المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

لم يعد زعماؤه يتبنون مشروعا راديكاليا كان أم إصلاحيا.. السودان من "المشروع الإسلامي" إلى السياسات البراجماتية

الخميس , 13 يوليو 2017 - 12:43 مساءٍ

خريطة السودان
خريطة السودان

يبدو أن حزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان، يعاني أزمة فراغ أيديولوجي. فلم يعد زعماؤه يتبنون مشروعا إسلاميا راديكاليا كان أم إصلاحيا، واتجهوا في المقابل نحو تبني سياسات شديدة البراجماتية. وكان إعادة انتخاب الرئيس عمر البشير في 2015 بمثابة تعزيز للدائرة السياسية المحيطة بالرئيس الذي طال بقاؤه في الحكم، وتحييدا للمعارضة وتقليم أظافرها. وصاحب تعزيز البشير لسلطاته حول دائرة صغيرة من كبار السياسيين، والعسكريين تطورا سياسيا باتجاه تشكيل حكومة أكثر براجماتية تركز على بقاء النظام. والمشكل، أن هذا الفراغ الأيديولوجي الناشئ داخل الحزب الحاكم، يعطي فرصة للجماعات الإسلامية الأخرى داخل السودان، ومنها داعش الناشئة هناك فرصة للتمدد داخل المجتمع السوداني، وإثارة المزيد من الاضطرابات، في بلد يعج بالاضطرابات والحروب الأهلية.

 

   كذلك، يبين قرار تدخل السودان في نزاعات إقليمية رئيسية، تحديدا تلك المرتبطة بالسعودية وإيران، تحولا من مسار ردايكالي إسلامي إلى التوظيف البراجماتي للموقع الاستراتيجي للبلاد، والهوية العربية السنية للسودان بهدف تحقيق مكاسب دبلوماسية وعملية على المدى القصير. ويبين تحول السودان نحو الخليج الصبغة النفعية لصناعة التحالفات في شرق أوسط اجتاحته الاضطرابات والحروب الأهلية والتطرف العابر للقوميات. ويشعر النظام السوداني الآن أنه قادر على توظيف أسهمه لتعزيز نفسه عبر تأسيس تحالفات مع ركائز إقليمية (السعودية) وشراكات مع قوى دولية (الهند والصين في مجال صناعة النفط)، من دون أن يضطر إلى البحث عن حلول للعديد من الصراعات الداخلية أو في محيطه. 

 

السودان ..  لمحة عامة: 

 يقع السودان في شمال شرق أفريقيا. يحده من الشرق إثيوبيا وإريتريا، ومن الشمال مصر وليبيا، ومن الغرب تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى، ومن الجنوب دولة جنوب السودان. ويحتل مساحة قدرها 1,865,813 كيلو متر مربع وهو بذلك ثالث أكبر بلد في أفريقيا بعد الجزائر والكونغو الديموقراطية، والثالث في العالم العربي بعد الجزائر والمملكة العربية السعودية، والسادس عشر على نطاق العالم (كان الأكبر مساحة في العالم العربي وأفريقيا قبل انفصال الجنوب في عام 2011، العاشر عالمياً، بمساحة قدرها 2 مليون كيلو متر مربع تقريباً.

   ويقسم نهر النيل أراضي السودان إلى شطرين: شرقي وغربي، وتقع العاصمة الخرطوم عند ملتقى النيلين الأزرق والأبيض، رافدا النيل الرئيسيين. ويتوسط السودان حوض وادي النيل. وعلى امتداد أراضيه الشاسعة يعيش ائتلافا فريدا من الأعراق. ويتكون السودان من قبائل عربية ونوبية وحامية وزنجية. ويدين أغلبية السكان بالدين الإسلامي مع وجود للمسيحية وبعض الأديان الإفريقية القديمة.

 

   أما  عن نظام  الحكم فهو النظام الرئاسي ، و ينتخب رئيس الجمهورية وحكّام الولايات عبر الاقتراع الحر المباشر ، أما البرلمان الاتحادي و برلمانات الولايات فيتم انتخابها عبر نظام هو خليط بين الاقتراع الحر المباشر والتمثيل النسبي. وقد فاز حزب المؤتمر الوطني بأغلبية الأصوات في الانتخابات الأخيرة التي جرت في 2015  وشكل الحكومة الحالية.

 

 وتنقسم البلاد إلى 18 ولاية. وتتمتع هذه الولايات بسلطات تشريعية وتنفيذية واسعة إذ يقتصر دور المركز ممثلا في وزاراته الاتحادية على التخطيط وإقرار السياسات العامة. وتتكون كل ولاية من عدد من المحليات التي تتولى- عبر أجهزة شعبية - مهمة تخطيط وتنفيذ وإدارة كافة الأنشطة التعليمية والصحية والزراعية والحرفية والخدمية علي المستوى المحلي. ويتكون نظام الحكم في السودان من ثلاث سلطات : السلطة التشريعية و السلطة التنفيذية و السلطة القضائية.

 

واقع الاقتصاد السوداني:

   تعرض الاقتصاد السوداني إلى العديد من التقلبات وخضع لتطبيق العديد من السياسات المالية والنقدية الصعبة بغية مواجهات التحديات التي واجهت الحكومة منذ العام 1990 وحتى الآن.  ومن أهم السياسات  المتبعة حاليا، التحول من سياسات التحكم في الأسعار  إلى سياسة تحرير الأسعار.

 

   وكان لتغيير السياسة النقدية في السودان خلال التسعينيات وأوائل الألفية الثانية، من سعر الصرف المدار (سعر صرف محدد) إلى تعويم الجنيه السوداني (ترك سعر الصرف لآلية السوق العرض والطلب دون تدخل) تداعيات بالغة التعقيد تمثلت في الارتفاع الجنوني في أسعار السلع المستوردة والمصنعة بالداخل التي تعتمد على استيراد المواد الخام من الخارج .

 

   ثم اتجه السودان إلى إتباع سياسة سعر الصرف المعوم المدار، وهي خليط من السياستين السابقتين وقد أدت إلى تعافي جسم الاقتصاد حتى موعد اندلاع الأزمة المالية العالمية وتأثر الاحتياطي من العملات الأجنبية، ليجري النظام تغييرا جديدا بالإبقاء على سعر الصرف المعوم المدار مع منح حافز تشجيعي ليقفز بسعر الصرف إلى ما يقارب سعر السوق الموازي.

 

   وتأثر الاقتصاد السوداني باستحقاقات نيفاشا – الانقسام بين شمال وجنوب السودان - التي قسمت الثروة وأفرزت نظامين مصرفيين .وقد شهد الاقتصاد ندرة موارد ثم وفرة وتعرض الاقتصاد للعزلة، خاصة من الغرب بسبب الحظر الاقتصادي الأحادي المفروض من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الغربية.

 

   ويشير تقرير البنك  المركزي السوداني للعام  2014 ، الي أن السياسات البنكية في السودان  استهدفت   بالتنسيق مع السياسات المالية تحقيق معدل نمو حقيقي في الناتج المحلي الإجمالي في حدود 3.6%. ومتوسط معدل تضخم سنوي في حدود 20.9%. وتشير البيانات إلى ارتفاع إجمالي أصول المصارف العاملة من 71.2 مليار جنيه بنهاية عام 2013 إلى 77.9 مليار جنيه بنهاية عام 2014 بمعدل نمو بلغ 9.4%. وارتفع إجمالي رصيد التمويل الممنوح من المصارف من 51.8 مليار جنيه بنهاية عام 2013 إلى 66.6 مليار جنيه بنهاية عام 2014  بمعدل  17.7%. حيث ارتفع رصيد التمويل المقدم للقطاع الخاص من 37.6 مليار جنيه

 

   بنهاية عام 2013 إلى 44.4 مليار جنيه بنهاية عام 2014 بمعدل نمو 22.7%. كما شهد عام  2014 تحسناً في مؤشرات السلامة المالية للمصارف، حيث ارتفعت نسبة كفاية رأس المال من 16.6% في عام 2013 إلى 18.0% في عام 2014 ، بينما انخفضت نسبة التعثر المصرفي من 8.4%  في عام  2013 إلى 7.1% في عام  2014.

 

   وكان  تقرير للبنك الدولي صدر مؤخرا ، قد أكد علي  أن السودان مؤهل لأن يصبح قوة إقليمية كبيرة, وأن الاقتصاد السوداني يعد أكبر اقتصاد في إقليم شرق إفريقيا. وعلى الرغم من وجود ثروات وفيرة واكتشاف النفط وتصديره خلال العقد الماضي الذي حقق نموا غير مسبوق في الناتج المحلي الإجمالي ( تضاعف أكثر من ست مرات خلال ست سنوات من 10 بلايين دولار أميركي في عام 1999 إلى 65 بليون دولار في عام 2010). وما زال هناك إمكانات لم يتم استغلالها بعد نتيجة لوجود عدد من النزاعات الداخلية والتحديات من الخارج.

