اليمن التي تتعرض لنزاع داخلي مدعوم إقليمياً من إيران، اكتسب بعداً مذهبياً وناصب السعودية العداء، بل هدّد حدودها الجنوبية.

 

القاهرة حاولت أن تبقى بعيداً عن أية ضغوط، تنجرُّ فيها لصراعات خارج حدودها، وتعللت بأن قرار المشاركة في الحرب يحتاج تصديقاً من مجلس النواب (لم يكن قد انتخب بعد ولا يريد الرئيس تحمل مسؤولية القرار بمفرده)، وحتى برّرت مشاركتها البحرية في باب المندب بهدف مصري بحت، وهو حماية الملاحة في قناة السويس شريانها الحيوي، بالتزامن مع خوضها حرباً شرسة ضد إرهاب معلن تقوده جماعة الإخوان وميليشياتها الإرهابية والتكفيرية، إضافة لضغوط خارجية اقتصادية هائلة، لحلحلتها وإسقاط مؤسساتها، لذا بدت متوازنة إلى حد كبير في مواءماتها السياسية وخياراتها العسكرية.

 

السعودية من جانبها، حافظت على رباطة جأشها ،وربما تفهمت الموقف المصري ـ وإن لم ترضَ عنه ـ لكن كانت اليمن وستظل نقطة خلاف مبدئية وأساسية، ربما تكون الآن قد أدركت صحة الموقف المصري، خاصة وأن الحرب اضطرت السعودية لإعلان إجراءات تقشفية شديدة لمواجهة العجز في ميزانيتها والتي استهلكته نفقات الحرب طيلة عام ونصف فقط، وكذلك خسائرها البشرية هناك، دون إغفال تبعات ما قد يطلب منها لاحقاً وهو المشاركة في إعادة تعمير اليمن.

 

 

2) الأزمة السوريّة:

 

"كان من المؤلم أن يكون الموقف السنغالي والماليزي أقرب إلى التوافق العربي من موقف المندوب العربي (المصري)".

بهذه العبارة ـ غير المعتادة ـ انتقد مندوب السعودية في مجلس الأمن عبد الله المعلمي موقف مصر، في مقابلة تلفزيونية بعد عملية التصويت في مجلس الأمن، في أول انتقاد سعودي علني وصريح للسياسة المصرية.

 

وكي نفهم سبب "الغضب" السعودي، يجب علينا العودة لمجمل مشروعي مجلس الأمن حول سوريا، ومدى الاختلاف بينهما.

 

أـ المشروع الفرنسي الأسباني: تركز حول 4 نقاط، هي (إدانة الأعمال العدائية، دعوة لهدنة، السماح بوصول المساعدات الإنسانية للمحاصرين في المدن، حظر الطيران فوق حلب).

 

ب ـ المشروع الروسي: تركز أيضاً حول ذات النقاط الأربع (إدانة الأعمال العدائية، دعوة لهدنة، السماح بوصول المساعدات الإنسانية للمحاصرين في المدن، الفصل بين المعارضة المعتدلة وجبهة النصرة).

 

والملاحظ، أن المشروع الروسي يطالب بوقف القتال في مدينة حلب السورية، من دون أن يلحظ وقف القصف من روسيا وطيران نظام الأسد على الأحياء الواقعة تحت سيطرة فصائل المعارضة في المدينة الواقعة في شمال سوريا، والذي تطالب به الرياض والدول الغربية الداعمة للمعارضة.

 

الملاحظ أيضاً، أن مصر صوّتت مع المشروعين لأنها رأت فيهما مصلحة سوريا، وليس ذنبها أن روسيا استخدمت الفيتو ضد المشروع الفرنسي، لأنها ترفض أية قيود على حريّة طيرانها فوق سوريا وتعتبره موجهاً ضد نفوذها هناك، وليس ذنبها أيضاً أن غالبية الدول الأعضاء رفضت القرار الروسي كنوع من العند وربما المكيدة السياسية.. والأهم من ذلك كله، أن التصويت المصري في الحالين "غير مؤثر" فعلياً لأنها ليست من الدول دائمة العضوية.

 

ومثل اليمن، فإن مصر ترى في سوريا ذكرى تاريخية، إذ أنها كانت محطة أول وحدة بين بلدين عربيين في ستينيات القرن الماضي، صحيح أنها انتهت بالفشل ولم تصمد أكثر من عامين، لكنها لا تزال ضمن أدبيات الذاكرة المصرية، الجيش العربي السوري في الإقليم الشمالي ـ كما كان يُسمّى ـ كان هو الجيش الأول، فيما مصر لديها الجيش الثاني والجيش الثالث حتى الآن بدون تغيير.

