المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

التدخل العسكري الغربي في ليبيا.. تفكيك داعش أم تعميق الانقسام

الخميس , 13 يوليو 2017 - 01:20 مساءٍ

جندي أمريكي
جندي أمريكي

في الوقت الذي تتوالى فيه خسائر داعش في سوريا والعراق، يكتسب التنظيم الأكثر دموية في التاريخ المعاصر، أرضية جديدة كل يوم له في ليبيا. تضم ليبيا اليوم، حسب تقديرات لمصادر غربية، نحو 5 آلاف مقاتل تابع لداعش. ويستعد اليوم تحالف من قوى غربية للتدخل عسكريا على المسرح الليبي لمحاربة داعش. فقرب ليبيا النسبي من أوروبا جعل من تقدم داعش فيها أمرا محط قلق أمني لدول غربية، خاصة البلدان الأورو - متوسطية. ليس فقط لأن ليبيا قد تكون منصة انطلاق لعمليات إرهابية، بل أيضا لأن المزيد من الصراع في ليبيا من شأنه أن يفرز مشكلات لجوء جديدة سيكون على أوروبا إدارتها واستيعابها.

 

 

 

 

إيطاليا وإسبانيا، بشكل خاص، قلقتان بشأن كيفية تأثير انعدام الأمن في ليبيا على مصالحهما الحيوية في النفط والغاز الليبي. حاليا، لا تنتشر داعش في المناطق التي تعمل فيها إيطاليا وإسبانيا، ولكن هذا الوضع قد يتغير حال بدأ التنظيم في التقدم غربا. لهذه الأسباب، يستعد الغرب حاليا للتدخل عسكريا في ليبيا، إلا أن شكل ونطاق التدخل سيعتمد على سرعة تدهور الوضع الأمني في ليبيا ومدى نجاح حكومة الوفاق الوطني هناك في اكتساب الشرعية لقياداتها.

 

الاستعدادات للتدخل

الأمر الواضح، حتى الآن، أن التدخل العسكري سيركز على تعزيز القدرات الليبية القائمة بالفعل. وكما كان الحال في عمليات غربية أخرى مضادة لداعش، ستشمل المهمة تدريب قوات أمنية ليبية وتعيين مستشارين غربيين لها وتطوير عمليات جمع المعلومات الاستخباراتية. ويمكن أن نتوقع كذلك، توجيه ضربات جوية محدودة ضد أهداف عالية القيمة، ودعم عسكري بري من وحدات عمليات خاصة. وفى هذا السياق تشير تقارير الصحافة الغربية إلى أن القوات الجوية البريطانية ستعمل في ليبيا إلى جانب نحو ألف من القوات الخاصة البريطانية، مدعومين بـــــ 6 آلاف من القوات الأمريكية وعناصر عسكرية أوروبية. أما من ستكون له القيادة، فالأرجح أنه إيطاليا. وبالفعل، نشرت القوات الجوية الإيطالية أربع مقاتلات من طراز AMX وطائرة من دون طيار في مطار تراباني في صقلية. ويشير ازدياد النشاط الجوي إلى أن إيطاليا تعزز الدور الذي تلعبه في تنفيذ مهام استطلاعية وجمع الصور. أما ألمانيا فقد  أعرب وزير الدفاع الألماني، في الثامن عشر من يناير الماضي، عن احتمال المشاركة في عملية عسكرية في ليبيا. كذلك، أفادت تقارير بوصول العشرات من القوات الأمريكية، البريطانية والفرنسية إلى قاعدة جمال عبد الناصر العسكرية جنوب طبرق في الثالث والعشرين من يناير الماضي، الأمر الذي يسلط الضوء على هذه الاستعدادات. 

 

خصوصية ليبيا:

بالتأكيد التدخل العسكري الغربي في ليبيا ليس بالشئ الجديد. ففي منتصف 2015 قامت الولايات المتحدة بتوجيه ضربتين جويتين في أجدابيا قتلت اثنان من قيادات داعش، وضربة جوية في درنة أيضا بعدها بأشهر قليلة. ولكن على ضوء تواضح نتائج الضربات الجوية، فإنها لن تنجح في تفكيك داعش، والأمر سيتطلب وجود قوة برية فاعلة. ولهذا، سيحاول التحالف العسكري الغربي في ليبيا الانخراط مع فواعل عسكرية محلية وقوات أمنية محلية. وسيحاول أيضا العمل مع شركاء إقليميين لجمع معلومات استخباراتية حول الأهداف المطلوب ضربها. ولكن التركيز سيكون على توحيد الجماعات المسلحة المشتتة في عملية واحدة مضادة لداعش.