 

تطورات الوضع الاقتصادي في السودان

  1. العام 1999 ... بداية التحول في هيكل الاقتصاد السوداني

   بدأ النفط يشكل وجودا متزايدا في النشاط الاقتصادي السوداني منذ عام 1999م وهو عام بداية الإنتاج والتصدير للنفط. مما غير هيكل الاقتصاد السوداني بشكل كامل على مستوى الإنتاج الداخلي وأيضا على مستوى التجارة الخارجية.

 

  فعلى مستوى الموازنة الداخلية صار عائد النفط يساهم بنسبة 48 - 50% من الإيرادات العامة للدولة. الأمر الذي اعتُبِرَ طفرة كبرى في حركة الاقتصاد، اذ انتقل الاقتصاد السوداني من اقتصاد زراعي تقليدي إلى اقتصاد نفطي خاصة بعد تصاعد كميات الإنتاج و ازدياد المؤشرات العملية الدالة على استمرار هذه الزيادة في خط تصاعدي. دخل السودان أيضا في صناعة تكرير البترول بقوة بعد بدء الإنتاج ومع إنشاء الخطً الناقل إلى ميناء التصدير (بشائر) تكاملت المنشآت النفطية لأول مرة في تاريخ السودان.

  1. الآثار الاقتصادية للحظر الأمريكي على السودان

   ظل الاقتصاد السوداني يواجه العديد من المخاوف في مقدمتها الحظر الأمريكي والعقوبات الاقتصادية. ويشير تقرير صادر عن بنك السودان المركزي في العام 2001 إلى أن آثار العقوبات الاقتصادية الأمريكية على السودان يمكن تلخيصها في: تجميد ما يفوق 7 ملايين دولار أمريكي تخص القطاع المصرفي، ساهم الحظر في زيادة الخسائر نتيجة لاستخدام سلة من العملات الموازية للدولار الأمريكي ، عرض القرار المستثمرين الأجانب بالسودان لخسائر فادحة من جراء المعاملات الخارجية والمتمثلة في شركات البترول خاصة بعد تصفية سيتي بنك , أضاف القرار قيودا إضافية عند تسوية المعاملات التجارية لدى المصدرين من السودان إلى السوق العالمية بحكم أن عملة الدولار الأمريكي كانت تمثل العملة الاحتياطية الرئيسية في العالم والوسيط الأساسي في تسوية كافة المعاملات والتعاقدات التجارية.

 

 

   هز القرار الأمريكي في بداية الأمر الثقة في التعامل مع المؤسسات المالية الدولية والإقليمية والدول المانحة مما أفقد السودان موارد متوقعة كفيلة بسد الفجوة الخارجية ، ساهم في رفع تكلفة التمويل على التسهيلات المصرفية وبشروط غير ميسرة وذات آجال قصيرة, فقد السودان التقدم التكنولوجي نتيجة حظر العون الفني الأمريكي والتكنولوجيا الأمريكية المتطورة خاصة في مجالات الاتصال والكمبيوتر ، تأثرت مشروعات التنمية والصناعة التي تعتمد على مدخلات إنتاج وآليات مستوردة من السوق الأمريكي.

 

   في العام 2008 واجهت الموازنة تحدي زيادة الأسعار والسلع الرئيسية التي تسهم في زيادة معدل التضخم نتيجة لزيادة الأسعار في السوق العالمي وزيادة ضريبة القيمة المضافة إلى 15% مما فاقم من زيادة الأسعار وأزمة الدين الداخلي ، الا أن تقريرا صدر من صندوق النقد الدولي في العام نفسه وصف أداء الاقتصاد السوداني بأنه إيجابي.

 

   من جانب أخر أفاد القائم بالأعمال البريطاني "ديفيد بلغروف" بأن العقوبات الأمريكية المفروضة على الخرطوم تعيق الاستثمارات البريطانية خاصة فيما يتعلق بالتحويلات المالية ، وكشف أن البنوك البريطانية تسعى لخلق علاقات بنكية للعمل في السودان ، وأن الاستثمارات البريطانية بلغت 20% من استثمارات الاتحاد الأوروبي وأنها وصلت خلال العام 2011 إلى 125 مليون جنيه استرليني.

  1. خروج عائدات النفط من الموازنة

   كان انفصال الجنوب ضربة قوية أصابت الاقتصاد السوداني ، وبعد عدد من المحاولات لإصلاح الوضع ظلت الظروف السياسية المحيطة بالدولتين تقف حجر عثرة أمام أي اتفاق دائم وثابت يسهم في إنقاذ البلدين اقتصاديا، ولكن الأمور بدأت تمضي باتجاه إرساء دعائم علاقات سياسية واقتصادية أفضل بعد زيارة رئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت إلى الخرطوم في نوفمبر 2014، وتوالي زيارات الوفود الرسمية من دولة جنوب السودان إلى العاصمة السودانية الخرطوم. وأيضا، اتجاه نظام البشير نحو مهادنة "أبوجا" وتخفيف حدة النقد السياسي لنظامها، والخطاب الإثني العنصري المناهض لها.

 

   وكان خروج النفط من هيكل الاقتصاد السوداني قد أدى إلى انخفاض صادرات السودان مقارنة بالأعوام السابقة ، والتضخم الذي عمل على تراجع إيرادات الدولة من العملات الأجنبية ، وبتراجع احتياطات الدولة من العملات الصعبة تدنى سعر العملة المحلية والذي انعكس في السوق المحلية بارتفاع أسعار السلع وخاصة المستوردة منها.

 

   أيضا، تسبب الخلاف بشأن رسوم عبور نفط الجنوب عبر الأراضي السودانية إلى موانئ التصدير في السودان، في اختلال واضح في الموازنة السودانية ، وتصاعد الخلاف بين الطرفين حتى بلغ النزاع العسكري على منطقة هجليج .

 

   وكانت وزارة المالية السودانية قد أعلنت عن برنامج ثلاثي (2011 - 2013) لتلافي آثار انفصال جنوب السودان على الاقتصاد السوداني مع التأكيد على سياسة التحرير الاقتصادي كمنهج للسياسة الاقتصادية. وأوضح وزير المالية علي محمود أن البرنامج يقوم على أربع محاور رئيسية؛ تشمل المحافظة على المكاسب الاقتصادية التي تحققت. واستعادة التوازن بين الإيرادات والمصروفات، والمحافظة على توازن العرض والطلب الكليين، عبر زيادة إنتاج السلع الاستراتيجية. بجانب محاصرة عوامل تدني مستوى المعيشة للقطاعات والشرائح الاجتماعية الضعيفة.

  1. مشاركة السودان في التجارة البينية:

 عقدت الحكومة السودانية اتفاقيات اقليمية ودولية مع دول الجوار في مجال التجارة البينية والبرتوكولات التجارية بهدف تشجيع الاستثمار وزيادة حجم التبادل التجاري, والانضمام لمنظمة الكوميسا , و تعزيز علاقات التعاون مع المنظمات والمؤسسات الاقليمية والدولية المهتمة بشؤون الاستثمار.

 

   ومثلت الحيوانات الحية والمنتجات البترولية نسبة وصلت إلى 70% من جملة الصادرات السودانية، مناطق التجارة الحرة والبينية. وبعد دخول الذهب ضمن دائرة التبادل التجاري البيني مع دول الجوار الإفريقي، ارتفعت مجموعة الحيوانات الحية والمنتجات البترولية والذهب إلى 82%. بجانب ذلك، وصلت نسبة الصادرات البينية العربية مقارنة بإجمالي الصادرات السودانية إلى حدود 10% ونسبة الواردات البينية العربية مقارنة بإجمالي الواردات في حدود 13 %.

 

   ويستمر النمو الاقتصادي متحديا الحصار وتبعات الأزمة المالية العالمية والتحديات في الفترة الماضية بعد انفصال الجنوب , فيحتل السودان حاليا المرتبة الثامنة إفريقيا بعد دول شمال افريقيا ونيجيريا وجنوب افريقيا ,و يعد الدولة الرابعة افريقيا في توزيع الدخل القومي ,وقفز السودان من الترتيب 165 دوليا إلى ال 65 متجاوزا 100 دولة .

  1. مستقبل الاقتصاد السوداني:

وعلي الرغم مما سبق وفي اتجاه مغاير، أعطي تقرير صادر عن مجلة الايكونومست ،  في يوليو 2015 صورة قاتمة لمستقبل الاقتصاد في السودان حيث قدم التقرير-  وهو تقرير  اقتصادي معلوماتي عن دولتي السودان- في مجمله تحذيرات من انحدار وتدهور الاقتصاد ليصبح معتمدا بصورة كلية على الديون الخارجية في عام 2019 من الصين  تحديدا.