 

الأهم أيضاً، أن مصر سياسياً، ترى أن سوريا مستهدفة من فلول الجماعات الإرهابية، ويخوض جيشها ـ في رأيها ـ حرباً على الإرهاب، وترى ضرورة الحل السلمي للوضع، وأن لا مبرر إطلاقاً لأية دولة خارجية المشاركة في إنهاء نظام بالقوة، وهذا متروك لخيار الشعب السوري أولاً دون وصاية أو تدخل من أحد، وهذا يناقض الرؤية السعودية (تشاركها قطر) الساعية لعزل الرئيس السوري بشار الأسد، وتغييبه عن المشهد تماماً باعتباره جزءاً من المشكلة، بينما مصر ترى أنه جزء "مؤقت" من الحل.

 

الأخطر، والذي أشعل الموقف وأثار حفيظة المصريين، أنه بعد يومين من تصويت مصر إلى جانب مشروع القانون الروسي، أعلن المتحدث باسم وزارة البترول المصرية حمدي عبد العزيز أن "شركة أرامكو السعودية أبلغت الهيئة العامة للبترول شفهياً مطلع الشهر الجاري بوقف إمدادات البترول لشهر أكتوبر دون إبداء أي أسباب".. وهو ما أدى لاحتقان مصري كبير، لم يخمده حتى تصريح الرئيس السيسي بأن الاتفاق بشأن البترول تجاري وليس سياسياً.

 

والملاحظ أن الرئيس المصري تدخل أكثر من مرّة لتلطيف الأجواء بين البلدين، فيما لم يُنقل عن أي مسؤول سعودي ـ بأي درجة ـ أي تصريح بخصوص مسار العلاقات بين البلدين، غير ما تسرّب من معلومات عن زيارة سرية قام بها المستشار في الديوان الملكي سعود القحطاني للقاهرة، دون أية تفاصيل أخرى.

 

الضجة المكبوتة أيضاً في مسار العلاقات، كانت في استقبال مصر لرئيس الأمن الوطني السوري، اللواء علي مملوك، ومباحثاته مع نظيره اللواء خالد فوزي، والذي استثمره مغردون وكتاب سعوديون باعتبار مصر تضع يدها في يد "القاتل بشار" كما يصفون، فيما أن السعودية ذاتها سبق وأن استقبلت مملوك في زيارة غير معلنة، قبل أشهر، وتم كشف النقاب عنها.

 

 

3) صراع الطموحات:

 

وهذه هي الأزمة غير المعلنة تاريخياً بين البلدين الباحثين عن الريادة والزعامة عربياً وإسلامياً، ربما ظلت مصر طيلة أكثر من 30 عاماً بمثابة العملاق النائم أو المريض (بفعل ما لحقها من تبعات عقب كامب ديفيد 1979، وانكفائها على معالجة مشاكلها الداخلية) وتراجع نفوذها، لتتاح الفرصة للسعودية للبروز تدريجياً سياسياً واقتصادياً، انطلاقاً من مكانتها المقدسة إسلامياً، في محاولة لقيادة المنطقة، وقد تحقق لها ذلك جزئياً.

 

واعتمد المشروع السعودي لقيادة العالم السني تحديداً على تصاعد النفوذ السعودي بشكل كبير، والذي بلغ ذروته في حرب تحرير الكويت والأعوام القليلة التي أعقبته، وتوج عالمياً بما عرف بـ"مبادرة السلام العربية التي أطلقها العاهل الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز، لتسوية الصراع مع إسرائيل، لكن هذا المشروع تلقى ضربة موجعة مع نشوء الجمهورية الإسلامية في إيران (1979 أيضاً) ومشروعها بتصدير الثورة في محاولة لزحزحة السعودية، وقيادة إيران للعالم الشيعي ورعاية الأقليات الشيعية في العالم.

 

النفوذ السعودي تلقى لكمة عنيفة باغتيال حليفها رفيق الحريري في لبنان (2005) وصعود ذراع إيران هناك حزب الله بشكل لافت، تحت اسم "المقاومة".. التي لا ينكر أحد أنها جذبت أهواء كثيرين.

