المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

بين الهزائم الميدانية والعمليات الانتحارية "دولة داعش".. بداية النهاية

الأربعاء , 12 يوليو 2017 - 02:21 مساءٍ

داعش
داعش

ثمة علاقة لا يمكن إنكارها، بين الهزائم الميدانية التي يُمنى بها تنظيم "داعش" في كل من سوريا والعراق من جهة، والزيادة الملحوظة في عدد ونوعية العمليات الانتحارية التي ينفذها التنظيم، ضد أهداف مدنية (وأحياناً عسكرية)، وينجح من خلالها في تمزيق أحشاء المدن، وتحويل مئات المواطنين الأبرياء، إلى مزق وأشلاء متطايرة ... بعض المراقبين، خصوصاً من "خبراء" الحركات الإسلامية، يرون إلى هذه العمليات بوصفها مظهراً من مظاهر القوة ودلالة على فشل الحرب الكونية ضد الإرهاب، لكننا نميل إلى النظر إليها بوصفها دليلاً على قرب نهاية "داعش" .

 

ففيما كانت قوات الجيش العراقي وحلفائه من ميليشيات الحشد الشعبي والعشائري، تجوب الأنبار مستعيدة العديد من البلدات والمدن والقرى من سيطرة التنظيم، وبامتداد يصل شرقاً إلى ما يزيد عن 500 كيلومتر وصولاً  إلى الحدود الأردنية – العراقية، كان انتحاريو التنظيم يمزقون بأحزمتهم الناسفة وسياراتهم المفخخة، قلب العاصمة وغيرها من المدن والبلدات العراقية ... الجيش يواصل تقدمه صوب "العاصمة الأقدم" لداعش في الفلوجة، ويحرز نجاحات على محاور عديدة، وليس مستبعداً أبداً، أن يواصل التنظيم محاولاته اقتراف المزيد من الجرائم ضد أهداف مدنية ومواطنين أبرياء في بغداد وغيرها.

 

وعلى الضفة السورية من "دولة الخلافة"، بدأ الهجوم من أجل الإجهاز على عاصمتها الجديدة (الرقة)، وتحرز وحدات الحماية الكردية ( العمود الفقرى لقوات سوريا الديمقراطية، تقدما يضعها على تخوم المدينة المختطفة منذ عامين أو أزيد قليلاً ... لكن التنظيم ينجح في إرسال سيارات مفخخة لنشر الموت في قلب طرطوس وجبلة، موقعاً مئات القتلى والجرحى، وفي مسعى لا يخفى على أحد، لاستعادة "الروح المعنوية المنهارة" لمقاتليه على جبهات ومحاور عدة، وفي عملية لا تخلو من الرسائل "المفخخة" لكل خصوم التنظيم، ولـ "الأخوة" الذين سيقلبون له ظهر المجن، ما أن تلوح في الأفق، بوادر هزيمته المحققة، وعلى أمثل إثارة فتنة مذهبية، بين أهل هذه المدن ومئات ألوف النازحين إليها هرباً من ويلات الحرب الدائرة في سوريا وعليها.

 

 

"داعش الدولة" ينهار ... ومعاركه الأخيرة أظهرت تآكل قدراته القتالية وروحه المعنوية كما يقول قادة المحاور من الجانب الآخر ... لم يعد ذلك التنظيم الذي "ينتصر بالرعب" ... صار يتعين عليه فرض "حظر التجوال" في مناطق سيطرته لمنع مقاتليه من الفرار ... صار يمنع المدنيين من مغادرة "أراضي الخلافة" لحاجته لدروع بشرية ... المئات من مقاتليه أعدموا أو دفنوا أحياء لفرارهم من جبهات المواجهة ... عناصر النخبة في التنظيم يجري سحبها من الخطوط الأمامية، لضمان سلامتها، وربما العمل على تهريبها إلى ساحات "جهادية" جديدة (التنظيم سحب مقاتليه الأجانب من الفلوجة) .... التنظيم "البعبع" لم يعد كذلك على أية حال، وبشهادة من يقاتلونه من عراقيين وسوريين سواء بسواء.

 

من الأنبار التي تخوض آخر معارك خلاصها من قبضة الإرهاب ... إلى الرقة التي تنتظر بفارغ الصبر، لحظة الخلاص من "الخلافة" وراياتها السوداء ... وصولاً إلى سرت التي تؤكد التقارير بأنها على موعد قريب للخروج من قبضة "داعش" ... إلى معركة الموصل المؤجلة بقرار سياسي وليس عسكري ... تتهاوى قلاع " دولة الخلافة" وتُطوى صفحتها السوداء في تاريخ المشرق المعاصر.

 

وكلما اقترب التنظيم و"الخلافة" من خط النهاية، كلما ازدادت خطورته ... لم يعد لدى البغدادي سوى "قبضة" الانتحاريين الذين يوفرهم لعمليات كتلك التي ضربت بغداد وعدن وطرطوس وجبلة ... هي "سكرات الموت"، وليست "عودة الروح" ... وسيكون التنظيم أكثر قسوة ولؤماً في استهداف ضحاياه من المدنيين ... القتل بالجملة هو الهدف بذاته... لكن ما سبق لا يعنى أن خطر الإرهاب قد تلاشى.... "الدولة" ستنهار، أما الإرهاب فلديه فسحة أطول للبقاء والتنقل، زارعاً الموت والخراب في كل زاوية ...

 

بعبارة أخرى، انهيار " داعش الدولة" (وحتى هذه أمامها على الأقل ما تبقى من العام 2016) لا يعني أن حكاية هذه المنطقة، مع التطرف والإرهاب المتدثرين بالدين، قد أكملت فصلها الأخير، لكن ورقة داعش الذابلة، توشك على السقوط، بانتظار موجة جديدة من المواجهة، مع الإرهاب ذاته، بأسماء جديدة وأساليب جديدة، فكل العوامل التي أخرجت القاعدة وداعش إلى الحياة، ما زالت كامنة في تربتنا وهوائنا.

 

وهنا تتعين الإشارة إلى أن انهيار " داعش الدولة" سيمهد الطريق أمام إلتهام القاعدة مرة أخرى لداعش، خاصة إذا جرى تصفية رموز الصف الأول من قيادات داعش، بل واغتيال " الخليفة" ذاته أبوبكر البغدادى.

 

آنذاك سوف تجرد داعش من كل عوامل الجذب التى جلبت لها آلاف المؤيدين من عناصر السلفية الجهادية بطول وعرض العالمين العربي والإسلامي، لكي تعود تلك العناصر مرة أخرى إلى التنظيم الأم(الأصل)، إلى "القاعدة" التى ستعود بدورها، مرة أخرى، عنوان الإرهارب الرئيسى والأساسى فى العالم قاطبة.