 

شمل  التقرير دولتي السودان مستصحباً ظروف سياسية ودبلوماسية رأت المجلة أنها تؤثر مباشرة على اقتصاد دولتي السودان اللتان تعتبران مثل توأم السيامي لم يتم فصلهما حتى الآن بصورة كلية. حيث لا تزال الديون الخارجية تشكل ملفاً أعمق من ملف ترسيم الحدود. فضلاً عن حتمية عبور بترول الجنوب عبر أراضي وموانئ السودان حتى إشعار آخر ببناء خط أنابيب بديل يتجه جنوباً وهو أمر مستبعد في ظروف الجنوب الحالية.

 

   وحذر التقرير من ان الاقتصاد السوداني سيعاني كثيراً في الأعوام المقبلة بسبب انحسار عائدات النفط لجهة انخفاض إنتاجه. وأشار إلى أن الإنتاج  في 2015 بلغ (115) ألف برميل في اليوم يتوقع أن ترتفع عام 2016 إلى (130) ألف برميل بدخول إنتاج مربع، و لكن  ذلك لن يكون له أثر على الاقتصاد السوداني بسبب الانخفاض الكبير في سعر البترول عالمياً، فضلاً عن انخفاض سعر البترول السوداني.

 

  وقال التقرير إن السودان شهد انخفاضاً ملحوظاً في التضخم في عام 2015 بسبب انخفاض أسعار السلع الغذائية عالمياً، وليس لأي عامل إيجابي اقتصادي داخلي.

 

وهو الأمر الذي يتفق مع  تقرير لمنظمة مسح الأسلحة الصغيرة وجاء فيه أن هناك مشكلة  كبيرة  خاصة بإنتاج النفط  في السوادان ، حيث أوضح التقرير أن إنتاج السودان في عام 2014 كان حوالى 120 ألف برميل يومياً . ومن هذه الكمية تصدر الشركات الثلث (حوالى 40 ألف برميل يومياً).

 

   وكانت الحكومة السودانية قد فتحت المجال للاستثمار مع عدد من الشركات الدولية العاملة في مجال النفط.  وبدأت عمليات التنقيب عن النفط فعليا  في أراضي  السودان بعد توقيع اتفاقية مع شركة شيفرون الأمريكية عام 1974. تلا ذلك  الاتفاق مع شركات أخري مثل :  توتال الفرنسية، وشركة صن أويل الأمريكية، و الشركتين الكنديتين IPC وSPC عامي 1991، وشركة الخليج GPL عام 1995، والشركة الوطنية الصينية للبترول CNPC عام 1995، وشركة الكونستريوم في فبراير عام 1997، وتكونت شركة النيل الكبرى لعمليات البترول GNPOC في 1997.

 

   وأكد التقرير فشل  الحكومة في توفير حاجة مصفاة الجيلى اليومية والبالغة 100 ألف برميل يومياً ، والتي تعمل بصورة غير كفؤة وأقل من طاقتها التشغيلية (بحيث أن استيراد المنتجات المكررة سيكون أكثر فائدة !) . ومع إصرار الشركات على تصدير نصيبها من الإنتاج، تحول   السودان إلى مستورد صافٍ للنفط في عام 2014 .

 

    وأوضح التقرير أن محاولات الحكومة السودانية لزيادة الإنتاج بتسريع إعادة تأهيل القطاع والاكتشافات الجديدة قد باءت بالفشل ، ومن أسباب ذلك فشل الحكومة في توفير بيئة جاذبة للاستثمارات .

 

   واستنتج التقرير بأن الهياكل الأمنية والسياسية التي توسعت إبان زيادة تدفق إيرادات النفط سيكون من المستحيل أن تبقى لفترة طويلة قادمة. وفي الوقت الذي ستأخذ فيه هذه الهياكل في التآكل، فإن مصير النظام القائم عليها سيكون أقل يقيناً . وفى ظل غياب معارضة وطنية قوية ومتجانسة ، وإخفاق عملية الحوار الوطني المخطط لها ، لا توجد بدائل واضحة في حال انهيار   السلطة القائمة.

 

   وأشار التقرير الى تنامى السخط في المجتمعات المحلية ، خصوصاً وسط قبيلة المسيرية ، حيث لا يزال قادة المجتمع المحلى مستبعدين تماماً من عملية صنع  القرار.

 

الوضع السياسي في السودان

   سيطر نظام جبهة "الإنقاذ" على السلطة في السودان عام 1989، بقيادة الجبهة الوطنية الإسلامية. وكان في البداية يتبنى مشروعا إسلاميا (إخوانيا) لأسلمة المجتمع. ولكنه لم يصمد سوى عشر سنوات بعد فشله في إحباط التمرد في جنوب السودان، واستمرار العزلة الدولية والشلل الاقتصادي الذي أوقف معظم مفاصل الدولة ومؤسساتها الحيوية. ثم بدأ يتفكك بعد انفصال حسن الترابي، ومغادرته حزب المؤتمر الشعبي- أحد المكونات الرئيسة للجبهة الوطنية الإسلامية- عام 1999. وتحولت جبهة الإنقاذ إلى "حزب المؤتمر الوطني". واتخذ مقاربة أكثر براجماتية، بدأت ملامحها تتضح مع قبوله الوساطة الدولية التي ساعدت على إنهاء الحرب الأهلية في 2005، والتي سمحت في النهاية بانفصال جنوب السودان في 2011.

 

   ويلاحظ أن الدولة المركزية المسيطرة على كافة مفاصل وأنحاء الدولة غابت عن تاريخ السودان بسبب تعدده الثقافي( أو القبلي) واتساع امتداده الجغرافي. ورغم هذا الضعف في الفكرة والبنية ظلت جميع القوي السياسية السودانية تري في الدولة الوسيلة السريعة والفعالة في السيطرة علي البلاد،  ويعيش المجتمع  السوداني رغم تقلباته السياسية  ركودا علي مستوي  التحولات الاقتصادية ، الاجتماعية و التغيرات الثقافية ، وقد أخد الصراع السياسي  شكل  ثنائية  : القوي التقليدية  مقابل  القوي الحديثة  ويمثل المعسكر الأول الاحزاب الطائفية  الطرقية نسبة  للطرق الصوفية،  فالحزب الاتحادي الديموقراطي يمثل الطائفة الميرغنية نسبة  للسيد محمد عثمان الميرغني .

 

   أما الحزب التقليدي  المنافس  فهو حزب الأمة والذي يتكون من  طائفة الأنصار (  أنصار المهدي مؤسس الدولة المهدية 1885-1898).  أما القوي الحديثة  والتي يسميها البعض الأحزاب العقائدية فتشمل  : الحزب الشيوعي ، البعث العربي السوداني ، الحزب الناصري ،  القوميين العرب .

 

 سيطرت القوي التقليدية علي كل البرلمانات التي أعقبت الاستقلال بسبب النظام الانتخابي القائم علي الدوائر الفردية ومثل الريف  رصيدا كبيرا للأحزاب مما كرس احتكار السلطة في السودان وهذا ما  حدا بالأحزاب العقائدية والصغيرة إلى الميل للتفكير الانقلابي .

 

   لقد ظل النظام السياسي في السودان وعبر مراحل تطوره المختلفة، وباتساع إقليمه، وبإمكانياته الاقتصادية وبموقعه الاستراتيجي الهام، يعاني من أوجه الضعف والخلل التي أُثرت عليه، وعلى مجمل مؤسساته وسياساته وممارساته، وهو ما انعكس أيضا على مدى فعاليته في توظيف واستثمار قدراته سواء الاستخراجية منها أو التوزيعية.

 

   وهناك  عدد  من  الأزمات التي تواجه النظام السياسي السوداني حاليا ومنها أزمة الهوية أو ما يعرف بأزمة الاندماج الوطني أو أزمة بناء الأمة، وهي تتلاقى مع أزمة بناء الدولة ذات الطابع البنائي الرأسي، في كونها عملية تكامل أفقي للجماعات التي يتكون منها شعب الدولة السودانية، وبالتالي فإن الإخفاق في ذلك يولد النزاعات والصراعات والحروب التي برهنت على معطياتها أحداث الجنوب والغرب والشرق، كما أن هناك أزمة الشرعية ببعديها السياسي والدولي، وهي من الأزمات التي باتت تأثيراتها ظاهرة على مجمل أركان النظام السياسي السوداني، وكذلك الحال بالنسبة لأزمة المواطنة.

 

أما عن الوضع الراهن في السودان ، ففي يناير 2015، أقر البرلمان إدخال تعديلات مثيرة للجدل على الدستور الوطني المؤقت الصادر عام 2005. وزادت هذه التعديلات من سلطة جهاز المخابرات والأمن الوطني (جهاز الأمن الوطني) ومنحت الرئيس صلاحيات أكبر في تعيين كبار المسؤولين وعزلهم، بمن فيهم حكام الولايات وغيرهم من كبار المسؤولين الدستوريين والقضائيين والعسكريين والمسؤولين في الشرطة والمواقع الامنية. والتعديل الدستوري للمادة 151 نص على تحويل جهاز الأمن الوطني من وكالة المخابرات تركز على جمع المعلومات وتحليلها وتقديم المشورة إلى هيئة متكاملة للأمن تمارس الوظائف التي عادة ما تقوم بها القوات المسلحة أو وكالات إنفاذ القانون.