 

ثم ظهرت المواجهة الأخرى، بمشروع تركي وتحديداً منذ وصول رجب طيب أردوغان للحكم، ورعايته مشروع قيادة العالم الإسلامي بزعم إعادة الخلافة العثمانية، وهو ما اعتبر منافسة جديدة للمشروع السعودي، الذي وجد نفسه محاصراً بشكل كبير بين أيديولوجيتين، إحداها "شيعية" تقودها إيران، والأخرى "سنية" أيضاً لا تخفيها تركيا.

كل هذا حدث، بالتوازي مع سقوط فعلي للعراق تحت النفوذ الإيراني بعد الغزو الأمريكي 2003، وبروز ما عُرف بـ"الربيع العربي" الذي امتد نيرانه لتشتعل في ثوب السعودية الجنوبي.. اليمن، وظهور الحوثيين كامتداد للمشروع الإيراني واستنساخاً لتجربة "حزب الله" في لبنان، واشتعال سوريا كساحة صراع جديدة ثبتت فيها إيران نفوذها عقب دعمها المباشر لنظام الرئيس بشار الأسد، أما غرب البحر الأحمر، فكانت ثلاث دول (مصر/ ليبيا/ تونس) قد سقطت بأكملها تحت سيطرة تيارات الإسلام السياسي، وتحديداً جماعة الإخوان، لتجد السعودية نفسها داخل طوق جغرافي يحاصرها.

 

وبالتالي كان على السعودية ضرب هذا الطوق في أقوى نقاطه، وهي مصر، لتلقي بثقلها الكامل معنوياً وسياسياً واقتصادياً بجانب مصر وبالذات عقب ثورة 30 يونيو التي أطاحت بنظام حكم الإخوان.. وبالفعل نجحت في كسر هذا الطوق من خلال مصر.

 

المصريون الذين قدّروا كثيراً الوقفة السعودية، كانوا حذرين جداً في الدخول في معادلات تورطهم وتشتت انتباههم عن الخطر الحقيقي على أرضهم، وهو الإرهاب، لذا كان ألمهم شديداً ومكتوماً من السعودية التي رفضت القوة العربية المشتركة التي دعا إليها السيسي، وشاركوا رمزياً وبحذر في حرب التحالف على الحوثيين في اليمن، وكانت رؤيتهم في التعامل مع الوضع في سوريا مختلفة تماماً عن الرؤية السعودية في مجمل عناصرها.. في إشارة إلى وجود مشروع مصري آخر، ينذر بإمكانية عودة مصر لممارسة دورها المعروف عربياً وإقليمياً، وهو ما يثير الكثير من التحفظات التي كشفها محلل استراتيجي بأن هناك "بعض القوى تدعم مصر لمجرد أن تبقى.. ولكن لا تقوى"، في إشارة ضمنية للسعودية وغيرها.

 

 

ثانياً: حملات واتهامات

 

جاء الانتقاد العلني للموقف المصري ليسقط ورقة التوت، ويظهر ما كتمته الصدور طويلاً بين الجانبين، لتبدأ حرب الكتابات والكتابات المضادة إضافة إلى التغريدات على وسائل التواصل الاجتماعي.

 

الحملة السعودية:

 

ـ كانت شرارة البداية سعودية، عبر مقال كتبه رئيس تحرير طبعة الرياض لجريدة الحياة، سعود الريّس (الثلاثاء 11 أكتوبر) اتهم فيه السياسة المصرية بالرمادية والتخبط، وقال "إشكال مصر اليوم أنها مازالت تعيش أوهام قيادة العالم العربي، وأنه لا أحد يستحق هذه القيادة سواها، والمعضلة الكبرى هنا أن مصر لم تعد مهيأة - لا سياسياً ولا اقتصادياً - للقيادة، وخلاف ذلك فإن تركيبتها الداخلية لم تتمكن من مواءمة متطلبات شعبها، لذلك فهي غير موجودة أصلاً في القضايا العربية، حتى في الدول التي تقع على حدودها تجدها مغيبة بالكامل".

 

ـ تلاه حملة شعواء على مواقع التواصل الاجتماعي، شارك فيها كتاب ومغردون وأكاديميون سعوديون قادها الكاتب الشهير جمال خاشقجي، ود. فهد العرابي الحارثي، ود. خالد الدخيل، وغيرهم من أشخاص محسوبين على أفكار جماعة الإخوان، ولهم مواقفهم المسبقة من النظام في مصر، باعتباره انقلاباً على أول رئيس مدني منتخب، وحكم العسكر وغيرهما من المرادفات المتسقة مع جماعة الإخوان.

