المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

دراسة.. دولة رومانيا.. الحليف الاستراتيجي الأهم لواشنطن في أوروبا الشرقية

الأربعاء , 12 يوليو 2017 - 12:46 مساءٍ

خريطة رومانيا
خريطة رومانيا

تعد رومانيا أحد الركائز المهمة لمشروع الانتشار العسكري الأمريكي في منطقة شرق أوروربا. وأحد أهم مناطق صراعات النفوذ بين روسيا والولايات المتحدة وحلفاؤها في الغرب بعد أوكرانيا. فبعد سقوط نظام تشاوشيسكو، اتجهت بوخاريست نحو واشنطن، وتبنت ما سُمي بـ "أمركة" السياسة والاقتصاد في رومانيا. ورغم أن سياسة الخصومة مع روسيا ليست جديدة على رومانيا. إذ أن نظام تشاوشيسكو "الشيوعي" كان معاديا أيضا للاتحاد السوفيتي قبل سقوطه. فقد زادت حدة الأزمة الأوكرانية، ومخاوف رومانيا من احتمالات انتشارها للداخل. وأيضا، سعي روسيا لإثارة المشكلات في "مولدوفا" والتي تعتبرها رومانيا بمثابة فناء خلفيا لها وموطنا طبيعيا لنفوذها، أدى إلى ازدياد حدة التوتر في رومانيا، وتماهيها التام وسياسات الولايات المتحدة، بحيث باتت رومانيا أهم قاعدة عسكرية أمريكية في أوروبا الشرقية.    

 

نبذة عامة

تقع جمهورية رومانيا في شرق أوروبا وتعد من دول البلقان حيث تقع في شمال البلقان، وعاصمتها بوخارست، ويمر نهر الدانوب في جنوب البلاد. وتقع دلتا الدانوب على أراضيها حيث يصب في البحر الأسود وجبال الكاربات في الجنوب وفي وسط البلاد. بينما يحدها من الشمال أوكرانيا، ومن الشمال الشرقي مولدافيا،و من الشرق البحر الأسود، ومن الجنوب بلغاريا ومن الغرب صربيا والمجر.

 

   تأسست دولة رومانيا الحديثة بعد اتحاد الدولة الرومانية ومولدوفيا بقيادة "اليكساندروا ايوان كوزا"، وفي عام 1918م انضمت كل من ترانسيلفانيا، بوكوفينا وبيسارابيا، وسميت آنذاك "رومانيا الكبرى"، فقد بلغت رومانيا آنذاك أكبر مساحة لها طوال تاريخها، وكانت تبلغ 295,641 كم2.

 

وتعتبر رومانيا جمهورية ذات نظام شبه رئاسي. ويرأسها حاليا الرئيس "كلاوس يوهانيس". وتعتبر تاسع أكبر دول الاتحاد الأوروبي من حيث المساحة (238,391 كم مربع)، والسابعة من حيث عدد السكان (22 مليون نسمة). عاصمة البلاد هي بوخارست وهي أكبر مدن رومانيا، وتحتل المرتبة السادسة من حيث عدد السكان (1,9 مليون نسمة) بين مدن الاتحاد الأوروبي.

 

رومانيا عضو في حلف شمال الأطلنطي منذ 29 مارس 2004، وعضو في الاتحاد اللاتيني، وأيضاً في المنظمة الدولية للفرانكوفونية وفي منظمة الأمن والتعاون في أوروبا. وهي عضو منظمة التعاون الاقتصادي للبحر الأسود، وانضمت إلى الاتحاد الأوروبي في أول يناير عام 2007. وتحاول جاهدة منذ انضمامها إلى الاتحادالأوروبي الانضمام إلى منطقة "شنغن"، بما يسمح بحرية التنقل لمواطنيها بين دول الاتحاد، ولكن العديد من التعقيدات، آخرها مشكلة تدفق اللاجئين السوريين تحديدا، تقلل من فرص نجاح هذا المسعى. محادثات جدية من أجل الدخول في منطقة شينغن.

 

تطور الوضع السياسي في رومانيا

  • من توحيد الدولة حتى عصر تشاوشيسكو 

  تاريخيا، شكلت إمارتا مولدافيا وولاخيا أساس دولة رومانيا، واللذان اُسستا في القرن الرابع عشر الميلادي. وقد وقعت الإماراتان تحت الحكم العثماني في القرن الخامس عشر وبقيتا جزءا منه حتى انفصلتا عام 1878 م، بموجب اتفاقية "سان ستيفانو" لإنهاء الحرب الروسية-التركية التي حصلت فيها رومانيا على الاستقلال.  وكانت الإماراتان قد قامتا أثناء الحرب ببسلسة من إجراءات الوحدة بين عامي 1859 و1862، أدت إلى تسمية البلاد رومانيا واتخاذ بوخارست عاصمة لها، وانضمت ترانسلفانيا ومناطق أصغر للإتحاد، الذي تحولت في عام 1881 إلى النظام الملكي.

   حاربت رومانيا ضد بلغاريا في حرب البلقان الثانية عام 1913. بقيت رومانيا محايدة في الحرب العالمية الأولى حتى عام 1916 عندما دخلت الحرب وانحازت إلى جانب الحلفاء. كافأ الحلفاء رومانيا بمضاعفة مساحة البلاد وعدد السكان.  فبعد انتهاء الحرب، حصلت على أراضي مقتطعة من هنغاريا وروسيا وبلغاريا. تنازلت عن الأراضي الروسية وغيرها إلى الاتحاد السوفياتي عام 1940 في بداية الحرب العالمية الثانية، حيث اتخذت موقفا محايدا. ثم أعلنت الحرب عام 1941 على الاتحاد السوفياتي ودخلت بذلك الحرب إلى جانب دول المحور. تمكنت القوات السوفياتية من احتلال البلاد عام 1944، التي ساعدت في تشكيل حكومة شيوعية عام 1945 في البلاد.

 

   استطاعت هذه الحكومة أن تُسقِط النظام الملكي عام 1947 وأُعلنت رومانيا جمهورية شعبية. شكلت رومانيا في العقود الأربعة التي تلت إحدى دول الكتلة الشيوعية. استمرت الفترة الشيوعية منذ العام 1964 حتى عام 1989 تحت قيادة الديكتاتور نيكولاي تشاوتشيسكو.  والمُلاحَط أن هذه الفترة اتسمت بالجمع بين العديد من التناقضات، فقد اتخذت حكومة تشاوشيكو موقفا عدائيا من الاتحاد السوفياتي. بينما اتسمت علاقاته بالعالم الغربي بالود، حتى أنه اتخذ مجموعة من الإجراءات الاقتصادية أقرب إلى نظام رأسمالية الدولة منه إلى الاشتراكية. هذه الإجراءات التي كانت سببا رئيسيا في تدهور الأوضاع الداخلية للبلاد، ثم اندلاع ثورة ضده عام 1989، انتهت بإعدامه هو وزوجته وبث أحداث الإعدام على شاشات التليفزيون الروماني.