 

ومن المتوقع أن يعمل التحالف الغربي بوتيرة أسرع في ليبيا. فالبعد الجيو سياسي لا يكبل التحالف في ليبيا مثلما هو الحال في سوريا والعراق. وهناك دوائر فى الغرب تروج لوجة النظر التى تقول بأن ليبيا تختلف عن العراق وسورية... فخلافا للأخيرتين، لا  يمكن النظر لليبيا بوصفها مسرحا لحرب بالوكالة في الشرق الأوسط، وبالتالي فإن تبعات دعم جماعة أو معسكر ليبي معين (مثلا عملية الكرامة بقيادة خليفة حفتر) ستكون أخف وطأة. وحتى على الصعيد الجغرافي، تساعد طبيعة أرض ليبيا المنبسطة والخالية تقريبا من المرتفعات الوعرة على سهولة تحرك القوات وتوجيه ضربات جوية أكثر دقة.

 

من يقود جيش الحكومة الليبية.. انقسام السياسيين حول حفتر

من المنتظر أن يتم الإعلان عن تشكيل حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة خلال الأيام أو الساعات القادمة. وسيحكم رئيس الوزراء فايز السراج من خلال مجلس رئاسي يهدف إلى حشد التأييد له من مختلف الفصائل والقبائل. وأن تحظى أيضا بموافقة مجلس النواب والمؤتمر الوطنى العام. وهو الأمر الذي يثير مخاوف بشأن احتمال عدم التئامها أو فشلها في أداء مهمتها، على ضوء استمرار الانقسام حول هذه الحكومة.  وكان مجلس النواب الليبي الكائن في طبرق قد أقر في الخامس والعشرين من يناير الماضي، حكومة الوفاق الوطني المدعومة من قِبَل الأمم المتحدة. ومع ذلك، لا يزال عدم الاستقرار والصراع داخل ليبيا مستعرا على أشده. خاصة، وأن مجلس النواب جعل دعمه لحكومة الوحدة الجديدة مشروطا بحل المجلس العسكري الذي وضع بشكل خاص لتخفيف قبضة الفريق خليفة حفتر على السلطة العسكرية في ليبيا( وعلى أساس أن تتبع السلطة العسكرية المجلس الرئاسي بشكل مباشر).  فى حين يصر معظم نواب مجلس النواب على أن حفتر يجب أن تظل له السلطة العسكرية المباشرة.

 

والأكثر من هذا، أن هناك انشقاقات داخل معسكر حفتر نفسه، فقد انشق المتحدث باسمه في الأسبوع الأخير من شهر يناير2015، مع مجموعة أخرى من ضباط وقيادات الجيش. وهؤلاء المنشقون يحتشدون الآن ويحميهم إبراهيم الجضران قائد قوات حرس المنشآت النفطية الليبية وعدو حفتر اللدود. تجدر الإشارة إلى أن المتحدث الرسمي انشق عن حفتر بسبب دعم الأخير للتدخل الخارجي في ليبيا. وهذا بحد ذاته يعتبر مؤشرا جديدا على انقسام ليبيا حول التدخل الأجنبي لقمع داعش، وهو الأمر الذي لن يمر ببساطة، وستكون له تداعياته على تماسك الجبهة اليبية حول الحكومة الجديدة.

 

وكانت حكومة الوفاق الوطني ( في محاولة لإيجاد توازن بين مؤيدي ومعارضي حفتر ) عينت العقيد فرج البرعصي، وذلك بالنظر إلى أن الرجل يتمتع بدعم شرق وغرب ليبيا على السواء، في المجلس العسكري.