 

 

ـ في حلقة "الأسبوع في ساعة" على قناة روتانا خليجية (15 أكتوبر) اعتبر د. فهد العرابي الحارثي أن: "المشتركات الخليجية مع تركيا أكبر وأهم من المشتركات مع مصر". وقال أيضا "لقد تأخرنا كثيرا في التنسيق مع تركيا، ونحن بحاجة للتنسيق معها باعتبارها أقرب الدول الإسلامية لسياستنا".. وأضاف "من يقول إن مصر مستقلة سياسياً فعليه ألا يقف في وجه دولة مثل السعودية".

 

ـ حفلت مواقع التواصل الاجتماعي ببذاءات واتهامات غير مسبوقة وصلت حد اتهام السيسي بخيانة الأمة والدين، وقال بعضها إنه "شحات الرز".. وغيرها مما يعف اللسان عن ذكرها.

 

ـ بالمقابل، كانت هناك أصوات سعودية "عاقلة" دعت لرأب الصدع وشددت على أهمية العلاقة مع مصر، كان أكثرها وضوحا مقال الكاتب علي سعد الموسى في صحيفة الوطن (12 أكتوبر) بعنوان "كي لا نخسر مصر"  وقال فيه :" لماذا لم تنبس مصر الرسمية ببنت شفة ولم تشك أو ترتاب من تحالفنا المعلن مع تركيا رغم تدخلها السافر في الشأن المصري الداخلي بعد ثورتها الشعبية الجارفة الأخيرة؟ والجواب الوحيد أن حكماء العقل السياسي في أعلى هرمي القيادة في البلدين يدركان أن العلاقات التاريخية أكبر من تصويت أو رفع إصبع على طاولة قرار أو فتح سفارة. لم يبق في هذا العالم العربي من الأحياء الأصحاء سوى الرياض والقاهرة في وجه هذه العواصف التي حولت عواصم الخريطة نفسها إلى جثث هامدة. لا توجد فرصة وليس هناك خيار أن تسمح هاتان العاصمتان وهذان الشعبان بخسارة ما تبقى من روابط الأعصاب الحية في قلب الجسد الميت. الهلال الصفوي يسبح اليوم في فضاءات أربع عواصم عربية وخلايا الإرهاب تحكم رسمياً أربع عواصم أخرى، وسبع دول تعيش لسنوات بلا رئاسة أو حكومة. والسؤال الأخير: ماذا بقي في العالمين العربي والإسلامي ومن سيتبقى لهما ونحن ندق الإسفين مسماراً ساخناً في قلب العلاقة ما بين البلدين من أجل تصويت لا قيمة له في مجلس الأمن؟ انتبهوا جيداً: لمصلحة من بالتحديد يجري خراج هذا العبث للتفريق بين آخر فارسين عملاقين متحدين في هذه المعركة الشرسة؟".

 

ـ أيضاً، كتب وزير الصحة السعودي السابق، حمد المانع قائلا :" إن مصر والسعودية لا يملكان ترف الخلاف فى وقت تتوحد فيه جهود أعدائنا من أجل إسقاط البلدين وإغراقهما فى طوفان الفوضى الذى ابتلع كثيراً من دول المنطقة" وأضاف في مقال بصحيفة الوطن السعودية (18 أكتوبر) ما يلي :"أعلم أن لدينا فى المملكة بعضاً من المتربصين بالإدارة المصرية تعاطفاً مع بعض أطياف المعارضة المصرية، أو انتماء لفكر هذه المعارضة، وأعلم أن هناك بعضاً من المتربصين بالمملكة فى مصر أيضاً لخلافات وخصومات فكرية مع المملكة، ولا نحجر على فكر أحد، فكل منا حر فيما يعتنق من أفكار، لكن هذه الأفكار التى يعتنقها أى منا، والمواقف التى يتبناها، يجب فى الأخير ألا تكون ضد مصلحة بلاده، فموقف أحدنا الرافض للإدارة المصرية أو تعاطفه مع بعض أطياف المعارضة المصرية لا ينبغى أن يعميه عن أن مصر تمثل عمقاً إستراتيجياً بالغ الأهمية لبلادنا، وفى المقابل لا ينبغى أن تعمى كراهية المملكة بصر أى صاحب موقف معادٍ لها فى مصر عن أنها سند بلاده فى التحديات الكبرى التى تواجهها. وشئنا أم أبينا جميعاً فبلدانا فى سفينة واحدة تحاول التوازن والصمود فى مواجهة موجات متتالية من أعنف العواصف التى تضرب المنطقة، وعلى كل منا أن يدرك أن آخر ما يحتاج إليه بلده أن يخرق خرقاً فى جدار هذه السفينة، ومن لا يدرك هذه الحقائق ويظن أن بإمكان أى من البلدين أن تنفصل عن الأخرى فى هذا المحيط السياسى الهائج فهو واهم، ومن يعلم أهمية كل بلد منهما للآخر ثم يواصل الدفع فى خط الوقيعة بينهما فهو خائن".