 

- أزمة رأسمالية الدولة:

   مع حلول نهاية عقد الثمانينيات، كان الاتحاد السوفييتي ودول شرق أوروبا المسماة خطأ بالدول الاشتراكية تعاني من أزمة اقتصادية واجتماعية كبرى. ويمكن القول أن نمط التنمية الذي ساد في العالم  بما فيه دول الغرب  بدرجات مختلفة في أعقاب الحرب العالمية الثانية وحتى بداية السبعينيات، والذي تضمن دورا مركزيًا للدولة في الاقتصاد واعتمادًا أساسيًا من جانب الدولة على سوقها الداخلي، واجه أزمة مع ارتفاع أسعار البترول في 1973 - 1974 ، ثم 1980 - 1982. ودفعت تلك الأزمة الدول إلى التحول نحو رأسمالية الشركات متعددة الجنسيات، ومحورها السوق الخارجي، مما أدى إلى نمو هائل في حجم التجارة الخارجية للدول، تزامن معه التوجه نحو تدويل عمليات الإنتاج من أجل الاستفادة من رخص العمالة في الدول الفقيرة. لكن الكتلة الشرقية، بسبب تأخرها النسبي مقارنة بالغرب، ومن ثم محدودية قدرتها على المنافسة، عجزت عن مجاراة هذه التحولات. ومن ثم، وجدت نفسها في بداية الثمانينيات عاجزة عن زيادة الصادرات، ومضطرة للاستدانة. ومع ارتفاع الفائدة تزايد عبء الدين والعجز عن تحقيق التراكم. إضافة إلى ذلك، أصبح عبء مجاراة الغرب في التسلح، خاصة بالنسبة للاتحاد السوفيتي، ضخمًا للغاية. وكانت النتيجة أزمة اقتصادية اجتماعية كبيرة، اختلفت في مظاهرها من بلد لآخر، لكنها أدت في نياية المطاف إلى سقوط هذه النظم الواحد تلو الآخر في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات.

 

- خصوصية نظام تشاوشيسكو

   من بين دول شرق أوروبا، كانت رومانيا هي الوحيدة التي اتخذت ثورتها طابعًا دمويًا. ذلك أنه في دول مثل بولندا وألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا والمجر اتخذ التحول فيها شكلاً أو آخر من أشكال انقلاب القصر، حيث أطاح جناح من النظام بالحرس القديم وأنجز التحول. ولاشك أن الحركة الجماهيرية في تلك الدول قدمت الدعم لهذا التحول، لكن التغيير في أساسه حدث من أعلى.

 

   غير أن هذا السيناريو كان من الصعب تكراره في رومانيا، في ظل التمركز الشديد للسلطة والطبيعة القمعية الاستثنائية لنظام تشاوشيسكو. وكان تشاوشيسكو قد تولى الحكم عام 1965 ، واتخذ منذ السنوات الأولى لحكمه نهجا مستقلاً سياسيًا وعسكريًا عن الاتحاد السوفيتي، حيث انتقد الغزو السوفييتي لتشيكوسلوفاكيا عام 1968. وتبنى نهجا أقرب إلى طقوس عبادة الفرد على غرار نظامي كيم إيل سونج في كوريا الشمالية وماوتسي تونج في الصين. وعشية الإطاحة بالنظام، كانت السلطة تتركز بالأساس في يد تشاوشيسكو البالغ من العمر 71 عامًا آنذاك.  وزوجته إلينا التي كان قد قام بتصعيدها لتصبح عضوًا في اللجنة السياسية التنفيذية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الروماني، أعلى سلطة في البلاد. وإلى جانب الزوجين تشاوشيسكو، كانت اللجنة السياسية التنفيذية تضم ستة أعضاء، تم اختيارهم بعناية شديدة. وفي نهاية حكم تشاوشيسكو ترددت أنباء عن نيته توريث نجله. وكان الحزب الشيوعي مؤسسة ضخمة تضم 3.7 مليون شخص، وهو ما كان يعادل ربع البالغين وثلث القوى العاملة. ولا يعني ذلك أنه لم يكن هناك استياء داخل الطبقة الحاكمة من سياسات تشاوشيسكو واستئثاره بالحكم وقراراته المجنونة. بل كانت تظهر أحيانًا أصوات معارضة يتم إقصاؤها على الفور كما حدث مع إليسكو الذي تولى الحكم بعد الثورة. كما كان هناك استياء بين كبار رجال القوات المسلحة من النفوذ القوي لقوات الأمن التابعة لتشاوشيسكو. لكن بدا أن أحدًا لا يستطيع المخاطرة بمحاولة إحداث انقلاب قصر على غرار دول شرق أوروبا الأخرى.

 

   وفي ظل توتر علاقات تشاوشيسكو بالاتحاد السوفييتي، حظي الرجل بترحيب من الغرب، وكانت رومانيا من أوائل دول شرق أوروبا التي تنضم إلى صندوق النقد الدولي. واستطاعت خلال السبعينيات الحصول على قروض ضخمة من الصندوق، بلغت في نهاية ذلك العقد نحو 11 مليار دولار. وفي بداية عقد الثمانينيات، بعدما أصبحت خدمة هذ الدين عبئًا كبيرا على مالية الدولة، قرر سداد ديون رومانيا بالكامل. ونظم استفتاء على إجراء تعديل دستوري يمنع رومانيا من تلقي قروض من الخارج في المستقبل. وبناء على هذا القرار، جرى توجيه معظم الإنتاج الصناعي والزراعي للبلاد من أجل سداد الدين، وتم وقف الاستيراد بصورة شبة كاملة، باستثناء استيراد السلع الفاخرة لتشاوشيسكو والزمرة المحيطة به (بلغت ثروة تشاوشيسكو الشخصية في بنوك سويسرا وقت قيام الثورة ثمانية مليارات دولار).

 

   وكانت نتيجة هذه الإجراءات كارثية على الأغلبية الساحقة من الشعب، حيث تم تعميم نظام الحصص من السلع الغذائية في جميع أنحاء البلاد باستثناء العاصمة، وجرى تقليص هذه الحصص على نحو مستمر على سبيل المثال، كان مخصصًا للفرد عشية حدوث الثورة كيلو واحد من الدقيق وكيلو سكر شهريًا  وتراجع استهلاك الطاقة بصورة مروعة، حيث توقف نظام التدفئة المركزية، مما جعل درجة حرارة المنازل في الشتاء لا تزيد عن عشر درجات مئوية، فيما كانت درجة الحرارة في المصانع نحو خمس درجات، وأصبح الماء الساخن لا يصل إلى المنازل سوى ساعات قليلة في الأسبوع. وفي عام 1985 ، كان استهلاك الأسرة من الطاقة يساوي 20 % من نظيره في 1979، بينما تراجع الإنفاق الحكومي على الإسكان والرعاية الصحية والتعليم بمقدار 37 % و 13 % و 53 % في الفترة نفسها. وبالفعل، تم سداد ديون رومانيا كاملة في صيف 1989.

