المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

حكومة الوفاق الوطني تنتظر مصير "تحالف فجر ليبيا"

الخميس , 13 يوليو 2017 - 01:56 مساءٍ

قوات ليبية
قوات ليبية

بالنسبة للحكومة الإسلامية في طرابلس، يعتبر وصول حكومة وحدة جديدة إلى العاصمة الليبية بداية النهاية لسيطرتها على السلطة. سيطر المؤتمر الوطني العام على طرابلس منذ الانتفاضة الدموية لفجر ليبيا في 2014. الآن، تتوسع حكومة وحدة جديدة في بسط سيطرتها على البلاد بالفعل، ولم يعد بإمكان المؤتمر الوطني معارضتها. بعد أشهر من التنظيم في تونس، دخلت حكومة الوفاق الوطني العاصمة الليبية في 30 مارس. وبعد أقل من 48 ساعة على وصولها، فر رئيس الوزراء خليفة الغويل إلى موطنه في مدينة مصراتة. ورغم تراجعه عن قرار التخلي عن السلطة، ودعوته مجلس وزراءه إلى الانعقاد مرة أخرى، فإن هناك شكوك حقيقة حول قدرته أو قدرة حكومة المؤتمر الوطني العام على تنفيذ قرارها، خاصة بعد اعتراف عدد من مؤسسات الدولة الرئيسية بحكومة الوفاق الوطني، والبدء في تنفيذ أوامرها.

 

 ويسلط إعلان رئيس الوزراء الغويل في وقت سابق، وجوب توصل الحكومتين إلى اتفاق سلمي على الوضع المتدهور باطراد للمؤتمر الوطني. وفي وقت تعاني فيه حكومة المؤتمر من انقسامات داخلية وتهديدات من جانب داعش، شهد التحالف المكون للمؤتمر شركاؤه من الميليشيات وهم يسحبون تأييدهم له واحدا في إثر الآخر، البعض منها انحاز إلى حكومة الوفاق الوطني الجديدة والبعض أعلن وقوفه على الحياد. في الوقت نفسه، بدأت حكومة الوفاق الوطني، التي تتمتع باعتراف دولي، في تعزيز سلطتها، أولا في العاصمة، ثم في بقية أنحاء البلاد تدريجيا. ولكن التحد الكبر أمام حكومة الوفاق الوطني لا يتمثل في المعارضون لها، بل بالأحرى في الأسس الهشة التي تأسست عليها. ففي جوهرها، لا تعد حكومة الوفاق الوطني حكومة واحدة بل أقرب إلى تجمع من الأحزاب نحووا مؤقتا مصالحهم المتنازعة والمختلفة بعمق. حتى الآن، تشترك جميع الأطراف المشاركة في حكومة الوحدة في الوقوف أمام عدو واحد – داعش-، ولكن هذا ربما لا يكون كافيا للجمع بينها لوقت طويل.

 

التحليل

أحدث المؤتمر الوطني العام صخبا طوال عامين. لقد أتى إلى السلطة بعد الانتخابات البرلمانية في 2014، عندما شنت كتلة سياسية إسلامية متمركزة في مدينة مصراتة شمال غرب البلاد حملة تمرد للإطاحة بالحكومة المنتخبة حديثا. وانتهت الانتفاضة بانقسام البلاد بين حكومتين متنافستين: المؤتمر الوطني العام في طرابلس والحكومة المعترف بها دوليا في مدينة طبرق شمال شرق البلاد.

 

ولكن عدم فعالية المؤتمر الوطني العام والانقسام الداخلي في طرابلس، ساعد على صعود داعش في مدينة سرت. ودخلت ميليشيات مثل الكتيبة 166، جميعها تتألف غالبا من أنصار المؤتمر الوطني في مصراتة، في صراع لإبقاء التنظيم الإرهابي خارج سرت واتهمت طرابلس بعدم تقديم دعم كاف لها لمواجهة داعش. وقعت كثير من الميليشيات اتفاقات وقف إطلاق نار مع جماعات مناهضة للإسلاميين بحيث يمكنها التركيز على مكافحة داعش. وفي النهاية، في مايو 2015، أعلنت الكتائب الأقوى في مصراتة – الحلبوص، محجوب، حطين، والكتيبة 166- تأييدها مفاوضات الأمم المتحدة لتشكيل حكومة وحدة. ولم تتزعزع أيا منها عن موقفها منذ ذلك الحين.

 

   وانحصر نطاق تأييد المؤتمر الوطني العام في الكتائب المتمركزة في طرابلس- بعضها أعلن تأييده فيما بعد لحكومة الوفاق- والقليل من الميليشيات المصراتية المعروفة باسم "جبهة الصمود". ثم بدأت جبهة الصمود نفسها في التفكك. كثير من عناصرها تشكل من ميليشيات صغيرة تعمل داخل نطاق مجتمعات صغيرة محدودة النطاق، مثل فرسان جنزور، الكائنة في ضاحية جنزور بطرابلس.  هذه المجموعات الصغيرة مؤهلة بشكل أكبر لأعمال التأمين والدفاع عن نطاق مجتمعها المحدود، وليس توجيه أو المشاركة في هجوم كبير. أيضا، بدأ كثير منها في دعم حكومة الوفاق الوطني الجديدة، أو على الأقل الوقوف على الحياد في المعركة بينها وبين الحكومة الإسلامية في طرابلس.