   وفي إبريل 2015، أجريت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية. وأعيد انتخاب الرئيس عمر البشير لمدة خمس سنوات. وقد قاطعت الأحزاب السياسية المعارضة الرئيسية الانتخابات. وفي الفترة التي سبقت الانتخابات الرئاسية، فرضت الحكومة قيوداً على حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع السلمي واعتقلت العشرات من المعارضين السياسيين.

 

   كما تم منع الأحزاب السياسية المعارضة مرارا وتكرارا من تنظيم الأحداث العامة خلال فترة الحملة الانتخابية قبل الانتخابات من 24 فبراير إلى 10 إبريل2015 . وفي 28 فبراير 2015، فرقت الشرطة بالقوة اجتماعا للأحزاب السياسية المعارضة في دنقلة عاصمة الولاية الشمالية، مما أدى إلى إصابة العديد من المشاركين بإصابات خطيرة. وفي 12 مارس ، منعت الشرطة في شمال كردفان بالقوة أعضاء حزب الأمة القومي من تنظيم حدث عام. وألقت الشرطة القبض على 50 من أعضاء الحزب وأغلقت مكتب الحزب. وفي 2 إبريل ، منعت السلطات المحلية في مدينة النهود في غرب كردفان حدثاً عاماً رتبه حزب المؤتمر السوداني للإعلان عن مقاطعته للانتخابات.

 

وبحسب مؤشر منظمة الشفافية الدولية الصادر في  السابع والعشرين من يناير2015،  والذي  شمل  168 دولة ، جاء السودان كرابع أكثر الدول فساداً في العالم لعام 2015. وتستند منظمة الشفافية الدولية في تصنيفها السنوي الى معطيات تجمعها 13 مؤسسة دولية بينها البنك الدولي والمنتدى الاقتصادي العالمي والبنوك الآسيوية والافريقية للتنمية.

 

الصراعات المسلحة داخل السودان.. دارفور .. النيل  الازرق ، جنوب كردفان

دارفور:

   ارتبطت مشكلة دارفور منذ البداية بالتنافس والاحتكاك حول الموارد وتزايد معدلات الفقر بين أبنائه ولاسيما الأجزاء الشمالية منها، إثر موجات الجفاف التي اجتاحت منطقة الساحل الافريقي وجنوب الصحراء والتي شكل اقليم دارفور جزءا منها ، وقد أسهمت سياسة الاستقطاب الحزبي في تفاقم الأزمة والفجوة بين النسيج الاجتماعي لسكان دارفور، اذ عمد الحزب السوداني الحاكم إلى دعم القبائل العربية، في حين دعم حزب الاتحادي الديمقراطي القبائل الإفريقية غير العربية، مما حول الصراع من دائرة المحاولة للحصول على الموارد إلى صراع قبلي- قبلي على امتداد خطوط التقسيم العرقي العربي الإفريقي،  والذي تطور بدوره إلى مجابهة بين المجموعات القبلية الإفريقية ضد الدولة عام 1992 ثم شهدت مجابهة ثانية من هذا النوع في بداية فبراير 2003 . لتمتد الأزمة والصراع لتشمل جميع أجزاء إقليم دارفور.

 

   وتمثل مواقف الفاعلين الإقليمين في كل من مصر وليبيا وتشاد في محاولة إيجاد حالة من التوازن ما بين الحكومة المركزية في الخرطوم والمعارضة ، خوفا من انعكاسات الأزمة على دولهم. إذ تمثل تلك الدول الجوار الجغرافي الإقليمي لدارفور. أما البعد الدولي فكان تأثيره سلبيا، إذ ساهم في تأجيج حدة التوتر السياسي والعسكري. وكان للولايات المتحدة الأمريكية الدور الرئيس في تدويل قضية دارفور في مجلس الأمن الدولي. فضلا عن فرض العقوبات الاقتصادية والسياسية التي كانت تسعى من خلالها إلى السيطرة على حقول النفط وسط وغرب أفريقيا بما فيها دارفور وربط الأخيرة مع خط تشاد – الكاميرون. إلى جانب إبعاد المنافسة الصينية لها في السودان، في حين تمثل الدور الصيني والفرنسي في المحافظة على مصالحهما الاقتصادية والمتمثلة في الحصول على امتيازات النفط في السودان إلا أن مسار السياسة الفرنسية تغير باتجاه التوافق و الأجندة الأمريكية.

   وقد خلف الصراع في دارفور أكثر من مائتي ألف قتيل وما يقارب عن 2.5 مليون لاجئ داخل السودان وخارجه والذي انعكس على البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في دارفور والدولة السودانية التي باتت مهددة بالتفكك.

 

   ودخل الصراع المسلح في دارفور عام 2016 عامه الثاني عشر. وعلى الرغم من أن القتال واسع النطاق بين الحكومة والجماعات المسلحة قد هدأ، فلا تزال هناك اشتباكات متفرقة، وأعمال قطع الطرق وحوادث العنف الطائفي. وتستمر القيود على حرية الحركة والحريات السياسية في جميع أنحاء دارفور. وخلال العام 2015 نزح ما يقدر بنحو 223 ألف شخص من ديارهم بسبب الصراع، ليصل بذلك إجمالي عدد النازحين داخليا في دارفور الى 2.5 مليون نسمة.

 

   وفي ديسمبر 2014، شنت الحكومة السودانية عملية صيف الحسم، بالهجوم على القرى في جبل مرة وشرق جبل مرة جواً وبراً. وفي تقريره الصادر في يناير 2015، وصف فريق خبراء الأمم المتحدة في السودان خصائص استراتيجية الحكومة في دارفور بأنها " عقاب جماعي للقرى والمجتمعات التي يعتقد أن جماعات المعارضة المسلحة تأتي منها أو تنشط فيها" و " إحداث أو تحفيز النزوح القسري لتلك المجتمعات "، مع" الاشتباك المباشر، بما في ذلك القصف الجوي، مع جماعات المتمردين المسلحين عندما يمكن تحديد مواقعها. "

 

   وظل العنف الجنسي، والعنف القائم على نوع الجنس، منتشرين في دارفور. وبعد زيارتها للسودان في مايو 2015 ، حثت المقرر الخاص للأمم المتحدة حول العنف ضد المرأة الحكومة على تشكيل لجنة للتحقيق في مزاعم الاغتصاب الجماعي، بما في ذلك الادعاءات باغتصاب أكثر من 200 امرأة وفتاة في أواخر 2014 في قرية ثابت.

 

الصراع في مناطق النيل الأزرق، جنوب كردفان

   تعد ولاية النيل الأزرق -المعروفة تاريخيا باسم الفونج– منطقة حدودية مع دولة إثيوبيا، ومع جنوب السودان، كما تقع في الجزء الجنوبي الشرقي من السودان، ويقطنها حوالي 25 قبيلة، تسمى في مجملها قبائل الفونج، أما منطقة جنوب كردفان -المعروفة تاريخيا باسم جبال النوبة-فتقع في جنوب دولة السودان، بعد انفصال السودانين، وهي متاخمة لولايتي أعالي النيل، والوحدة في دولة جنوب السودان، وبدأت الحرب بها في يونيو 2011.

 

   وجدير بالذكر، إلى أنه قد تم تقسيم ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، في اتفاقية السلام الشامل CPA في عام 2005، بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية بشكلها القديم، بقيادة جون قرنق، والتي كان أبرز بنودها، تقرير المصير لجنوب السودان، والمشورة الشعبية، التي تمثلت في حق استفتاء شعبي للمنطقتين، علما بأن الأخيرة هي جزء من أسباب الحرب الدائرة حاليا. وقد أثيرت خلافات كثيرة حول ماهية هذه المشورة ومنهجية تنفيذها بين رؤية حزب المؤتمر الوطني الحاكم في الشمال، الذي اعتبرها استفتاء للمواطنين حول ما إذا كانت الاتفاقية قد لبت طموحاتهم، ورؤية الحركة الشعبية في الجنوب حولها بأنها استفتاء للمواطنين حول الحقوق التي يريدونها على أساس استمرارهم في السودان الموّحد. وقد أدى هذا الخلاف إلى اندلاع الحرب.

 

في يوليو 2011، اندلع الصراع في جنوب كردفان، وانتقل في سبتمبر من نفس العام إلى ولاية النيل الأزرق-ولا يزال مستمرا حتى اليوم- إضافة إلى الصراع المستمر أيضا في دولة جنوب السودان، بين القوات الحكومية بقيادة الرئيس سلفاكير، وقوات المتمردين بقيادة نائب الرئيس السابق رياك مشار، سببا في وقوع كارثة إنسانية كبيرة تشهدها تلك المنطقة، مما أدى إلى نزوح أعداد هائلة من المواطنين السودانيين، سواء إلى مناطق سيطرة الحركة الشعبية قطاع الشمال، مثل معسكر "ييدا" الذي يضم حوالي 72 ألف مواطن من جبال النوبة، وآخرين قُدر عددهم بحوالي 800 ألف نسمة، أو عبر الحدود للدول المجاورة. وتزداد المأساة الإنسانية في ولاية النيل الأزرق، فأكثر من ثلثي السكان إما نازحين أو لاجئين، في مناطق النزوح التابعة للحكومة، والبالغين أكثر من 130 ألف مواطن، وُزعوا في 4 معسكرات، هم، "جندراسة، كايا، يوسف بتل، ومعسكر دورو"، فضلا عن حوالي 85 ألف لاجئ، على الحدود مع إثيوبيا.