 

   ولم يكن يتم إبداء أي تسامح مع من يشكك في “عصر الانتصار”. وكان جهاز الأمن التابع لتشاوشيسكو واحدًا من أكثر أجهزة الأمن توحشًا، حتى بمقاييس شرق أوروبا، وكانت نسبة الأفراد العاملين في الأمن أو المتعاونين مع الأمن مرتفعة للغاية حيث ثارت شائعات في الفترة السابقة على اندلاع الثورة بأن ربع السكان متعاونون مع أجهزة الأمن. ولم يتردد تشاوشيسكو في توجيه الأوامر لقواته بإطلاق النار على إضراب العمال في 1987. إلى جانب ذلك، كانت الأقلية المجرية تتعرض لاضطهاد شديد، حيث كان النظام دائمًا يقوم بالتأليب ضدها باعتبارها مخرجًا لتفريغ الغضب الشعبي. وفي كل الأحوال، اعتمد نظام تشاوشيسكو على القمع وحده من أجل البقاء.

 

   وفي ظل هذا الوضع، لم تكن هناك مساحة لظهور أي شكل من أشكال المعارضة المنظمة. واقتصرت المعارضة قبيل اندلاع الثورة على أشخاص معدودين في العاصمة، بينما كانت الأقاليم، خاصة في المنطقة التي تقطنها أقلية مجرية، تشهد معارضة أكثر نشاطًا.

 

- عشرة أيام أطاحت بالديكتاتور

   كان طبيعيًا أن تتأثر رومانيا بالزلزال الذي هز شرق أوروبا. وبدأت الاضطرابات في 15 ديسمبر 1989 في مدينة تيمسوارا في منطقة الأقلية المجرية، حيث قام راعي كنيسة بروتستانتي معروف بمعارضته لتشاوشيسكو بإلقاء خطبة انتقد فيها تشاوشيكو وسط حضور الآلاف. وعلى أثر ذلك توافدت قوات الأمن واشتبكت مع المشاركين واستطاعت فض التجمع. لكن الأيام التالية شهدت تظاهرات حاشدة كان للطلبة الدور القيادي فيها. وفشلت قوات الأمن في احتواء حركة الشارع بالرغم من العنف الشديد الذي مارسته والضحايا الكثيرين الذين سقطوا. وفي 19 و 20 ديسمبر، قام العمال بإضرابات في المنطقة، وهدد بعضهم بتدمير المصانع إذا تعرضت لهم قوات الأمن. وتظاهر نحو 80 ألف شخص، واستطاعوا الاستيلاء على السلاح من قوات الأمن. وفي ظل فشل القوات في السيطرة على الموقف، تم استدعاء الجيش، لكن المجندين رفضوا إطلاق النار على المتظاهرين. وفي تلك الأثناء، حاول تشاوشيسكو استرضاء الشعب بتوجيه خطاب يوم 21 ديسمبر، مذاع مباشرة من التليفزيون، أمام حشد من العمال الذين يُفترض ولاؤهم له، تعهد فيه بإجراء إصلاحات ورفع الأجور والمعاشات. لكنه بعد فترة وجيزة، تعالت هتافات الهجوم على تشاوشيسكو، مما دفعه إلى المغادرة. وعندما تم قطع الإرسال، أدرك الناس أن النظام يواجه أزمة ضخمة. وهنا امتدت شرارة الثورة إلى العاصمة بوخارست، وكان أيضًا للطلاب الدور الريادي فيها، حيث تزعموا عملية مهاجمة المنشآت الحيوية.

 

   وتواترت الأنباء حول حدوث خلافات بين تشاوشيسكو والجيش، مما دفع الناس في الشوارع للهتاف “الجيش معنا”. وطالب بعض قادة الجيش بعدم المشاركة في القمع والعودة إلى الثكنات، حيث كانوا يرون في التخلص من تشاوشيسكو وزمرته الضيقة بداية لاتساع نفوذهم وتحسن أحوالهم. وعندما قرر وزير الدفاع سحب الجيش من المعركة في 22 ديسمبر اغتالته قوات الأمن على الفور، مما أدى إلى حدوث تمرد شامل بالجيش. واندلعت الحرب الأهلية بين قوات الأمن والثوار في مختلف مناطق رومانيا. وحيث إنها كانت معركة حياة أو موت بالنسبة إلى قوات الأمن، فقد قامت بقتل الآلاف من العمال في محاولة لإخماد الثورة. وتشكلت جبهة الإنقاذ الوطني من بيروقراطيين اختلفوا مع تشاوشيسكو في الماضي وجنرالات وعدد من المثقفين وممثلي الطلبة. وحاول تشاوشيسكو وزوجته الهرب في 23 ديسمبر، لكن تم إلقاء القبض عليهما في اليوم التالي، وحُكم عليهما بالإعدام في محاكمة لم تمتد أكثر من ساعة، وأُعدِما على الفور. وعرض التليفزيون جثتيهما في 25 ديسمبر لتنتهي المرحلة الأولى من الثورة.

 

   وفي فبراير، شكلت جبهة الإنقاذ الوطني الحكومة المؤقتة، برئاسة أيون إليسكو، وكان قد تولى منصبًا وزاريًا واحتل عضوية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، لكن جرى استبعاده وطرده من اللجنة بسبب ميوله الإصلاحية. وأعلنت الجبهة أن هدفيا إقامة اقتصاد يرتكز على السوق الحر ونظام ديمقراطي تعددي. وكانت الخطوة الأولى التي قامت بها جبهة الإنقاذ الوطني هي توجيه أمر بتسليم جميع الأسلحة إلى الجيش، وتوعدت من يخالف ذلك الأمر بمواجهة عقاب قاس.

 

- مرحلة انتقالية ممتدة

   استمرت المرحلة الانتقالية فى رومانيا قرابة الخمسة عشر عاماً، وهى من أطول المراحل الانتقالية فى أوروبا الشرقية لسببين رئيسيين، الأول هو تردى الأوضاع الاقتصادية فى رومانيا بشكل كبير بما لم يسمح لها بالتحول الاقتصادى والديمقراطى السريع أو السهل باتجاه المعسكر الليبرالى الرأسمالى، فقد كان التحول المطلوب بين نقيضين. والثانى هو تشرذم القوى السياسية وضعفها الشديد وعدم اتفاقها على رؤية واحدة لمستقبل النظام السياسى أو الاقتصادى للدولة، وهو ما أدى إلى فراغ سياسى فور سقوط تشاوشيسكو لم يتقدم لملئِه سوى الصف الثانى من رجال النظام الديكتاتورى الساقط. وهو ما طرح فكرة أن ما حدث فى رومانيا لم يكن ثورة على النظام القديم، إنما فرصة للصف الثانى من النظام القديم ليحتلوا مواقع السلطة.

