المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

في معجم واشنطن الخاص بالشرق الأوسط.. ليس للولايات المتحدة حلفاء في الخليج

الخميس , 13 يوليو 2017 - 01:13 مساءٍ

اوباما
اوباما

تستخدم كلمة "حليف" حتى الآن بطريقة عشوائية تماماً في معجم واشنطن الخاص بالشرق الأوسط. والحقيقة هي أنه (مع تفهم طبيعة العلاقة الخاصة مع إسرائيل) ليس للولايات المتحدة، باستثناء تركيا -الدولة العضو في الناتو-حتى ولو تحالف واحد مع أي بلد شرق أوسطي.

 

ومع انتهاء قمة الولايات المتحدة-دول مجلس التعاون الخليجي في الرياض، فإن فهم ما يشكل تحالفاً حقاً لا يمكن أن يكون أكثر أهمية مما هو الآن.
والملاحظ، فى هذا السياق، أن كلمتا " الشراكة" و " التحالف" تستخدمان بالتبادل في نقاشات السياسة العامة الأميركية وكأنهما مترادفان، لكن الفرق بينهما كبير...  فإذا كان بلدان أو أكثر حلفاء، وبذلك مشتركين في معاهدة للدفاع المشترك، فإن ذلك يعني أن الواحدة تكون ملتزمة قانونياً بأمن الأخرى، والعكس صحيح.

 

وباختصار، سوف تسهم الدولة المنخرطة في تحالف بالدفاع عن الأخرى إذا تعرضت لهجوم. وتأتي مع مثل هذه المعاهدة : مقرات دائمة، ومجموعة من البنى التحتية والعمليات الداعمة. ناهيك عن أنه، في الولايات المتحدة تتطلب معاهدات الدفاع المشترك موافقة مجلس الشيوخ ومصادقته. وأبرز مثال على ذلك هو حلف الناتو.


أما إذا اشترك بلدان في شراكة أمنية، فإنهما لا يكونان ملزمين في العادة بدفاع أحدهما عن الآخر إذا تعرض أي منهما للهجوم. وفي معظم الحالات - إن لم يكن كلها- لا يوقع الشركاء اتفاقيات دفاع مشترك، وإن كانوا ينخرطون في أشكال مختلفة من التعاون الأمني. وعادة لا يترتب على مثل هذه العلاقات، وجود بنى تحتية كبيرة، أو مؤسسات مشتركة تدير تلك العلاقة . ولعل أبرز الأمثلة هنا هي شراكات الولايات المتحدة الأمنية مع دول مجلس التعاون الخليجي.


ولكن، وعلى الرغم من التمييز الواضح، أشار الرؤساء الأميركيون وكبار مستشاريهم العسكريين والسياسيين خطأ وعلى مدى عقود إلى عدد كبير من دول الشرق الأوسط، التي لديها علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة على أنها حلفاء. على سبيل المثال، يوم 5 أغسطس2015، ألقى الرئيس الأميركي باراك أوباما خطاباً في الجامعة الأميركية، وقال فيه: "إن ميزانية إيران الدفاعية هي أصغر بثماني مرات من الميزانية المجتمعة لحلفائنا الخليجيين".

 

كما وصف (فى الفترة الأخيرة) وزير دفاعه، كارتر، بلدان الخليج العربي بالتحديد أيضاً بأنها حلفاء في ثلاث مناسبات منفصلة: في يناير لهذا العام في ملاحظات على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس؛ وفي 6 (نوفمبر) 2015، في مقالة نشرها جيفري غولدبيرغ في مجلة "الأتلانتيك"؛ ثم في طريقه إلى تل أبيب يوم 19 يوليو 2015 ( قال ذلك أربع مرات خلال ذلك الخطاب نفسه). كما ارتكب وزير الخارجية، جون كيري، الخطأ نفسه يوم 24 (يناير) في السفارة الأميركية في الرياض، حين قال: " لدينا تحالف واضح مع المملكة العربية السعودية كما كان دائماً".


ولم تكن الإدارات السابقة أفضل حالاً، فقد أخطأ الرؤساء جورج دبليو بوش، وبل كلينتون، وجورج بوش الأب، ورونالد ريغان، وجيمي كارتر ومسؤولوهم للأمن القومي أيضاً، وفي العديد من المناسبات. وفي الكابيتول هيل، يشير الكونغرس باستمرار إلى دول شرق أوسطية على أنها حلفاء، مع أخذ إسرائيل حصة الأسد. وكان الإعلام الأميركي مذنباً أيضاً، حيث ترتكب معظم الصحف الأكثر احتراماً، بما فيها "الواشنطن بوست" و"النيويورك تايمز" بشكل متكرر أخطاء واقعية عندما يأتي الأمر إلى علاقاة الولايات المتحدة مع دول في المنطقة. وبالنسبة لتعليقات المتخصصين البارزين في الشرق الأوسط، من المستحيل تقريباً حساب عدد المرات التي استخدمت فيها كلمة "حليف" في السياق الشرق أوسطي .