 

   وقد تسببت تلك الصراعات في أزمة نقص الغذاء، وانتشار الأمراض والأوبئة، كما أدى قرار الأمم المتحدة بتخفيض أعداد موظفيها، وكذلك المساعدات، إلى عدم الاستقرار في تلك المناطق، وتفاقم الأوضاع الإنسانية.

 

   مع اندلاع الصراع المسلح بين حكومة السودان والحركة الشعبية قطاع الشمال، والحركات الدارفورية المسلحة، وتصاعد الأحداث بالنسبة للصراع في دولة جنوب السودان، والذي تحول إلى صراع عرقي بين قبيلتي الدينكا، والنوير، تحولت المناطق التي تواجد بها اللاجئون السودانيون، الذين لجأوا لجنوب السودان، إلى مناطق نزاع مسلح، أدت إلى نزاعات داخل معسكرات اللاجئين. وفي الوقت الذي لجأت فيه مجموعات من قبيلة النوير، وكذلك الشلك إلى دولة السودان نتيجة للصراع، سرعان ما تحولت إلى قوات معارضة، فعادت إلى جنوب السودان لمحاربة القوات الحكومية، بهدف زعزعة معسكرات اللاجئين، في ظل غياب الرقابة الدولية للأوضاع المتأزمة في المنطقة.

 

العلاقة مع جنوب السودان 

عندما حصلت دولة جنوب السودان على حق الانفصال في العام 2011، طوت بين جناحي حدودها آثار نزاعات الحرب الأهلية حتى تصل بهويتها إلى رقم في المجتمع الدولي، إلا أنّه في داخل هذه الدولة الحديثة كان يمور صراع هوياتي قبلي آخر.

 

   فوفقاً للتقسيم الجديد بين الشمال والجنوب فقد تقرر أن تتبع الشمال ثلاثة أقاليم هي دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان، وقد اتفق السودان وجنوب السودان على تقاسم عوائد النفط التي تنتجها حقول نفط موجودة في الجنوب لكن بعضها يمتد في باطن الأرض ليدخل في حدود الشمال

 

   ورثت دولة جنوب السودان نظاماً هشّاً سياسيا، وضعيفا اقتصاديا ومعقدّاً اجتماعيا. فقابلية أن تتحول الخلافات السياسية بين قادة الحزب الحاكم في الدولة إلى صراع قبلي، كانت واردة منذ البداية في ظل النزاعات داخل مؤسسة الحكم مدعومة بالانتماء والتحالفات القبلية، خاصة وأنّ حداثة الدولة لم تسمح للولاءات السياسية بأن ترتقي وتتسامى فوق تلك الولاءات القبلية. فالصراع الذي تشهده ولاية جونقلي والتي تقع جنوب شرق دولة جنوب السودان هو صراع قبلي بالأساس حيث اندلعت المعارك بين قبيلتي "المورلي" و"النوير".

 

    وتسببت هذه المعارك في خلق عدم استقرار شمل الولاية كلها وأدى إلى نزوح السكان ليضاف إلى العوامل العديدة الموجودة أصلاً والمعيقة لعملية التنمية مثل انتشار الأمية وانتشار العديد من الأمراض وسط حاجة حقيقية لتحرك دولي للمساعدة وإنقاذ السكان.

 

   أما عن علاقة  السودان  بدولة  جنوب السودان ؛ فمع اندلاع الصراع المسلح بين حكومة السودان والحركة الشعبية قطاع الشمال، والحركات الدارفورية المسلحة، وتصاعد الأحداث والذي تحول إلى صراع عرقي بين قبيلتي الدينكا، والنوير، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الأوضاع السياسية والإنسانية، فقد تحولت المناطق التي تواجد بها اللاجئون السودانيون، الذين لجأوا لجنوب السودان، إلى مناطق نزاع مسلح، أدت إلى نزاعات داخل معسكرات اللاجئين. وفي الوقت الذي لجأت فيه مجموعات من قبيلة النوير، وكذلك الشلك إلى دولة السودان نتيجة للصراع، سرعان ما تحولت إلى قوات معارضة، فعادت إلى جنوب السودان لمحاربة القوات الحكومية، بهدف زعزعة معسكرات اللاجئين، في ظل غياب الرقابة الدولية للأوضاع المتأزمة في المنطقة.

 

   ومن ثم تدهورت العلاقات مع دولة جنوب السودان مع اندلاع الحرب هناك في ديسمبر عام 2013 وتجدّدت الاتهامات بدعم السودان للمعارضة المسلحة في جنوب السودان. لم تحقق الحكومتان أي تقدم في القضايا العالقة الأخرى، مثل ترسيم الحدود والأمن ووضع منطقة أبيي المتنازع عليها، كما اشترط اتفاق التعاون الاقتصادي المبروم بين البلدين عام 2012.

 

   وواصلت هيئة الاتحاد الأفريقي رفيعة المستوى المعنية بالسودان وجنوب السودان، برئاسة رئيس جنوب إفريقيا السابق تابو مبيكي، الوساطة في محادثات السلام في منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، وبدأت وساطة متزامنة حول دارفور، فضلاً عن محادثات بشأن عملية الحوار الوطني.

 

   وعلى الرغم من أن العامين الأخيرين شهدا تحسنا ملحوظا في العلاقات بين الطرفين، مع توالي زيارات وفود رفيعة المستوى من أبوجا إلى الخرطوم؛ فإن العديد من الملفات العالقة والتي لم يتم التوصل إلى حل نهائي لها تظل تهدد مصير العلاقة بين الطرفين.

 

   وتمحورت القضايا الخلافية حول أربع نقاط؛

أولها قضية ترسيم الحدود، وتقول حكومتا الدولتين إنهما تتنازعان على (80%) من الفاصل الحدودي بينهما، والواقع أن تلك الحدود لا خلاف بينهما حولها من الأساس، بينما الصراع يقع في (20%) والمناطق التي تشملها هي منطقة دبة الفخار وتقع على بعد أربعة كيلو مترات جنوب ولاية النيل الأبيض، ومنطقة جبل المقينص وتقع في مساحة حدودية بين ثلاث ولايات هي نهر النيل وجنوب كردفان السودانيتين وولاية أعالي النيل في جنوب السودان، ومنطقة كاكا التجارية وتفصل بين ولايتي جنوب كردفان بالسودان وأعالي النيل في جنوب السودان وتقع بين دائرتي العرض (10) و(11) درجة شمالاً، ومنطقة كافي كنجي أو حفرة النحاس وتقع في جنوب إقليم دارفور وشمال إقليم بحر الغزال في دولة جنوب السودان وتبلغ مساحتها (13) كيلو متراً مربعاً، وتوجد عدد من مناطق الزراعة الآلية المتنازع حولها في ولاية سنار السودانية، بحيرة الأبيض، كنكدي، هجليج، الميرم، الخرصانة ومنطقة سماحة في جنوب دارفور والأخيرة أضافتها دولة جنوب السودان من طرفها باعتبارها موضع خلاف وتنازع بينها وبين جمهورية السودان. وجاء الفصل الرابع من اتفاقية السلام الشامل متضمناً حسم النزاع بين طرفيها حول منطقة أبيي ولكنهما فشلا في الاتفاق بشأنها.

 

   وأصبحت بذلك منطقة أبيي هي القضية الثانية العالقة بينهما وفي حال لم يتم حلها مستقبلاً يجوز لنا أن نصفها بأنها ستكون مثل منطقة بادمي التي كانت سبباً للحرب بين أريتريا وإثيوبيا أو إقليم كشمير الذي أشعل الصراع بين الهند وباكستان.

 

   أما الترتيبات الأمنية فهي القضية الثالثة وترتبط في جوهرها بمسألة فك ارتباط حكومة جنوب السودان بالفرقتين التاسعة والعاشرة للجيش الشعبي المتواجدتين على التوالي في منطقتي جبال النوبة بجنوبي كردفان وجنوب أعالي النيل الأزرق السودانيتين، إلى جانب عدم إيواء حركات المعارضة المسلحة وفي مقدمتها الجبهة الثورية السودانية ومكوناتها مثل الفرقتين التاسعة والعاشرة للجيش الشعبي، الجدير بالذكر أن رئيس الجبهة الثورية هو مالك عقار قائد الفرقة العاشرة. ورغم الوعود والتعهدات التي تقدمها حكومة الجنوب لإيجاد حل للقضية إلا أنها لم تقم عملياً بخطوات ملموسة حيال ذلك.