 

   وكان طبيعيًا أن تقول القوى صاحبة المبادرة في اندلاع الثورة، والتي تتألف أساسًا من الطلاب والمثقفين، بإن الثورة قد تم اختطافها. ويقول المفكر الاشتراكي الراحل "كريس هارمان" إن هذه المشاعر الرافضة لخيانة الثورة وأهدافها قد تؤدي إلى طريقين مسدودين طبعًا إذا فشلت هذه الطليعة الثورية في اجتذاب الجماهير إلى جانبها. فإما اليأس وفقدان الثقة في الجماهير والانسحاب من الحياة السياسية برمتها، أو الانخراط في أعمال بطولية للسيطرة على النظام ولكن من دون دعم جماهيري، وهو ما يؤدي إلى فشلها الأكيد.

 

   وقد كانت المرحلة الانتقالية مرحلة غير مستقرة مليئة بالتقلبات السياسية، حيث تولى (إيون إليسكو) إدارة البلاد باعتباره أحد قيادات (جبهة الخلاص الوطنى) التى تكونت من أعضاء سابقين فى الحزب الشيوعى التابع لتشاوشيسكو ولجنته المركزية، والذين تحولوا بين عشية وضحاها إلى ثوريين مطالبين بالديمقراطية، استغلوا الفراغ السياسى وضعف المعارضة ليصلوا إلى السلطة.. ونجح إليسكو فى استقطاب الجيش والإعلام، وتمكن من القضاء على المظاهرات الطلابية المدافعة عن الثورة والمضادة لحكمه باعتباره امتدادا لتشاوشيسكو، واتهمهم بالعمالة وتم التعامل معهم باعتبارهم مثيرى شغب، واستخدم عمال المناجم الأكثر فقراً والأكثر تضرراً من الركود الاقتصادى للاعتداء عليهم وتم تقديم الثوار للمحاكمات.

 

   وقد أصدرت الجبهة فور توليها قيادة البلاد عددا من القرارات الثورية مثل منع الحزب الشيوعى، وألغت الكثير من القرارات المتشددة التى صدرت فى عهد تشاوشيسكو، كما حولت الكثير من أفراد الحزب الشيوعى والجيش للمحاكمات العسكرية بتهمة التعدى على المواطنين، إلا أن سياساتها الفعلية كانت تهدف إلى بقاء جوهر النظام الشيوعى واستمرار سياساته بعد صبغها بصبغة ديمقراطية. الدستور الرومانى الجديد.. وعلى الرغم من الاضطرابات التى واجهت المرحلة الانتقالية فى رومانيا فإن رومانيا لم تواجه أزمات فيما يتعلق بكتابة الدستور الجديد. حيث تحولت (جبهة الخلاص الوطنى) إلى حزب سياسى، إلى جانب الكثير من الأحزاب السياسية الوليدة بعد الثورة سواء من المعارضة أو من تحت عباءة النظام الشيوعى السابق، وتم إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية فى مايو 1990، ليفوز إليسكو بالرئاسة، وحزبه بالأغلبية البرلمانية. وتم تشكيل لجنة من البرلمانيين والفقهاء الدستوريين الذين كتبوا مسودة الدستور وتمت إجازتها من البرلمان الذى انعقد باعتباره جمعية تأسيسية للدستور. وتم طرح الدستور فى استفتاء شعبى فى 8 ديسمبر 1991 لتتم الموافقة عليه بنسبة 77. 3%، كما عُدّل الدستور أكثر من مرة لكى يلائم المعايير المطلوبة لانضمام رومانيا للاتحاد الأوروبى.

 

   توالى الرؤساء وتوالت الحكومات على رومانيا، حيث تولى (إليسكو) الرئاسة عام 1990، ليعقبه حكم المعارضة الإصلاحية بقيادة (إميل كونستانتينيسكو) عام 1996، ليعود (إليسكو) إلى الحكم مرة أخرى عام 2000 نتيجة للسياسات الاقتصادية الحازمة التى انتهجتها الحكومات الإصلاحية فى طريقها لتقليص سيطرة الدولة على الاقتصاد وخصخصة الكثير من الشركات والمصانع، والتى كان لها أثر سلبى على جموع الشعب الذى لم يشعر بتغير فى مستواه المعيشى إلى الأفضل، وإن كانت رومانيا قد مضت في طريق "إصلاح اقتصادي"  تنفيذاً لتوصيات البنك الدولى وصندوق النقد الدولى. وهو ما مهد لتحسين أداء رومانيا الاقتصادى، ومن ثم انضمامها إلى حلف الناتو عام 2004، ثم الاتحاد الأوروبى عام 2007. ويرى بعض السياسيين أن المرحلة الانتقالية فى رومانيا قد انتهت بانتخاب (تاريان باسيسكو) أحد قيادات المعارضة الإصلاحية للرئاسة عام 2004، لتصل إلى مرحلة الديمقراطية المستقرة.

 

 

عمق العلاقات الرومانية – الأمريكية

    توقع الكثيرون أن تتجه الولايات المتحدة، خلال السنوات الأولى من تسعينيات القرن الماضي، نحو تسريع عملية إعادة انتشار قواتها العسكرية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة, وخاصة في منطقة شرق أوروبا. فخلال الفترة الممتدة بين عام 1945 وعام 1990, كان الوجود الأمريكي العسكري في أوروبا يتركز أساسا وبشكل رئيسي في ألمانيا وعدد من القواعد والمطارات في ايطاليا وبريطانيا وتركيا.

 

   إلا أن الأمور بقيت على ما هي عليه حتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وانهيار حائط برلين, وأخرت الولايات المتحدة تغييراتها الرئيسية بشأن إستراتيجية عملية الانتشار الجديدة، فلم تسوى الأمور في البلقان حتى عام 1999 عندما قام الناتو بسحق آخر دولة شيوعية في أوروبا, مؤذنا ببدء عهد جديد في المنطقة اليوغوسلافية السابقة.

 

  ولكن، بعد عملية 11 سبتمبر 2001, أصبح الشرق الأوسط الأولوية القصوى للإستراتيجية الأمريكية الرئيسية بعد أن تغيرت الأولويات الأمنية في واشنطن، حيث لم يكن الشرق الأوسط قبل هذا التاريخ، يعتبر مصدرا لتهديد أمريكا. ورأت واشنطن أن هدف ملاحقة وضرب الحركات "الإرهابية" في "منطقة قوس الأزمات وعدم الاستقرار"، يتطلب استعدادات لوجستية جديدة، وتسهيلات وقواعد أخف وأكثر حيوية مُصممة لتتناسب مع التكتيكات والتكنولوجيا العسكرية الحديثة، التي دعا لها العديد من المسئولين الأمريكيين آنذاك، وعلى رأسهم وزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رامسفلد، الذي أوصى بضرورة بناء هذه القواعد في مناطق جغرافية إستراتيجية، وحيث يكون "لنا" أنظمة ونخب سياسية حليفة تحكم ويمكن الاعتماد عليها.