 

وكان البرعصي قد عمل مع حفتر حتى نحاه حفتر عن قيادة  المنطقة الدفاعية في الجبل الأخصر في فبراير 2015. حيث أدانه حفتر بسرقة ما يقرب من 735 ألف دولار، وتدمير منازل وقتل شخصيات معارضة من دون تلقي أوامر بهذا. بعدها بشهر، بدأ البرعصي في تشكيل قوة عسكرية منفصلة، عاملا عن كثب مع زعماء عسكريون من غرب ليبيا. وفى ذات الوقت احتفظ البرعصي بتأييد العديد من القبائل في شرق ليبيا وذُكِر أنه انضم مرة أخرى إلى قيادة حفتر في يونيو 2015. أيضا، سيكون العقيد ونيس بوخمادة، الذي ترأس قوات الصاعقة وصاحب العلاقات غير الودية مع حفتر، ضمن المجلس العسكري.

 

إلى جانب قضية تبعية المجلس العسكري للمجلس الرئاسي، رفض مجلس النواب أيضا تأييد تشكيل حكومة الوفاق الوطني من 32 وزيرا. والسبب في هذا يعود جزئيا إلى أنه اعتبر التشكيل الوزاري كبير جدا بما لا يسمح بتعزيز المصالح الوطنية بفعالية. ويبدو أن بعض الوزراء، كانوا مثيرين للخلاف جدا بالنسبة لمجلس النواب. ولهذا ربما يقلل رئيس الوزراء فايز السراج من قائمة الوزراء المحتملين ويستبدل مرشحين محددين كي يحظى بتأييد مجلس النواب. تحديدا، سبق وأن اصطدم وزير الدفاع العقيد المهدي البرغثي وحفتر في الماضي بسبب النزاع على من تكون له السلطة في العمليات العسكرية شرق ليبيا. إلا أن البرغثي على الأرجح مؤهل للعمل بشكل جيد مع البرعصي على ضوء العلاقات الودية بينهما ودعم الأول للأخير في المجلس العسكري.

 

الغرب والحكومة الليبية الجديدة:

وفي الوقت الذي يستعد فيه الغرب لمحاربة داعش في ليبيا فقد بات معنيا أكثر من ذي قبل بتأمين تشكيل حكومة ليبية فاعلة في ليبيا. وفي هذا الإطار؛ يدرس الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات تشمل حظر سفر وتجميد أرصدة تابعة لرئيس المؤتمر الوطني العام في طرابلس، نوري أبو سهمين، ورئيس الوزراء خليفة الجويل... إذ لا يزال المؤتمر الوطني العام ( فى طرابلس) يعارض حكومة الوفاق الوطني والدور الذي سيلعبه حفتر داخل الحكومة الانتقالية، إلى درجة دعوة خليفة الجويل في الأسبوع الأخير من يناير إلى تعبئة قوات فجر ليبيا. ليس هذا فحسب، بل إن رئيس الوزراء في حكومة طرابلس قيد كذلك من تحركات الأجانب داخل المناطق الخاضعة لسيطرة حكومته ووعد بمضاعفة رواتب رجال الميليشيات. والواضح أن هذه القرارات تهدف إلى إبطاء وعرقلة تحركات العناصر العسكرية الأجنبية في غرب ليبيا.

 

وحتى تتمكن حكومة الوفاق الوطني في ليبيا من إدارة الخلاف المتعلق بشخص حفتر، ستظل ليبيا منقسمة حول القضية المحورية بشأن من يسيطر على جيش حكومة الوحدة، الأمر الذي يثير المزيد من الاضطرابات في ليبيا في وقت تتهيأ فيه قوات غربية للتحرك لمحاربة داعش هناك.

 