 

   أما القضية الرابعة فتتعلق بتدفق نفط الجنوب وتصديره عبر الموانئ السودانية، ورغم أن هذه القضية تمت تسويتها بقبول الخرطوم بمرور النفط بأراضيها وبالمقابل المادي الذي تدفعه لها حكومة الجنوب، إلا أن تنفيذ ذلك على أرض الواقع تحول دونه عدة عقبات أهمها ربط الحكومة السودانية تنفيذه بإيجاد تسوية لقضية الترتيبات الأمنية، وهو الأمر الذي تتقاعس عن تنفيذه دولة الجنوب، الأمر الذي قاد الرئيس السوداني عمر البشير إلى إيقاف تدفق النفط في غضون (60) يوماً، وذلك بعد شهرين من بدء تنفيذ الاتفاق بحُجة أن الهجوم على منطقتي أبو كرشولا وأم روابة يقف خلفه الجنوب. إضافة لهذه القضايا الأربعة هنالك مسألة الاتفاق على الحريات الأربع لمواطني الدولتين والمتمثلة في حق الإقامة والتملك والجنسية المزدوجة والتنقل غير أن ذلك يعوقه عدم تسوية قضية الترتيبات الأمنية شأنه في ذلك شأن عدم المقدرة على تنفيذ الاتفاق النفطي المبرم بين الدولتين.

 

السياسات الإقليمية السودانية

  1. السودان تولي وجهها شطر الخليج العربي

   كان قرار جبهة الإنقاذ بعدم إدانة الغزو العراقي للكويت عام 1990، ورعاية متطرفين إسلاميين – على رأسهم زعيم القاعدة أسامة بن لادن – طوال عقد كامل، أثرا في تقريب العلاقات بين السودان وإيران. إلا أنه فرض عليها عزلة عربية من جانب مصر، ليبيا ودول الخليج تحديدا. مؤخرا في 2014، فرضت المملكة العربية السعودية قيودا مالية القطاع المصرفي السوداني، مهددة بإعادة الآلاف من العمال السودانيين ومنعت طائرة إيرانية كانت تحلق فوق أجوائها حاملة الرئيس السوداني عمر البشير، من دخول مجالها الجوي، في توقيت كانت الخرطوم لا تزال فيه حليفا مقربا لطهران.

 

   إلا أن تغير الديناميكيات في منطقة الخليج، خاصة مع تصاعد حدة العداء السعودي – الإيراني، تزامن وتحول السودان عن قصد بعيدا عن طهران، كي تصبح حليفا مقربا من الرياض. وهو الأمر الذي سيجلب على السودان مزايا دبلوماسية ومالية. وفي 2012، ذُكِرَ أن السودان رفضت مطالب إيرانية ببناء قاعدة بحرية في بورسودان (رغم أن السفن الإيرانية كانت ترسو هناك بانتظام حتى 2014)، وفي سبتمبر 2014، أغلقت الحكومة السودانية مراكز ثقافية إيرانية، قالت أنها تنشر المذهب الشيعي في السودان.

 

   وفي 26 مارس 2015 ، أعلنت الخارجية السودانية عن مشاركة الخرطوم في التحالف  الذي تقوده المملكة العربية السعودية ضد جماعة الحوثي في اليمن، "تحالف الحزم "الذي يضم  12 دولة عربية  لدعم الشرعية اليمنية ضد الانقلاب الحوثى، هي : المملكة العربية السعودية، والإمارات، ومصر، وقطر، والبحرين، والكويت، والأردن، والمغرب، والسودان، وباكستان، وتركيا.

 

   ونقلت وكالة الأنباء السودانية الرسمية على لسان وزير الخارجية، علي كرتي،  قوله: "إن قرار السودان يأتي من منطلق حرصه على أمن المنطقة والمملكة العربية السعودية،" لافتا إلى أن "السودان بقربه من السعودية ومن منطلق العلاقات التاريخية الوثيقة والخطر الذي يهدد المنطقة جميعاً والسعودية على وجه التحديد اتخذ هذا القرار". وأضاف الوزير: "السودان يعلم تماماً أن مشاركته في هذه الحرب هي مشاركة للدفاع عن أمن السعودية وأمن السودان وأمن المنطقة عموماً.

 

   وقال الرئيس السودانى عمر البشير حول مشاركة دولته في حرب اليمن انها  مشاركة  رمزية،  فهي بثلاث طائرات مقاتلة والسودان علي استعداد لارسال قوات برية في حدود لواء من المشاة إذا طُلب منه ذلك  .

 

   ويرى مراقبون أن مشاركة السودان في العملية العسكرية التي تقودها السعودية هو مؤشر واضح على انهيار التحالف العسكري بين الخرطوم وطهران وخطوة تبرز تخلي القيادة السودانية عن حليفها العسكري السابق على خلفية تدخله السافر في الشأن اليمني ودعمه للانقلاب الحوثي.

 

   وأكدوا علي أن ايران تلقت أول هزيمة بخسارتها حليف استراتيجي ألا وهو السودان بعد مشاركة الخرطوم في عملية "عاصفة الحزم"، وهو ما ينذر ببداية تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة وتساقط أوراقه تباعا.

 

   وفي يناير 2016، مضت السودان خطوة أكبر باتجاه التقارب مع الرياض والقطع مع طهران. وكانت واحدة من أوائل البلدان التي أعلنت قطع علاقاتها الدبلوماسية وطهران، تضامنا مع الرياض عقب الهجوم على سفارتها في طهران احتجاجا على تنفيذ السعودية حكما بإعدام الفقيه الشيعي نمر النمر.

  1. القضايا العالقة بين مصر والسودان

      لم تعرف العلاقات المصرية السودانية ربما بعد ثورة الإنقاذ الوطني في السودان منذ 30 يونيو 1989 وحتي اليوم تعاونا مدروسا سوي اتفاق "الحريات الأربع" - الذي أبرمه الرئيس السابق حسني مبارك مع حكومة الإنقاذ الوطني- الذي لم يرقى ما تم تنفيذه من أهدافه السياسية والاقتصادية والتجارية والأمنية والدفاعية إلي المستوى المأمول .

 

   والواقع، أنه منذ 1956 تشهد العلاقات بين السودان ومصر مدا وجزرا تبعا لطبيعة النظام الحاكم في كل منهما وسياستها الداخلية والخارجية، وكيفية صياغته لمواقفه ورؤاه وتحالفاته الإقليمية والدولية، لكن هذه العلاقة كانت في أغلب فتراتها تفتقر إلى الحميمية بسبب مجموعة من الخلافات والتوترات التي نرصد في ما يلي أبرزها:

أ-قضية مثلث حلايب:

   تعد قضية تنازع السيادة على منطقة مثلث حلايب الغني بالمعادن أحد التحديات المزمنة التي تواجه علاقات البلدين منذ عام 1958. ففي 1902 جعلت سلطة الاحتلال البريطاني -التي كانت تحكم البلدين آنذاك- حلايب تابعة للإدارة السودانية لأنها أقرب جغرافياً للخرطوم من القاهرة.

 

   وظلت المنطقة تابعة للسودان حتى 18 فبراير 1958 حين قام الرئيس المصري آنذاك جمال عبد الناصر بإرسال قوات إلى المنطقة، وكاد الخلاف الناشب حينها أن يتحول إلى نزاع حدودي مسلح بين البلدين الجارين، لكنهما تمكنا من تغليب منطق التعايش وحسن الجوار على ما الاشتباك.

 

   ورغم أن منطقة حلايب خضعت منذ ذلك التاريخ للسيادة المزدوجة من الدولتين، فإن أزمتها ظلت تطل برأسها على الدوام حسب حركة العلاقات بينهما شدا وجذبا، خاصة أن القاهرة لم تقبل يوما إحالة القضية إلى التحكيم الدولي الذي يُرضي الخرطوم ولا يمكن تحقيقه قانونيا إلا برغبة الطرفين.

 

   وقد أعلن السودان تقديمه شكوى ضد مصر لدى مجلس الأمن الدولي بسبب إجراء حكومتها اقتراعا في الانتخابات البرلمانية عام 2015 داخل منطقة حلايب.

 

ب- محاولة اغتيال مبارك:

   في يونيو 1995 تعرض الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك لأخطر محاولة اغتيال استهدفته شخصيا في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا حينما كان يحضر قمة أفريقية، فقد أغلق مسلحون الطريق أمام موكبه وأطلقوا النار على سيارته ولكنه لم يصب بأذى بعد أن تمكن حراسه من التصدي لمنفذي الاعتداء، في حين قتل عدد من منفذي العملية.

 

   وقد حملت القاهرة الجماعة الإسلامية المسؤولية عن الهجوم، وخاصة القيادي في الجماعة مصطفى حمزة أحد أبرز الشخصيات في الأفغان العرب المصريين، الذي تقول القاهرة إنه العقل المدبر لمحاولة الاغتيال، وحكمت عليه غيابيا بالإعدام ثم برأه القضاء المصري بعد إعادة محاكمته حضوريا عام 2013.