 

   ولهذا السبب بالذات, تعتبر رومانيا وبلغاريا شركاء مثاليين للولايات المتحدة الأمريكية في هذا المجال. إذ تعطي منطقة البحر الأسود حرية وقوة حركة كبيرة، خاصة نحو قلب الشرق الأوسط والمنطقة الواقعة بين باكستان والمغرب. كما أنها تشكل المنطقة الواصلة بين نفط بحر قزوين ومنطقة الغاز فيه مع منطقة شرقي البحر المتوسط، وهي منطقة مهمة لإمدادات الطاقة للاتحاد الأوروبي.

 

   وفي ديسمبر 2005، وقعت الولايات المتحدة اتفاقا مع رومانيا يقضي بالسماح بإنشاء أربع قواعد عسكرية أمريكية في رومانيا. مثلت هذه الخطوة مفاجأة للعديد من المحللين للوهلة الأولى. إلا أن الموقع الاستراتيجي لرومانيا، من وجهة النظر الأمريكية، يجعل قواعدها أجدى نفعا، أكثر أمنا، وأقل عرضة للمخاطر كون رومانيا دولة أقل تسييسا من دول شرق أوروبية أخرى مثل بولندا.

 

  وقام فريق من 30 خبيرا من القوات الجوية الأمريكية في أوروبا والقوة الجوية الرومانية، بوضع باختيار قاعدة "ميهايل كوكلنيجيانو" الجوية الواقعة في محافظة كونستانتسا ، جنوب شرقي البلاد بالقرب من البحر الأسود إلى جوار منشآت عسكرية أخرى في "كينكو"، "سامردان" وباباداغ"، كمواقع لتمركز قوات وصواريخ أمريكية. ومُنحِت واشنطن بموجب الاتفاق حق السيطرة على تلك المواقع.  وقد استخدمت واشنطن هذه المواقع بالفعل في 2013 و2014، لإدارة عملية الانسحاب الأمريكي من أفغانستان.

 

    ويمكن القول أن الموقع الجغرافي لرومانيا من بين دول شرق أوروبا، جعلها ركيزة مهمة لتواجد واشنطن العسكري في هذه المنطقة. وذلك، لأن رومانيا لا تحد أية دولة يمكن أن تمثل تهديدا كبيرا للمنشآت العسكرية الأمريكية. ففي الوقت الذي يمكن لصواريخ روسية أن تصل بولندا، - صاحبة العلاقات الأوثق مع واشنطن وحليفتها الأهم في المنطقة – عبر "بيلاروس" بسهولة، فإن وصول هذه الصواريخ إلى رومانيا سيتطلب أن تعبر الصواريخ أوكرانيا، مولدوفا والتعامل أيضا مع سلسلة جبال "كارباثيان". كما أن من شأن تهديد أمن رومانيا واختراق أجواءها أن يثير نزاعا مع "الناتو"، كون رومانيا عضوا فيه.

 

   ويبدو أن الحاجات الجغرافية الإستراتيجية الأمريكية بدت آنذاك، ولا تزال، متناسقة ومتناغمة مع تطلعات ورؤى النخب الجديدة في رومانيا.  وتتلخص بالأساس في تحقيق اندماج سريع وفوري في الاتحاد الأوروبي، وهو ما حدث بالفعل، بدخول رومانيا الاتحاد الأوروبي. وفي الحصول على ضمانات أمنية مزدوجة من حلف الناتو من جهة، ومن الولايات المتحدة من جهة ثانية، وذلك ضد أية تهديدات محتملة أو عودة للنفوذ الروسي إليها.

 

   بالإضافة إلى ذلك, تدرك النخب الحاكمة في رومانيا أنها بحاجة إلى دعم اقتصادي قوي للانتقال من حالة الاقتصاد المتعب والمتهرئ إلى رأسمالية السوق. وأن روابط إستراتيجية قوية مع الولايات المتحدة، من شأنها أن تمهد لهم الطريق لتعاون اقتصاد ومالي كبير، وبالتالي لزيادة الاستثمارات الأمريكية لديهم.

 

   وقد استخدمت واشنطن هذه القواعد وغيرها في دول ما يسمى ب "الحزام الجديد" حول روسيا، لنشر "درع صاروخية"، كان الهدف المعلن وراء نشرها هو حماية أوروبا من خطر الصواريخ البالستية الإيرانية الحاملة لرؤس نووية. إلا أن هذه الترتيبات التي تمت ولا تزال تجري في منطقة البحر الأسود استثارت بقوة الحساسية الروسية، لاسيما أن التغيرات الجغرافيا الإستراتيجية تمت على حساب نفوذها في المنطقة، بغرض تعزيز ابتعاد دول أوروبا الشرقية عن روسيا. وبالفعل، استطاعت واشنطن وحلفاؤها استقطاب معظم فواعل حلف وارسو القديم لتدخل دائرة النفوذ الغربي، وتنضم إلى حلف الناتو. الأمر الذي عزز من الصراع الجيو سياسي والجغرافي الإستراتيجي طويل المدى بين القطبين الروسي والأمريكي، على عدة مسارح داخل أوروبا وخارجها، ومن أبرزه هذه المسارح أو بؤر الصراع، تأتي أوكرانيا وسوريا، اللتان تشهدان حاليا أنماطا مختلفة من صراعات القوى سواء بالتدخل العسكري المباشر، أو عبر الوكلاء.

 

 

   آخر هذه التطورات المرتبطة بالنفوذ الأمريكي في رومانيا، كان في الثاني عشر من مايو 2016، عندما أعلنت واشنطن عزمها على تشغيل الدرع الصاروخية في شرق أوروبا، في قاعدة ديفيسيلو برومانيا، وهو ما اعتبرته موسكو تهديدا للاستقرار الاستراتيجي في القارة. ورغم أن الهدف من نشر واشنطن الدرع الصاروخية لم يكن يوما خافيا على موسكو، فإن تهاوي السبب المعلن وراء نشر الدرع بعد توقيع الاتفاق النووي مع إيران يزيل آخر ما تبقى من نفاق سياسي بين واشنطن وموسكو. ولا يدع مجالا أمام الأخيرة، إلا التعامل مع المسألة بوصفها تهديدا مباشرا لها. ومن المنتظر أن تتوالى تداعيات مثل هذه التهديدات الأمريكية- الروسية، في صورة سباق تسلح جديد ومستعر بين الجانبين، واشتداد حدة وسخونة المواجهات بين الجانبين في بؤر الصراع المشتركة بينهما سواء في أوروبا أو خارجها.