 

 

الحملة المصرية:

 

لا ينكر أحد وجود أصوات تتحدث بلهجة هجومية منذ فترة للسعودية في الإعلام المصري الخاص، وتصل حد إعلان العداء الصريح مثل إبراهيم عيسى وصحيفته "المقال".. وكذلك إعلاميون آخرون في قنوات خاصة، ينجرفون وراء وسائل التواصل الاجتماعي بشكل يسيئون به إلى علاقات مصر بكثير من الدول العربية، جابر القرموطي، وائل الإبراشي، يوسف الحسيني، مثال واضح خاصة في الأزمة الأخيرة.

 

ـ التهجم الصارخ على السعودية، جاء من صحيفة الوطن المصرية، التي أعدت تقريراً مطولاً (12 اكتوبر) زعمت فيه أنه بتولى الملك سلمان مقاليد الحكم فى السعودية، حصلت الجماعات الإرهابية على دعم مالى وعسكرى مباشر من المملكة..! وختمت بالقول :" السعودية الآن تدفع ثمن احتضان التنظيمات الإرهابية سابقاً وحالياً على يد الملك سلمان، وخصوصاً تنظيم القاعدة، المنفذ لأحداث 11 سبتمبر، بعد إقرار الكونجرس الأمريكى، سبتمبر الماضى، تشريعاً يسمح لأسر ضحايا هجوم 11 سبتمبر بمقاضاة الحكومة السعودية على الأضرار التى لحقت بها، وهو ما اعترض عليه البيت الأبيض بعد أن استخدم الرئيس الأمريكى باراك أوباما الفيتو الرئاسى لتعطيل القانون، إلا أن مجلس النواب الأمريكى أصر على تمريره".

 

ـ الأهم كان كان فيما كشفه نقيب الصحفيين الأسبق، الكاتب مكرم محمد أحمد، على قناة صدى البلد (الإثنين 17 أكتوبر) من رسائل لا يمكن تجاهلها وملخصها كالتالي:

 

1- مصر غاضبة بالفعل، وغضبها يرجع إلى تأخر شحنات النفط السعودي، كاشفاً أنها ليست المرة الأولى التي يتأخر فيها هذا النفط بل تأخر3 مرات في 8 أشهر "مصر لم تدخل مع السعودية في خلاف، بل فرض عليها هذا الأمر بقرارات.. لا يعقل مثلاً أن تكون الحصة التي تستلمها مصر شهرياً من البترول السعودي خاضعة للقرارات السياسية، ويتم إيقافها كل فترة، هذا تعاقد تجاري ويجب أن يفصل عن القضايا السياسية.. غير مقبول أن تذهب السفن كل مرة لتحميل النفط فيقال لهم لا.. هل يمكن للإرادة السياسية المصرية أن تقبل تأجيل الشحنات3 مرات في 8 أشهر؟!"

 

2- مصر لا تقبل الأوامر، وعلى السعودية احترامها، مشيراً في هذا السياق إلى أن مصر تحارب بالفعل حفاظاً عن أمنها وعن أمن السعودية والعالم العربي في عدد من المناطق ومن بينها مضيق باب المندب، ومؤكداً على تشديد السيسي على استعداد مصر للتدخل لحماية جاراتها.

 

3- كواليس توقيع اتفاقية تسليم جزيرتي تيران وصنافير للسعودية شهدت ضغطاً سعودياً وإصراراً على أن يتم حسمها قبل نزول طائرة الملك سلمان مطار القاهرة، وأن مصر استجابت لهذه الضغوط وواجهت الغضب الشعبي والرفض القضائي "حين أصروا أن يم موضوع الجزيرتين قبل أن تهبط طائرة الملك مطار القاهرة، وافقت مصر، إكراماً لسلمان ولزيارته لمصر رغم أن المناقشات لم تكن قد انتهت".