السبب وراء هذا الخطأ المتكرر، أن واشنطن، في بعض الأحيان، من أجل طمأنة الدول التي تهتم بشأنها، والتي تشكك في التزام واشنطن تجاهها، تلجأ إلى وصف العلاقة  معها بأنها حليفة... وتتجاوز بذلك عن هذا الخطأ الكبير من الناحيتين  التقنية والأخلاقية.


هذا الالتباس جعل البعض يجادل قائلا: بأن التمييز بين الشراكة والتحالف  أمرا ليس مهما، ولا يترتب عليه أمور جوهرية... وأن الأمر له أهميته فقط على الصعيد القانونى. ويدعمون  هذا الزعم بالقول أيضا: رغم عدم وجود تحالف، إذا تعرضت الأردن، ومصر، أو أي دولة خليجية لأى هجوم من إيران، فإن الولايات المتحدة لن تحتاج إلى قطعة ورق ( أى نص معاهدة دفاع مشترك) لكي تتدخل عسكرياً لتدافع عن أصدقائها. وفي العديد من الحالات، سوف تقوم بعمل ما في حقيقة الأمر. وكانت حرب 1990-1991 مثالاً على ذلك.....  إذ لم تكن للكويت معاهدة دفاع مشترك مع الولايات المتحدة. ومع ذلك، عندما قام عراق صدام بالغزو، تدخلت واشنطن -إلى جانب تحالف دولي بنته هي- بكل قوة وحزم.


هذا القول على النحو السابق، من الصعب التسليم به بشكل مطلق، لأن المعاهدة الدفاعية ( العنصر الأكثر حسماً في التحالف بين الدول) ليست مجرد قطعة ورق غير مهمة وفائضة عن الحاجة. إنها آلية جادة، واضحة ومؤثرة ، والتي تحدد الولايات المتحدة وفقها أولويات علاقاتها مع الدول الأخرى. إنها تمثل رسالة للخصوم، واضحة للغاية وقوية جداً، وهي توفر أقوى أنواع الطمأنينية الأمنية للحلفاء.

 

والشاهد، أنه ورغم حادث الطائرة ، كان هناك سبب جعل روسيا تحرص على عدم العبث مع أحد أعضاء حلف الناتو( أى تركيا)، فى حين أنها تتصرف بثقة عندما يتعلق الأمر "بفرض الطاعة" على دول أوروبية غير أعضاء في حلف الناتو، مثل أوكرانيا، وجورجيا، والسويد وفنلندا.


من ناحية أخرى، تجربة الكويت ارتبطت بسياقات واستراتيجيات دولية واقليمية مختلفة... صحيح أنه لم تكن هناك معاهدة دفاع مشتركة بين واشنطن والكويت، لكن الأمر كان مرتبطا آنذاك بمصالح واستراتيجيات واشنطن فى منطقة الخليج ، حيث كانت المنطقة تحظى بأهمية فائقة بالنسبة للولايات المتحدة، على عكس ما هى عليه الآن. وبالتالى من غير المرجح أن تكرر تجربة الكويت نفسها الآن.

 

فى ذات الوقت، إيران ما بعد رفع العقوبات يمكن أن تتصرف بطرق أكثر جرأة وأقل مسؤولية، والتي يمكن أن تفضي إلى نشوب صراع. وفي حال وقعت أي مواجهة بين إيران وأي شريك للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، فإن الولايات المتحدة ربما تتدخل، تماماً كما فعلت ضد صدام في السابق، لكنها قد لا تفعل أيضاً، ببساطة لأنها ليست ملزمة قانوناً بالقيام بذلك، نظراً لعدم وجود معاهدة دفاع مشترك ملزمة للطرفين.


بطبيعة الحال، ليست المعاهدات الدفاعية شيكات على بياض، لكن عدم الالتزام بها قد يأتي بكلفة سياسية خطيرة، وبمخاطر كبيرة على السمعة في الخارج أيضاً. ولو تراجعت الولايات المتحدة عن الوفاء بالتزاماتها الأمنية تجاه أي حليف في الناتو، كبيراً كان أم صغيراً، فإنها ستهدد بشكل خطير وحدة وبقاء التحالف. وينطبق الشيء نفسه على حلفاء الولايات المتحدة في آسيا، وأميركا اللاتينية وبقية الأماكن.
ولهذا فإن علاقة السعودية ( وبقية دول الخليج) مع الولايات المتحدة ليست علاقات تحالف، أنهم شركاء فحسب، طالما لم يتم التوقيع على معاهدة دفاع مشترك.

 

ولهذا لم يكن بلا مغزى أن يلح قادة دول الخليج على أوباما، مطالبين بمعاهدة دفاع مشترك .... وليس بلا مغزى أيضا أن يرفض أوباما ذلك، واعدا  فقط بالمزيد من " التعاون والتنسيق" الأمنى .