 

   واتهمت الحكومة المصرية النظام السوداني بقيادة عمر البشير بالتخطيط لعملية محاولة اغتيال مبارك أو على الأقل تسهيل تنفيذها، وذلك باستضافته الجماعة المتهمة مصريا بتنفيذها وتمكينها من إنشاء معسكرات تدريب خاصة على أراضيه كانت مركزا لتخطيط وتنفيذ هذه المحاولة، وهو الأمر الذي نفته الخرطوم على الدوام.

ج- توزيع مياه نهر النيل:

    ظل البلدان ملتزمين باتفاقية 1959 -التي تعتبر دستورا لأعمال الهيئة الفنية الدائمة المشتركة بين دول النهر- منذ إقرارها، وأظهرا تعاونا مثاليا بشأنها مكنهما من إنشاء كثير من المشاريع على النهر خلال هذه الفترة.

   وتعتبر هذه الاتفاقية نقطة خلاف بين مصر ودول حوض النيل التي لا تعترف بها وتطالب بتقسيم حصص المياه وفق رؤى جديدة، مع أن مصر تعتمد على النيل في أكثر من 95% من احتياجاتها المائية، بينما تحتاج إثيوبيا مثلا 1% فقط من مياهه.

د- مقتل سودانيين بمصر:

   تفجرت بوادر أزمة  بين مصر والسودان عقب إعلان القاهرة  في نوفمبر 2015، عن مقتل خمسة سودانيين على الأقل، بنيران الجيش المصري في شمال سيناء، أثناء محاولتهم التسلل إلى الجانب الإسرائيلي من الحدود.

 

   وذكر بيان للمتحدث العسكري باسم الجيش المصري، أن تبادلاً لإطلاق النار وقع بين "قوات إنفاذ القانون المكلفة بتأمين خط الحدود الدولية في الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الشرقي"، ومجموعة من "المتسللين" الأفارقة، في شمال سيناء. وِأشار البيان إلى أن الاشتباك أسفر عن إصابة أحد المجندين بطلق ناري نافذ بالظهر، ومقتل 5 من المتسللين، وإصابة 6 آخرين، بالإضافة إلى القبض على خمسة منهم، تبين لاحقاً أنهم جميعاً يحملون الجنسية السودانية.

 

   جاء "الحادث" بعد نحو أسبوع على إعلان القاهرة العثور على جثة 15 أفريقياً على الأقل، يُعتقد أن غالبيتهم سودانيون، في المنطقة الحدودية جنوب مدينة رفح، وقالت إنهم كانوا في طريقهم للتسلل إلى الجانب الإسرائيلي عبر الحدود الدولية.

 

   وقبيل ذلك بأيام،  كانت سفارة الخرطوم بالقاهرة قد سلمت مذكرة لوزارة الخارجية، احتجاجاً على ما أسمته «تجاوزات ضد مواطنيها بالقاهرة»، وطالبت فيها بالتحقيق ووقف التجاوزات فوراً، بعد احتجاز عدد من السودانيين بتهمة الاتجار في العملة وتقليد الدولارات واستخدامها في الاحتيال على المواطنين، وهى المذكرة التي وعدت وزارة الخارجية بالتحقيق فيها، نافية وجود حملة ممنهجة ضد السودانيين، كما نفت أجهزة الأمن استهدافهم، وقالت إن الإجراءات تُتخذ ضد جميع الخارجين عن القانون.

 

في الوقت نفسه ظهرت حملة إعلامية في السودان هجومية ضد مصر مثيرة للجدل، الأمر الذي ربطه محللون في الشئون الإفريقية بالمفاوضات الدائرة بين مصر وإثيوبيا والسودان الخاصة بسد النهضة، على خلفية إثارة الخرطوم أزمات مع القاهرة قبل توقيت الاجتماعات الخاصة بالسد.

 

   وطالب حزب «المؤتمر الوطني»، الذي يرأسه عمر البشير، بالتحقيق فيما يتردد بشأن وقائع تعذيب مواطنين سودانيين في مصر، فيما هاجمت العديد من وسائل الإعلام السودانية الحكومة المصرية.

  1. موقف السودان من  قضية  سد  النهضة:

   منذ وضع حجر أساس سد النهضة الإثيوبي في أبريل 2011 وإعلان التفاصيل المتعلقة بأبعاده وحجمه، وآثاره السلبية، ومحاولات تفسير مواقف الجانب السوداني، لا تتوقف. نظرا لتباينه وعدم وضوح رؤيته من الخلافات الدائرة خلال مفاوضات السد بين مصر وإثيوبيا، ففي الوقت الذى تقف فيه القاهرة حائط صد أمام أطماع أديس أبابا في مياه نهر النيل، باعتبار أن «السد» هو المنشأ الأكبر في حوض النيل وأفريقيا، اختارت الخرطوم أن تلعب دور الوسيط أحياناً والمدافع عن مواقف أديس أبابا في كثير من الأحيان.

 

    ولكن تصريحات  سابقة للرئيس السوداني عمر البشير عام 2013 في خطاب جماهيري عقب تدشين شبكة الربط الكهربائي مع إثيوبيا، كشفت عن موقف السودان الحقيقي، حينما أكد مساندة حكومته للموقف الإثيوبي بشأن بناء سد النهضة، وقال إن حكومته تساند إثيوبيا في إنشاء هذا السد، إلا أنه وعقب قيام ثورة يونيو، تغير الموقف للمراوغة، فيما يشبه اتفاقاً ضمنياً بين البلدين، على إضاعة الوقت والفرص على مصر للخروج بحل يرضى كافة الأطراف في الوقت الذى لا تتوقف يد البناء عن استكمال السد.

 

   ويمكن القول أن دور الوسيط  الذي يلعبه  السودان  يعد مخالفا لاتفاقية 1959 الخاصة بتقسيم حصص المياه والبند الخاص بالتزامها بالشراكة الاستراتيجية مع كل الأزمات التي قد تطرأ فيما يتعلق بقضايا المياه في حوض نهر النيل.  ويري البعض أن  الموقف السوداني المنحاز لإثيوبيا في المفاوضات الفنية أتُخذ بطريقة عاطفية وعشوائية لقرب العلاقات السودانية الإثيوبية.

 

   وربما يرجع سر التوافق الي بلدة "القلابات"  التي تقع على الحدود السودانية الإثيوبية، والتي كانت ضمن إرث النظام الحبشى قديمًا، غير أنها الأن تابعة لولاية "القضارف" السودانية، لكن جماعات إثيوبية مسلحة شنت حملات عدة ضد القبائل السودانية لطردها من "القلابات"، إلا أن تلك القبائل دخلت معها في حروب طويلة، ما أدى إلي مقتل الآلاف من الجانبين على مر الزمان. ومؤخراً، عاودت قبائل إثيوبية هجماتها ضد البلدة في غياب الحكومة والدولة التي كانت مشغولة بالحروب الداخلية التى انتهت في النهاية إلي تقسيم السودان إلي الشمال والجنوب.

 

   واستغلت إثيوبيا ضعف العلاقات التي تربط "قبائل القلابات" بحكومة الشمال السودانى، وعرضت على تلك القبائل تسهيلات تجارية ما أدى إلى انحياز الكثير من تلك القبائل إلى إثيوبيا، وبدا أن الموقف السوداني من قرية "القلابات" ضعيف، ما اضطرها في نهاية الأمر إلى التفاوض على جزء من أرضها لصالح إثيوبيا التي ظهرت وكأنها منتصرة.

 

   وجاءت قضية سد النهضة الإثيوبي على الطريق، مما دفع السودان إلى اتخاذ موقف فورى من القضية، التي لعبتها إثيوبيا باحترافية عالية، بعد أن حجمت السودان ، الذى أقنعته إثيوبيا بسهولة أن السد سيكون مصدر رخاء وتنمية له، وأنها ستسهل له الحصول على الكهرباء بأسعار في متناول يديه، وهو البلد الفقير الذى مزقته حروب طائفية طويلة. فى حقيقة الأمر، السودان لم يكن أمامه سوى الانحياز لموقف إثيوبيا والتظاهر بلعب دور الوسيط بينها وبين مصر في قضية سد النهضة، فهي من ناحية تُعاني ضعفاً وفقراً، ومن ناحية أخرى تخشى انفصال "القلابات" عنها، وخصوصاً أنها بلدة تُجارية تساهم بجزء كبير في اقتصادها القومي، إضافة إلى إغراءات إثيوبية عديدة بمساعدتها في إمدادها بالكهرباء وأيضا في الزراعة باعتبار أن السد الإثيوبي يُنظم المياه ويساعدها على تقليل الفاقد.