 

4- أن إدارة الملفات الأمنية التي كانت تديرها مصر في الجزيرتين سينتقل منها إلى إسرائيل وليس إلى السعودية وأن التأخر في التسليم مرتبط بمواصلة التفاهم حول هذا الموضوع "نحن لم نتأخر في تسليم الجزيرتين، ولكن هناك إجراءات دستورية وقانونية، كما أن هناك طرفاً ثالثاً في هذا الشأن وهي إسرائيل التي ستتسلم المهام الأمنية التي كانت موكلة لمصر إزاء الجزيرتين، وهذا التسلم والتسليم لا بد أن يتم بموافقة الأطراف الثلاثة؛ السعودية ومصر وإسرائيل وما زالت هناك خطوات ومتاعب داخلية، كما أن هناك تياراً معارضاً غير ضعيف يرى أننا حاربنا عن هاتين الجزيرتين لمدة 50 عاماً، ومع ذلك كانت مصر في منتهى الشجاعة الأدبية ضد التيار العام الداخلي وذهبت للقضاء ضد هذا التيار وحين صدر القرار في غير صالح الحكومة قامت باستئنافه".

 

ـ وبالمقابل، كانت هناك أصوات مصرية متعقلة، أبرزها مقال مجدي الجلاد في الوطن (14 أكتوبر) بعنوان "..والله عيب" هاجم فيه النافخين في كير الاستعداء موضحاً مكانة البلدين، وختم بالقول :" لا تعايروا مصر بفاقتها.. فدونها ينهار «بيت العرب».. ولا تعايروا السعودية بما كان.. فدونها تسكن «الوحشة» قلوب العرب.

لا حليف إلا الشقيق.. ولا سند إلا من يجرى دمى فى عروقه..

 

ـ وكذلك كتب عبد اللطيف المناوي في المصري اليوم (16 أكتوبر) بعنوان "مصر والسعودية.. انفجار أزمة"، أشار فيه إلى أن "أول عناصر حل أى أزمة هو الاعتراف بالأزمة. وبالتالى لسنا بحاجة للاعتراف بوجود أزمة بين مصر والسعودية، لأنها انفجرت بالفعل، وهذه المرة يبدو أنه انفجار عالى الصوت ومدوٍّ، وينبغى العمل على حصاره والتحكم فيه وإدارته، وأنا هنا أتحدث عن دور يقوم به الطرفان، مصر والسعودية. وستكون إحدى علامات المراهقة السياسية والإعلامية أن يقف أى طرف للآخر مكايداً، أو نافخاً فى الكير".

وأضاف أن "هناك العديد من الزوايا فى هذه الأزمة الجادة، ويمكن التوقف أمامها جميعا، فى مراحل أخرى، ولكن اليوم نقف عند منطقة: كيف يمكن حصار الأزمة، وعدم تصاعدها".. موضحاً أنه "من حق مصر أن يكون لها موقفها المتمايز والمختلف عن السعودية، ومن حق السعودية أن تكون لها سياساتها التى تختلف جزئياً أو كلياً مع السياسة المصرية، لكن الأكيد أن هناك حاجة لإدارة عقلانية لهذا الخلاف أو الاختلاف".. واختتم بالدعوة "إلى حوار عقلانى صريح، وإدارة الخلاف بشكل يصب فى صالح الدولتين".

 

 

ثالثاً: إيضاحات وحقائق

 

أخيراً.. ليس ثمة أي مجال للحيرة أمام التناقضات التي تحكم العلاقات بين مصر والسعودية. التناقضات حكمت علاقات السعودية مع مصر منذ الخمسينات من القرن الماضي وإلى اليوم.

 

ووفق ما ذكره الباحث أحمد أبو دوح ، في صحيفة العرب اللندنية (18 أكتوبر 2016) فإنه:

1) منذ إسقاط نظام الملكية وصعود الناصرية، التي أسست لنظام حكم جمهوري في مصر، لم يتوصل البلدان إلى أي صيغة توافقية تمكنهما من العمل معا ضمن معسكر واحد بسهولة. بالطبع تلاقت المواقف في نكسة 67 وحرب 73 وفي حربي الخليج الأولى والثانية، لكن ظلت الخلافات تحكم نهج البلدين في الكثير من التفاصيل الأخرى.

 

2) لم ترتقِ العلاقة بين الجانبين يوما إلى مستوى التحالف، وبدلا من ذلك حافظ النظامان في البلدين على مسافات متباعدة بلورت “علاقات الضرورة” التي مازالت تحكم توجهات البلدين إلى الآن.