 

أوكرانيا ومولدوفا.. بؤر صراع النفوذ بين روسيا ورومانيا

   تدور صراعات النفوذ بين رومانيا وروسيا في أوروبا الشرقية على مسرحين رئيسيين؛ مولدوفا وأوكرانيا. فمن جهة، يمكن القول أن الصراع الأوكراني وتدهور العلاقات بين روسيا والغرب لهما آثارهما على رومانيا. وتشعر رومانيا بالتوجس تجاه نشاطات موسكو في أوكرانيا القريبة منها، ومن احتمال انتشار الصراع الأوكراني إلى داخل حدودها. ويزيد من المخاطر على رومانيا أنها أضحت خلال السنوات الأخيرة مسرحا مهما للتدريبات العسكرية وانتشار أسلحة حلف الناتو والجيش الأمريكي، في هذه المنطقة من العالم. الأمر الذي يجعل منها الهدف الأول في أية مواجهات قد تحدث بين المعسكرين الروسي والغربي، في المستقبل.  

 

   من جهة أخرى، يدور صراع سياسي مباشر بين رومانيا وروسيا في دولة "مولدوفا" الصغيرة الواقعة بين رومانيا وأوكرانيا. فرومانيا لديها مصلحة في تأكيد نفوذها بداخلها، وربما ضمها إلى أراضيها، خاصة وأن معظم سكان مولدوفا من أصل روماني. بينما تعزز روسيا الانفصاليين في شريط "ترانسنيستريا" الحدودي بين أوكرانيا ومولدوفا. بل إن لروسيا تواجدا عسكريا كثيفا في هذه المنطقة، بحجة الحول دون وقوع مواجهات أخرى بين الانفصاليين في الشرق وحكومة مولدوفا.    

 

   وهناك ما يشير إلى أن روسيا تقف خلف الاحتجاجات التي تشهدها مولدوفا منذ نهاية العام 2015. الأمر الذي أعاد للأذهان سيناريو تقسيم شرق أوكرانيا، والذي بدأ باحتجاجات أيضا وصراعات على السلطة. وتهدف الاحتجاجات التي تقودها مجموعات موالية لروسيا في مولدوفا، إلى وقف نشاط دعاة الاتحاد مع رومانيا، وإجبار الحكومة المؤيدة للغرب، لتقديم استقالتها، وبالنظر إلى الوضع الراهن ومساعي الحكومة الرامية لمكافحة الحركات الانفصالية في شرق البلاد، التي تتواجد فيها القوات الروسية، تدور علامات استفهام حول احتمال تخطيط روسيا لتكرار السيناريو الأوكراني في هذا البلد.

 

   لم تقف رومانيا لتشاهد روسيا وهي تتغلغل داخل البلد الذي اعتبرته دوما فناءها الخلفي، ومنطقة طبيعية لنفوذها. بل مضت في تحركات تهدف إلى زيادة نفوذها داخل الساحة الأوكرانية- أهم ساحات الصراع الروسي الغربي في شرق أوروبا. وفي إبريل 2016، وقع الرئيس الروماني والرئيس الأوكراني، بيترو بوروشينكو، اتفاقا يقضي بإنشاء كتيبة عسكرية مشتركة، بما يعزز من وضع رومانيا في الأزمة الأوكرانية وفي مواجهة روسيا.

الحالة الاقتصادية لرومانيا

   تعتبر رومانيا من بين دول الاتحاد الأوروبي الأشد فقرا. انضمت رومانيا إلى الاتحاد الأوروبي، في الأول من يناير 2007، وقد بدأت في التحول من النظام الشيوعي، عام 1989، بقاعدة صناعية بالية، ونمط إنتاجي لا يلائم احتياجات الدولة. وخرجت رومانيا عام 2000، من فترة كساد خانقة استمرت ثلاث سنوات، بفضل شدة الطلب على منتجاتها، في أسواق التصدير الأوروبية. وقد أدى زيادة الاستهلاك المحلي والاستثمار، إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي، في السنوات الأخيرة. ولكن ذلك أدى، في الوقت نفسه، إلى عدم توازن كبير في الموازنة العامة. أيضا، لم تستطع المكاسب الاقتصادية الكبيرة معالجة مشاكل تفشي الفقر، والفساد، والروتين، التي تقف حاجزاً في وجه بيئة الأعمال.

 

   وزاد التضخم خلال الفترة 2007-2008، نتيجة لزيادة الطلب الكبير على الاستهلاك المحلي، وارتفاع الأجور، وارتفاع تكاليف الطاقة، والجفاف الذي أصاب الأراضي الزراعية، وعدم ضبط النفقات المالية.

 

   وبسبب زيادة العجز المالي وعجز الحساب الجاري، والأزمة الاقتصادية المالية العالمية، فإن رومانيا وقعت على حزمة مساعدات طارئة بقيمة 26 بليون دولار أمريكي، من صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي ومقرضين دوليين آخرين. وقد أدى تدهور الأسواق المالية العالمية؛ فضلاً عن تدابير التقشف الصارمة، التي تنتهجها الحكومة؛ لتفي بالتزاماتها بموجب اتفاق الإنقاذ الموقع مع صندوق النقد الدولي، كل ذلك أسهم في انكماش الناتج المحلي الإجمالي بمعدل 6.6% عام 2009، تبعه في عام 2010 انكماش بلغت نسبته 1.1%.

 

   في عام 2011 شهدت رومانيا نمواً اقتصادياً إيجابياً، بسبب زيادة الصادرات، وموسم حصاد فاق التوقعات، وقلة الطلب المحلي، إلا أنه تراجع عام 2012 لأقل من 1%، ويرجع ذلك، جزئياً، إلى تراجع الطلب العالمي على صادرات رومانيا، كما أن موسم الجفاف الشامل أدى إلى ضعف موسم الحصاد، بشكل غير مسبوق.

 

   وفي مارس 2011، وقعت رومانيا والاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اتفاقاً احترازياً احتياطياً، مدته 24 شهراً، وقيمته 6.6 بلايين دولار أمريكي، لتعزيز الانضباط المالي، وتشجيع التقدم في الإصلاحات الهيكلية، وتعزيز استقرار القطاع المالي. وقد أعلنت السلطات الرومانية أنها لا تنوي سحب شيء من هذه الأموال، بموجب هذا الاتفاق.

 

   ورغم أن رومانيا كانت من أوائل الدول التي استطاعت استعادة عافيتها الاقتصادية بعد الأزمة المالية في 2008، إلا أن الفساد وبطء الإصلاحات لا يزال يحول دون وصولها إلى هدفها من دخول كتلة "اليورو" والشنجن"، بما يسمح بانتقال حر لمواطني رومانيا بحثا عن فرص اقتصادية أكبر في دول أخرى أعضاء في الاتحاد الأوروبي.