التدخل الغربي واحتمالات تعميق التشظي المليشياوي

قبل بدء مهام التحالف في ليبيا تحتاج الدول الغربية إلى حكومة موحدة تمثل ولو نظريا على الأقل البلد بأكملها، ويمكن للتحالف أن ينسق معها عملياته. ولهذا دفعت العديد من البلدان باتجاه تسريع وتيرة محادثات الوحدة بين مجلس النواب( الحكومة المعترف بها دوليا في شرق ليبيا) والمؤتمر الوطني العام، الكائن في طرابلس، والذي يعتقد الغرب أنه يقوض سلطة مجلس النواب ومن ثم شرعية التدخل العسكري. في هذا السياق، من المثير أن نعلم أن الغرب لا يصر على تشكيل حكومة تشمل كافة الأطراف السياسية والعسكرية في ليبيا، بقدر ما يعنيه التعامل مع أي كيان يمكنه من بناء جهاز أمني تشارك فيه العديد من الميليشيات العاملة هناك. وهنا مكمن الصعوبة، إذ كيف يمكن حشد قوة أمنية وعسكرية في بلد منقسم سياسيا مثل ليبيا. حسب وجهة نظر التحالف الغربي، يعتمد نجاح التدخل على دعم ضمني على الأقل من ميليشيات ليبيا، ولكن تلك الميلشيات لديها أهداف وتوجهات سياسية مختلفة. ومعظمها لا يتشارك سوى في الكراهية التاريخية لميليشيات أخرى. وبما أن عائدات النفط هي التي تمول رواتب الميليشيات، تقاتل هذه الأخيرة بعضها بعضا على من تكون له السيطرة على منشآت النفط. إلا أن معظم الجماعات تدرك أيضا خطورة داعش على مصادر تمويلها – منشآت النفط- الأمر الذي يفتح أفقا، ربما، لدرجة ما من التعاون والتنسيق بينها. ولكن حتى هذا الخطر المشترك، لا يعني أن بإمكان الميليشيات التوحد لتشكيل جيش موحد. بل إن التدخل نفسه من شأنه أن يحدث تداعيات قد تعمق الانقسام وتثير المزيد من الصراعات على الصعيدين السياسي والأمني. وذلك لعدة أسباب:

 

1-    أن الموارد الخارجية مثل الأموال، المعدات والتدريب ستغير بالضرورة من ميزان القوى الداخلي في ليبيا. على سبيل المثال، ربما تختار الميليشيات التي ستحظى بدعم غربي أكبر أن تحارب خصومها التقليديين، الأمر الذي سيخلق المزيد من المشكلات لحكومة الوفاق الوطني.

2-    أن الحكومات الغربية ستجد صعوبة في الاستقرار على قائمة الجماعات التي ستؤيدها، خاصة وأن الكثير من تلك الجماعات تؤيد " الحركة الجهادية". فبينما يمكن لجميع الجماعات أن توافق على تخليص البلاد من داعش، فإنها لن تتفق على وضع جماعات موالية للقاعدة مثل أنصار الشريعة، مجلس شورى المجاهدين في درنة ومجلس شورى الثوريين في بنغازي. وفي حال لجأت الحكومات الغربية إلى دعم مثل هذه الجماعات، فإن هذا من شأنه أن يثير حفيظة الفريق حفتر (الذي يمثل القوة العسكرية التي يمكن للغرب الاعتماد عليها بشكل أكبر في ليبيا رغم أنه لا يحظى بالتأييد في أرجاء ليبيا الأربعة) نظرا لموقفه المعروف من كافة الميليشيات الإسلامية. في المقابل، فإن عدم دعمها قد يدفع الكيانات السياسية التي تؤيدها هذه الميليشيات إلى سحب دعمها لحكومة الوفاق الوطني، وبالتالي إشعال المزيد من الاضطرابات السياسية.

3-    أن التدخل العسكري الغربي ضد داعش سيدمر قطاع النفط والغاز الليبيين – وهو مصدر الدخل الوحيد الذي تعتمد عليه الحكومة هناك. يحتاج الحفاظ على قطاع النفط هناك إلى تأمين شركات النفط الوطنية والبنك المركزي الليبي. ويعتمد تأمين هذه المنشآت الحيوية على القوات الأمنية التي تحميها، تحديدا حرس المنشآت النفطية. ولكن على ضوء انخراط حرس المنشآت النفطية في لعبة الصراع بين الميليشيات في ليبيا، فإن أي انحيازات غربية تجاه هذه الجماعة أو تلك، يعني المزيد من التهديدات لهذه المنشآت. واحتمال بقاء هذه المنشآت بعيدة عن الصراع، حتى ولو كان التدخل أو الدعم الغربي محدودا، تبدو ضعيفة.

لهذا كله فإن التدخل الغربي – على الأرجح – سيعمق الفشل فى ليبيا، ويدفع البلاد نحو المزيد من الفوضى.