 

3) طبيعة الحكم في مصر، التي مازالت رواسب الناصرية تدعم عقيدتها، لا تميل إلى التوجه نفسه، رغم الإجماع بين المؤسسات الرئيسية على أن الولايات المتحدة مازالت تملك كل أوراق اللعبة في المنطقة وغيرها.

 

4) طبيعة الشعبين وسياق تاريخهما مختلفان تماما. ثقافة الناس في الشارع المصري مازالت تحمل البعض من جينات التمدن الذي يتعارض في جوهره مع تركيبة المجتمع السعودي القائم على القبلية والسلفية بتوجهها الوهابي. لا تصنع هذه الاختلافات العميقة حليفين يمكن الاعتماد على توافقاتهما.

 

5) تشبه العلاقة التي تجمع البلدين اليوم “صراع شقيقين” يحاولان إخفاء تبعاته عن الجيران. المشكلة هي أن كل محاولات الشقيقين لإخفاء أبعاد هذا الصراع المحتدم باءت بالفشل.

 

6) ليست الحرب السورية هي أساس هذه الاختلافات المتجددة، بل كانت المناوشات التي أعقبت تصويت مصر في مجلس الأمن لصالح القرار الروسي، شرارة صغيرة تطايرت عن الجانبين من دون قصد. ما يهم السعوديين أكثر هو اليمن.

 

7) قاد هذا الملف وغيره السعودية للسقوط في فخ التوقعات، ولم تكن قادرة على قراءة “حليفها” بشكل جيد. تعاملت دوائر الحكم في السعودية مع النظام المصري بوصفه نظاما مركزيا ليس إلا. لم يفهم الكثيرون هناك كيف لا يستطيع هذا النظام المركزي ذي السلطات المطلقة تمرير اتفاقية التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، أو إرسال قوات برية قادرة على حسم المعركة في اليمن.

 

8) ليس على هذا تجري الأمور في مصر. السيسي، وإن كان يرغب في إظهار البعض من الامتنان من دعم السعودية ودول خليجية أخرى لمصر بعد الإطاحة بنظام الإخوان المسلمين، فإنه مازال يفهم حدود حركته جيدا.

 

9) المعادلة ببساطة هي أن مصر ليس لديها ما تخسره. هذا بلد كبير مرَّ بموجتين ثوريتين أطاحت بنظامي حكم خلال ثلاث سنوات فقط، ويمر الآن بأزمة اقتصادية تدفعه كل يوم إلى حافة الأزمة، بينما يهرول حكامه يمينا ويسارا لمحاولة إنقاذه من مصير مروع. لا خسائر أفدح على أي دولة من ذلك. السعودية هي من يبدو أنها الخاسر. نحن أمام وضع اقتصادي سعودي جديد عليه أن يراعي تراجع أسعار النفط، وارتفاع مستوى العجز في الميزانية لمعدلات قياسية. إيران، الخصم اللدود للسعودية، تكسب الواقع اليومي للناس في لبنان وفي سوريا وفي العراق، وتناوش السعودية في البحرين وتحافظ على ما حققته ميليشياتها في اليمن. السعودية تشعر بأنها محاصرة، وأن مصر تركتها وحيدة.

 

10) اكتسب النظام الطائفي المتطرف في إيران دفعة هائلة بعد الاتفاق النووي مع الغرب الذي حيّد الولايات المتحدة تماما عن الصراع. نحن أمام نظام يقود قطارا مندفعا على قضيبين، أحدهما هو الطائفية والآخر يمثل العنصرية الفارسية المتجددة.

 

11) بكلام أوضح لا أحد يستطيع أن يلوم السعودية على مواجهة ما تعتبره تهديدا لوجودها. قبل نحو ثلاثة أعوام كانت المقاربة السعودية مبنية بالأساس في المنطقة على محورين رئيسيين: الولايات المتحدة كمظلة استراتيجية حامية للمشرق العربي، ومصر كداعم إقليمي وعربي يمكن لانحيازاته المطلقة أن تحسم المواجهة على المدى الطويل. اليوم لا تجد السعودية لا الولايات المتحدة، التي قررت ترك المنطقة لعبث الإيرانيين من دون أي ضغوط، ولا مصر التي لا تستطيع ولا تريد أيضا لعب أي دور إقليمي في هذه المرحلة.

 

12) في النهاية الشعور المهيمن في السعودية هو أنها قدمت ما عندها لمصر عندما استثمرت في دعم النظام المصري الجديد بالمليارات من الدولارات على أمل أن تلقى دعما من نوع آخر في مواجهتها مع إيران. لكن طلب الدعم بين الحلفاء لا يكون عبر وقف المساعدات أو إلغاء الصفقات.