 

 

  • بلغ إجمالي الناتج المحلي لرومانيا، طبقاً لتقديرات عام 2012 ، 169.4 بليون دولار أمريكي.
  • معدل النمو الحقيقي لإجمالي الناتج المحلي: 0.3%.
  • متوسِّط دخل الفرد من إجمالي الناتج المحلي المذكور (مقوماً بالقوة الشرائية في الولايات المتحدة الأمريكية): 13000 دولار سنويا.
  • مصادر إجمالي الناتج المحلي، طبقاً لتقديرات عام 2011

أ. قطاع الزراعة: 7.5%.

ب. قطاع الصناعة: 33%.

ج. قطاع الخدمات: 59.5%.

- من حيث القوة البشرية، بلغ إجمالي عدد الأيدي العاملة في رومانيا؛ 9.252 ملايين عامل، طبقاً لتقديرات عام 2012. يتوزعون ما بين قطاع الزراعة 31.6%، و قطاع الصناعة21.1%، وقطاع الخدمات 47.3%. 

- بلغ معدل البطالة في رومانيا 5.6%، طبقاً لتقديرات عام 2012. في حين بلغ عدد من هم تحت خط الفقر من السكان: 22.2%، طبقاً لتقديرات عام 2011.

- بلغ معدل التضخم: 3.3%، طبقاً لتقديرات عام 2012، في حين بلغت نسبة الدَّين العام: 37.2% من إجمالي الناتج المحلي، طبقاً لتقديرات عام 2012.

- بلغت القيمة الإجمالية للصادِرات في رومانيا، طبقاً لتقديرات عام 2012، 58.11 بليون دولار. وأهمها؛ الآلات والمعدات، والمنسوجات، والمعادن والمنتجات المعدنية، والوقود، والكيماويات، والمنتجات الزراعية. أما من حيث أهم الدول المُسْتورِدة فهي؛ ألمانيا 18.9%، وإيطاليا 12.3%، وفرنسا 7.1%، وتركيا 5.5%، والمجر 5.5%.

  • بلغت القيمة الإجمالية للوارِدات إلى رومانيا، طبقاً لتقديرات عام 2012: 67.5433 بليون دولار. وأهمها؛ الآلات والمعدات، والوقود والمعادن، والكيماويات، والنسيج ومنتجاته، والمعادن الأساسية، والمنتجات الزراعية. أما من حيث أهم الدول المُصْدِّرة؛ فهي كالتالي؛ ألمانيا 17.5%، وإيطاليا 11%، والمجر 9.1%، وفرنسا 5.7%، وروسيا 4.4%، وبولندا 4.3%، والنمسا 4.2%، وكازاخستان 4.1%.
  • بلغت قيمة الدَّين الخارجي: 132.1 بليون دولار، طبقاً لتقديرات 31 ديسمبر 2012.
  • بلغت الاستثمارات الأجنبية في الداخل: 75.46 بليون دولار، طبقاً لتقديرات 31 ديسمبر 2012.
  • بلغت قيمة الاستثمارات الرومانية في الخارج 2.727 بليون دولار، طبقاً لتقديرات 31 ديسمبر 2012.
  •  العملة المتداولة في رومانيا ورمزها: صدر اللي الجديد (RON)، في عام 2005؛ وتم إلغاء اللي القديم (ROL)، في عام 2006.

 

الدول العربية وإيران على أجندة السياسة الخارجية الرومانية

   بعد انهيار تظام تشاوشيسكو عام 1989، شهدت العلاقات المميزة بين رومانيا وعدد كبير من الدول العربية (غير المتحالفة والولايات المتحدة آنذاك) تراجعا تدريجيا، بحيث أصبحت تلك الدول بحلول منتصف التسعينيات، مجرد دورا هامشيا على أجندة السياسة الخارجية الرومانية. تحديدا، تساوى إعدام تشاوشيسكو واختفاء القوة المحفزة الرئيسية والموجهة لتطورات العلاقات الرومانية – العربية، خاصة وأن القيادة الجديدة – بهدف تسليط الضوء على طبيعتها الديمقراطية والأخلاقية ومغايرتها لنظام تشاوشيسكو – عمدت إلى رفض وجميع السياسات والاتصالات المرتبطة بأجندة تشاوشيسكو الخارجية.

 

   ومن دون وجود مصلحة حقيقية في استمرار السياسات الاقتصادية القديمة والتي كانت تهدف إلى تطوير صناعات كيميائية وصناعات نفطية متطورة، وتصدير هذه المنتجات إلى الدول العربية، لم يجد النظام الجديد أية محفزات لاستمرار علاقاته المميزة والدول العربية. وبعد أن كانت العراق، مصر وإيران تحتل المراكز السابع والثامن والعاشر على التوالي، من بين أقرب الشركاء التجاريين ورومانيا، بإجمالي أكثر من 10% من الصادرات الرومانية و 17% من وارداتها. اختفت هذه الدول الثلاث عام 1993، من على قائمة الدول العشر الأولى من حيث التبادل التجاري ورومانيا. إلا أن إيران ظلت من بين أهم ست مصادر للواردات إلى رومانيا حتى عام 1995، عندما فقدت هذه المرتبة لصالح مصر.

 

   وقد حدث هذا بعد أن زادت رومانيا من انتباهها لمصر آنذاك. حيث وصل حجم التجارة البينية بين البلدين إلى 600 مليون دولار بين البلدين، 400مليون دولار منها تمثل الصادرات المصرية إلى رومانيا. ويبدو أن رومانيا كانت تحاول التواؤم والسياسة الخارجية الأمريكية آنذاك، بهدف التقارب أكثر وواشنطن والاستفادة من دعمها لتعزيز ملف عضويتها في الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلنطي.

 

   من جهة أخرى، يمكن القول أن الغزو العراقي للكويت عام 1990 مثل لحظة فارقة في تاريخ تطور العلاقات بين رومانيا والعالم العربي. آنذاك، كانت العراق تحتل المركز السابع من حيث التبادل التجاري ورومانيا، حسبما هو مذكور أعلاه. إلا أن موقف رومانيا كان مؤيدا لكافة قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالعراق، الأمر الذي أفضى إلى تكبيدها خسائر اقتصادية عديدة. ومع ذلك، استطاعت رومانيا، عبر هذا الموقف تأسيس علاقات دبلوماسية مع  الإمارات العربية المتحدة، السعودية، قطر والبحرين. ومن ثم استكمال حافظتها الدبلوماسية التي كانت تشكل من قبل عمان، الكويت، السلطة الفلسطينية، مصر، العراق، سوريا، الجزائر، لبنان وإيران. وبدا أن النظام الجديد في رومانيا يتجه نحو انفتاح سياسي واقتصادي أكبر مع دول عربية، خاصة الدول ذات الأسواق الواعدة.