 

مسارات تهريب السلاح عبر الحدود السودانية لمصر:

   ارتفعت معدلات انتشار السلاح في مصر بشكل غير مسبوق عقب ثوره 25 يناير، وتؤكد البيانات علي ارتفاع معدلات الإنفاق علي السلاح بما يعادل مليارات الجنيهات، في الوقت الذي تبدو فيها إمكانيه إيقاف مافيا السلاح شبه معدومة في ظل اتساع نطاق الحروب في البلدان المجاورة.

 

   وتطورت شبكة تهريب الأسلحة لمصر لتضم مهربين من ليبيا والسودان ودول إفريقية ، بالإضافة الي مستقبلين مصريين ، ويمارس هؤلاء تجارتهم المحرمة  في عرض البحر ،  شمالا من السلوم حتي أبو قير في الاسكندرية، ومن الحدود الغربية لمصر مع ليبيا حتي إقليم دارفور في السودان. وكان السلاح الليبي قد تربع علي عرش الأسلحة التي يتم  تهريبها إلي مصر بعد اندلاع الثورة الليبية نظرا لوفرته، بالإضافة الي رخص ثمنه كمصدر أول للسلاح المهرب.

 

   أما المصدر الثاني للسلاح المهرب داخل مصر ، فهو السودان، ويأتي السلاح القادم من ناحية السودان عبر ولاية كسلا السودانية ، المتاخمة للحدود الإرتيرية، ويتحرك باتجاه الحدود المصرية من ناحية أسوان وحلايب وشلاتين ، ومن خلال منفذ أرقين غرب  بحيرة  السد  العالي ، ومنفذ حلفا أقصي جنوب مصر ،  ويتحرك  المهربون بأسلحتهم في الصحراء الغربية عبر طريق  درب الجبلي الممتد من الجنوب الي الشمال ، ويتولى القبائل والبدو تأمينه مقابل مبالغ مادية .

 

يستخدم بعض المهربون سيارات أو جمال عبر طريق" أرقين غرب" التي تنقسم ما بين الحدود المصرية والسودانية،  وتصل الأسلحة إلى السودان عن طريق دولتي تشاد وكينيا وأبرزها السلاح الروسي 56 ويباع بسعر منخفض والتاجر هو الذي يحدد مكسبه فيه على حسب خبرته بتجارة الأسلحة، ويهرب إلى مصر عن طريق أسوان لذلك تعد من أكثر الأسلحة انتشارًا بالمحافظة ، يسلك تجار السلاح بأسوان طريق درب الأربعين الموجود بين مصر والسودان و يستغرق 40 يوماً بالجمال حتى يصل إلى مركز دروا ، ويومان بالسيارة عن طريق معابر حدودية عبر حلايب وشلاتين.

 

ومن أشهر مناطق تجارة السلاح بالمحافظة قرية العدوة في مركز إدفو الذي يحترف أهلها مجالات التهريب المختلفة ويشتهرون بالمراوغة والحيل الذكية. يخزن المهرب السلاح بجبال قريبة من منطقة برانيس والتي تعد مدخلا لأسوان من ناحية منطقة أبو الحسن الشاذلي التابعة لمحافظة البحر الأحمر، وأثناء عودته إلى أسوان يغير المهرب طريقه قبل الوصول بحوالي 20 كم ويسلك الاتجاه الشمالي مروراً بوادي غدير الطريق البري من البحر الأحمر إلى كوم أمبو، ويصعب على المهرب تغيير تلك الطرق لأنها صحراوية وبها نقاط حدودية وتعد مسافات مدروسة ومحسوبة بالنسبة له وبناء عليها يخطط لرحلته جيداً، من حيث الطعام والشراب و الدخان.  ويستخدم المهربون المصريون معسل التفاح لاستبداله مع السودانيين للحصول على الأسلحة لأنه ممنوع التداول في السودان.

 

   أما عن الأسلحة المهربة من منطقة "كسلا" في شرق السودان والتي سبق الاشارة  اليها ، فهي  تبعد عن الحدود المصرية لمسافة 700 كيلو متر ومنها تدخل بعدها الصفقة إلى محافظة اسوان أو البحر الاحمر وبالتحديد في منطقة حلايب وشلاتين ومنها إلى الصحراء الشرقية ثم قناة السويس وسيناء في رحلة قد تستغرق 15 يوما على الأقل ، تقوم خلالها الجماعات التي تقيم على طول خط التهريب بتولي تأمين الشحنات من نقطة إلى أخرى مقابل الحصول على نصيبها سلاحاً او نقداً ويعتبر تمركز عصابات تهريب البشر على الشريط الحدودي بين مصر واسرائيل وتمركزهم بجبال عتاقه وارتباطهم بعصابات تهريب المخدرات والسلاح أحد أهم أسباب انتشار السلاح في المنطقة الواقعة بالقرب من الشريط الحدودي.

 

   ويعد وادى خريط التابع لمركز نصر النوبة هو الآخر معقلًا للإرهابيين والبلطجية والمجرمين ومركزا للسلاح بأسوان، فجميع المقيمين فيه من أبناء المحافظات الأخرى وحصلوا على أراضيهم بوضع اليد، وتعلم الحكومة جيدًا أماكن تجمعهم وحيازتهم للسلاح، ولكن لم يتم التعامل معهم لأنها منطقة مسلحة ولا يسمح أهاليها بدخول أي غريب فيه .

 

   هناك مسار آخر للتهريب،  ليس فقط  الأسلحة وانما البضائع والأفراد ايضاً ، وهو بحيرة ناصر ، ويتم التهريب على نطاقين: الأول يتم من خلال الموانئ الثلاثة الموجودة على البحيرة، وفيه يتم تهريب أحجام الأسماك الممنوع صيدها بطرق ملتوية، وهو ما يؤدى إلى نقص إنتاجية الأسماك، والنطاق الثاني من التهريب يحدث خارج المنافذ القانونية للبحيرة، وفى هذه الحالة يتم تهريب الأسلحة والمخدرات والقرود والجلود.

 

   ويعود ذلك إلي حالة الانفلات التي تعيشها البحيرة على كافة المستويات بعد ثورة يناير 2011، فإذا تمكن أحد الأفراد من التسلل إلى مياه البحيرة من أي مكان يستطيع بسهولة الوصول إلى السودان دون أن يعترضه أحد، ورغم اجتماع جمعيات الصيد الأربع التي تصطاد في البحيرة مع الجهات الأمنية وتقديم عدة مقترحات إلا أنه لم يتم تنفيذ أى منها.

 

 ويستخدم المهربون البحيرة في العبور من الجانب الشرقي إلى الجانب الغربي للبحيرة والعكس، من خلال استخدام قوارب سريعة جداً للوصول إلى الشواطئ أو الأخوار المترامية ثم يستخدمون سيارات الدفع الرباعي للتسلل إلى داخل مصر.

 

ومن اللافت أن الرئيس السوداني الفريق "عمر البشير"، كان قد اعترف في حوار أجراه مع  الكاتب "فهمي هويدي" نشر في صحيفة الخليج الامارتية بتاريخ27 لإبريل ،2012 ، بتهريب السلاح من السودان لمصر ، حيث قال" البشير": نحن نعلم أن قبيلة الرشايدة المنتشرة في إريتريا والسودان ومصر تقوم بتهريب كل شيء عبر الحدود من الطعام إلي البشر والجمال مرورا بالسلاح. وقد علمنا من إخواننا في مصر أن ثمة سلاحا يتم تهريبه عبر الصحراء لكننا لم نستطع أن نوقفه.

 

   وقد رد مثقفون سودانيون ينتمون للرشايدة علي اتهامات البشير بأن قلة محدودة من الرشايدة هي التي تمارس التهريب مشيرين إلي ان الكل يعلم أن الاسلحة التي هربت كانت تشرف عليها جماعات إسلامية وتذهب للمجاهدين هناك لخلخلة الأوضاع.

 

   وكانت وكالة "رويترز" للأنباء قد ذكرت في منتصف ديسمبر2010 أن قبائل الرشايدة السودانية هي الأكثر إمدادا للسلاح إلي مجموعة أشخاص من المنتمين إلي قبائل السواركة في سيناء، كما نقل موقع "ويكليكس "عن وثائق لمدير جهاز المخابرات الوطني السوداني السابق والقيادي في المؤتمر الوطني وعضو البرلمان الوطني صلاح قوش بان قبيلة الرشايدة هي مصدر رئيسي لزعزعة الأمن والاستقرار في السودان نفسه.

 

   وطبقا للكثير من التقارير الاخبارية المنشورة علي مدي الأعوام القليلة الماضية فإن قبائل الرشايدة جنوب البحر الاحمر والتي يبلغ تعدادها حوالي150 ألف شخص تتولي عمليات تهريب الأسلحة بين السودان ومصر عبر منطقة البرانيس والدروب الصحراوية وتمارس القبيلة تجارة السلاح وتهريب الأفارقة إلي إسرائيل وتتولي قبيلة العبابدة الموجودة في مثلث حلايب وشلاتين نقل تلك الأسلحة الي حوالي12 كم داخل الأراضي المصرية حيث يقوم التجار ببيعها لبدو سيناء ومحافظات الصعيد أيضا