 

13) قبل ثلاثة أعوام واجه المصريون نفس الموقف بأبعاد مختلفة قليلا. لم ينس المصريون ما فعلته قطر. عندما قررت الدوحة إرسال مساعدات للقاهرة أيام حكم الإخوان ربطت مساعداتها بخيط. بمجرد إدراك أن رؤية النظام الجديد لا تتوافق مع أجندة المصالح القطرية، جذبت الدوحة الخيط تجاهها مرة أخرى، واستعادت كل دولار من الخزينة المصرية.

 

13) من المبكر الحكم على أن السعودية ستقع في نفس الخطأ، سواء عبر إيقاف شحنات نفط كان متفقا عليها بين الطرفين مسبقا أو السماح لبوق إعلامي بالكلام عن الشأن السعودي المصري خارج حيز الدبلوماسية والتكتم. لكن في نفس الوقت مازالت السعودية تتبنى سلوكا يشبه في حد كبير منه سلوك الأميركيين تجاه أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة. كان مشروع مارشال لإنقاذ دول أوروبية مدمرة تماما جسرا لعبور الولايات المتحدة إلى وراثة الإمبراطورية البريطانية التي لطالما حافظت على الهيمنة المطلقة قبل الحرب.

 

لكن دولارات الأميركيين كانت أيضا مشروطة بتأكيد أوروبا ولاءها للرأسمالية، ومعاداتها للشيوعية الستالينية. لكن الشرق الأوسط ليس أوروبا، والسعودية ليست قوة عظمى تحاول فرض رؤية بديلة واضحة للمنطقة، ومصر ليست دولة أوروبية تحولت إلى أنقاض يبحث الناس بينها عن الخبز.

 

14) الفكرة الأساسية التي باتت مسيطرة على المصريين اليوم هي أن المساعدات، خصوصا السعودية، كانت ثمنا بسيطا لإطاحة نظام الإخوان الذي يعد العدة للوصول إلى الحكم في الرياض مباشرة أو بالاستعانة بإيران كما شهدت زيارة محمود أحمدي نجاد للقاهرة أيام حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي.

 

 

 

الخطوط الحمراء

 

1) لم تكن المساعدات الاقتصادية عملا خيرياً. أدركت الرؤية السعودية الآن، ولو بشكل غير مكتمل، الخطوط الحمراء التي لا يمكن للمؤسسة المصرية بشكل خاص تخطيها إقليميا.

 

2) لا يروّق لمصر أيضا عودة الرياض إلى دعم الإخوان في اليمن وتنظيمات سلفية، اجتماعية أو جهادية، يسهم صعودها في إنهاء أي أثر للدولة الوطنية حتى بعد انتهاء الصراع في سوريا.

 

3) لا تبدي السعودية أي استعداد لتفهم وجهة النظر المصرية في الملف السوري بالذات. يقع الكثير من وسائل الإعلام السعودي في فخ الاستسهال الرومانسي والسطحية عند الترويج لفكرة أن مصر تدعم بشار الأسد.

 

4) يغيب عن فكر الكثيرين في السعودية، وبين صفوف المعارضة السورية على حد سواء، أن الفلسفة التاريخية للسياسة الخارجية المصرية في الشرق الأوسط تضع سوريا في المقدمة بعد القضية الفلسطينية. في العقيدة العسكرية للجيش المصري سوريا هي مجال حيوي لأي عمليات خارجية ضد إسرائيل، والجيش السوري (أو ما تبقى منه) هو آخر ما تبقى للجيش المصري قبل أن يصبح مكشوفا تماما.

 

5) بالطبع قد تكون هذه العقيدة غير مفهومة للكثيرين مقارنة بالتغيرات الجذرية التي تشهدها المنطقة حاليا، لكن إذا كان الحلفاء لا يفهمون تحفظات بعضهم البعض، إذن كيف يمكننا أن نسميهم “حلفاء”؟

 

6) اتفاق السعودية ومصر على عدم الاتفاق والتعايش مع هذا الواقع هو الحل الأنسب كي يقف “التحالف” الشكلي عند حد “التقارب المفيد”، ولا ينحدر إلى ما هو أسوأ من ذلك. تكرار الحقبة الناصرية مرة أخرى اليوم لن يكون مفيدا للطرفين، وسينقل إيران حتما إلى المرحلة التالية من خططها لهيمنة مطلقة على المنطقة.