 

   وبعد انضمام رومانيا عام 2007 إلى الاتحاد الأوروبي، باتت العلاقات بين رومانيا والعالم العربي وإيران مقيدة إلى الاستراتيجية العامة للاتحاد الأوروبي تجاه هذه الدول. واستبدلت رومانيا إطارها القانوني ومعاهداتها السياسية والتجارية الثنائية بالمعاهدات التي وقعها الاتحاد الأوروبي وهذه الدول، وأهمها الاتفاقات التجارية الخاصة بالنفط وصناعاته بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي. 

 

- العلاقات الاقتصادية بين رومانيا والإمارات

   بلغ حجم التبادل التجاري بين رومانيا ودولة الإمارات 445 مليون دولار في العام 2013، محققاً نسبة زيادة كبيرة مقارنة بالعام 2012، بحسب تصريحات رسمية رومانية. وأشار تقدير اقتصادي روماني أن رومانيا تصدر للإمارات المعادن والآلات والمعدات والمنتجات الزراعية والمواد البلاستيكية، فيما تستورد رومانيا من الإمارات المنتجات الكيماوية والبلاستيكية والآلات والمعدات والتجهيزات الكهربائية، مؤكداً ضرورة البحث عن فرص جديدة لزيادة حجم التبادل التجاري في ظل الفرص المتاحة بقطاع الطاقة وتوريد الطاقة واستخراج المعادن والبنى التحتية من طرق وقنوات ملاحة و صناعة الطيران والصناعات البتر وكيماوية.  

 

   في حين أشارت دراسة موسعة حول العلاقات الاقتصادية بين الإمارات ودول شرق أوروبا وأهمها رومانيا؛ إلى أن إجمالي حجم التجارة الخارجية بين الإمارات ودول شرق ووسط أوروبا بلغ خلال عام 2013 ما قيمته 2.927 بليون دولار، بنسبة زيادة بلغت نحو ثمانية في المئة، مقارنة بعام 2012، إذ كان الإجمالي قيمته 2.715 بليون دولار.

 

   ووفق الدراسة فإن إجمالي الصادرات الإماراتية إلى دول شرق ووسط أوروبا ارتفع خلال عام 2013 إلى نحو 299 مليون دولار، وبنسبة 23 في المئة عن عام 2012، البالغة آنذاك 243.2 مليون دولار، وذلك نتيجة لارتفاع قيمة إعادة التصدير التي بلغت 169.3 مليون دولار، ونمو قيمة الصادرات التي بلغت 129.8 مليون دولار خلال العام ذاته، وبنسبة زيادة بلغت 25.4 في المئة عنها في عام 2012.

 

   وعلى صعيد الواردات الإماراتية من تلك الدول، أشارت الدراسة إلى ارتفاع قيمتها لتصل إلى 2.627 بليون دولار خلال عام 2013، ما أدى بدوره إلى تحقيق عجز في الميزان التجاري لمصلحة دول شرق ووسط أوروبا بنحو 2.328 بليون دولار.

 

   وعن الصادرات الوطنية إلى دول شرق ووسط أوروبا، لفتت الدراسة إلى أن أهم 10 سلع تم تصديرها إلى تلك الدول خلال عام 2013 ارتفعت نسبتها إلى 85.6 في المئة من مجمل صادرات الإمارات، ويعد الألومنيوم الخام من أهم الصادرات، وبلغت قيمته ما يقارب 19.9 مليون دولار، بنسبة 15.3 في المئة من إجمالي الصادرات.

 

   وفي شأن إعادة التصدير إلى دول شرق ووسط أوروبا، أظهرت الدراسة أن أهم السلع المعاد تصديرها هي العطور وأجهزة الهاتف والسيارات والأقمشة المنسوجة من خيوط ذات شعيرات تركيبية، والمستحضرات المعدة للحلاقة والمحولات الكهربائية، وبوصلات تحديد الاتجاه والألواح والصفائح والأشرطة.

 

   وفي ما يتصل بالواردات، تعتبر أجهزة الهاتف واللفائف الغليظة (السيجار) والسيارات، وآلات المعالجة الذاتية للمعلومات ووحداتها، والخشب المنشور، وبذر اللفت والسلجم، والأثاث وأجزاؤه، والذهب بالشكل الخام، وزيوت بذور عباد الشمس، من أهم واردات الدولة من دول شرق ووسط أوروبا خلال عام 2013.

 

   وبالنسبة إلى مجمل التجارة الخارجية لدول شرق ووسط أوروبا مع العالم، وموقع

الإمارات في هيكلها التجاري، بينت الدراسة أن قيمة صادرات دول شرق ووسط أوروبا خلال عام 2013 بلغت ما قيمته 777 بليون دولار، فــــي مــــقابل 733 بليــون دولار خلال عام 2012، بنسبة زيادة بلغت ستة في المئة، في حين بلغت واردات دول شـــرق ووســط أوروبا من دول العالم ما قيمته 780.1 بليون دولار، في مقابل 758.1 بليون دولار، وبنسبة نمو بلغت ثلاثة في المئة.

 

وفي ما يتصل بالاستثمارات الإماراتية في دول شرق ووسط أوروبا، كشفت الدراسة عن تركز استثمارات الإمارات في ثلاث دول من شرق أوروبا ووسطها، وهي أوكرانيا ولاتفيا ورومانيا، ما يشير إلى قلة الاستثمارات الإماراتية في تلك المنطقة.

 

   وتركزت الاستثمارات الإماراتية في مجالات استكشاف وإنتاج النفط والغاز والمحطات والموانئ البحرية، وصناعة الأدوية ومستحضرات التجميل، وبيع وشراء وتطوير العقارات والبناء والتشييد، والتجارة بالمستحضرات الصيدلانية بالجملة، وبيع أجهزة ومعدات ولوازم السباكة والتدفئة بالجملة، وزراعة الحبوب، باستثناء الرز، والنباتات البقولية والنباتات المنتجة للبذور الزيتية.

 

   وفيما يتصل باستثمارات دول شرق ووسط أوروبا في الإمارات، تدفقت إلى الإمارات من خلال 10 دول، هي أوكرانيا وأستونيا وتشيخيا وهنغاريا وبلغاريا وبولندا ورومانيا وسلوفاكيا ولاتفيا وليتوانيا، استثمارات بلغت 584.2 مليون دولار خلال عام 2012.

 

   وأوصت الدراسة بزيادة حجم الاستثمارات الإماراتية في دول شرق ووسط أوروبا، من خلال تفعيل اتفاقات حماية وتشجيع الاستثمار الموقعة بين الإمارات ومعظم دول شرق ووسط أوروبا، التي تشمل كلاً من بولندا وتشيخيا ورومانيا وأستونيا، إضافة إلى السعي لتوقيع اتفاق حماية وتشجيع الاستثمار مع بقية دول شرق ووسط أوروبا، الذي بدوره سيعمل على جذب الاستثمارات من تلك الدول إلى الإمارات، إلى جانب ضرورة تشجـيع تبادل الزيارات التجارية والاقتصادية، وإقامة المعارض لتشجيع الاستثمار بين الإمارات ودول شرق ووسط أوروبا.