 

   فقط الميليشيات المتشددة، مثل تلك الموالية مباشرة لصلاح البادي، لا تزال تؤيد المؤتمر الوطني العام. بل إن أطرافا داخل المؤتمر الوطني العام سحبوا تأييدهم لرئيس وزراؤه. وأعلن ثاني أكبر حزب داخل المؤتمر، حزب العدالة والبناء التابع لإخوان ليبيا، تأييده لحكومة الوطني.

 

 وفي الخامس من إبريل الجارى، انقسمت حكومة طرابلس على قرار تأييد حكومة الوفاق الوطني المدعومة دوليا، والتي وصلت طرابلس الأسبوع الماضي. وكان 70 من أعضاء المؤتمر الوطني العام،  في الخامس من إبريل، قد وافقوا على تعديل الدستور الليبي بحيث يمكن الموافقة على خطة السلام التي ضعتها الأمم المتحدة. على الفور، قدم هؤلاء النواب استقالتهم وسحبوا تأييدهم للمؤتمر الوطني العام.

 

بعدها، أعلن رئيس المؤتمر الوطني نوري أبو سهمين، ورئيس الوزراء خليفة الغويل، سحبهما قرار تسليم السلطة إلى حكومة الوفاق الوطني، ودعا رئيس الوزراء الحكومة إلى العودة لممارسة مهامها مرة أخرى. والواقع، أن مركز رئيس المؤتمر ورئيس الوزراء قد تقوضا بشكل كبير بعد صعود حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة، خاصة بعد أن أعلنت العديد من الميليشيات في غرب ليبيا عن تأييدها لرئيس وزراء حكومة الوفاق، فايز السراج. وفي بلد، يرتبط فيه النفوذ السياسي بوجود ظهير مادي قوي، فإن خسارة ولاء الميليشيات يعتبر ضربة ثقيلة لكلا الرجلين.

 

وضع حكومة الوفاق الوطني

على الرغم من أن حكومة الوفاق الوطني تجتذب كل يوم المزيد من النفوذ في غرب وجنوب البلاد، فإن تأثيرها على الشرق لا يكاد يذكر. في الرابع من إبريل، فشل مجلس النواب الكائن في طبرق مرة أخرى في الوصول إلى النصاب القانوني لتبني حكومة الوحدة. حسب الاتفاق السياسي الأصلي الذي أوجد حكومة الوفاق الوطني، فإنه لم يكن من المفترض تشكيل الحكومة حتى يُصدِق عليها مجلس النواب المعترف به دوليا آنذاك. إلا أن محاولات الحصول على موافقة الحكومة الكائنة في طبرق أحبطها أنصار اللواء خليفة حفتر، الساعي لبسط نفوذه بشكل أكبر على حكومة الوفاق الوطني.

 

 مع ذلك، قررت حكومة الوفاق الوطني وداعموها من الغرب القفز على خطوة تصديق مجلس النواب، وبدأت حكومة الوفاق بالفعل تنفيذ مهامها. ولكن مسار بسط السيطرة الكاملة على البلاد سيكون طويلا وصعبا، خاصة مع تنامي تأثير حفتر على الجيش الوطني الليبي. كذلك، سيحاول المؤتمر الوطني العام استغلال تعثر مجلس النواب في طبرق من أجل تعزيز دوره ونفوذه في الحكومة الجديدة. بموجب الاتفاق الذي تشكلت على أساسه حكومة الوفاق الوطني، فإن مجلس النواب في طبرق سيكون هو الكيان التشريعي الرئيسي للحكومة وسيصبح المؤتمر الوطني العام مجلسا للدولة – ذو دور استشاري أكثر منه تشريعي.

 

الآن، شكل الفصيل المستقيل من المؤتمر الوطني العام مجلسا للدولة، وسيحاول على الأرجح الضغط بهدف الحصول على مهام وصلاحيات أكبر في وقت لا تزال فيه حكومات ليبيا منقسمة على نفسها.  

 

   لا يزال أمام حكومة الوفاق الوطني الكثير لتفعله قبل أن تبسط سيطرتها بشكل كامل على ليبيا. تحديدا، سيكون عليها تشديد قبضتها على كافة المؤسسات الوطنية عبر أنحاء البلاد. وقد بدأت بالفعل دعوة السراج مؤسسات الدولة الرئيسية إلى التعاون معه( ومنها شركة النفط الوطنية، والبنك المركزي) تؤتي أُكلها... فقد أصدر البنك المركزي الليبي بالفعل أمرا إلى مكاتبه الإقليمية بالالتزام بدعوة السراج إلى تجميد الجزء الأكبر من الحسابات المصرفية العامة.  

 

 من جهة أخرى، فإن هذا التأييد من جانب البنك المركزي وشركة النفط بشكل خاص، يمثل مشكلة من نوع آخر لحكومة الوفاق الوطني. فهذه المؤسسات تشكلت بموجب قرارات من مجلس النواب في طبرق. ورغم اعتراف المجتمع الدولي بالحكومة في طبرق، فإنه رفض الاعتراف بالمؤسسات التي أنشاتها الحكومة في شرق ليبيا، وعلى رأسها شركة النفط الوطنية، البنك المركزي، وهيئة الاستثمار الليبية. في المقابل، استمر الفاعلون الدوليون في تأييدهم للمؤسسات الموازية التي كانت قائمة قبل الحرب، حتى مع معارضة هؤلاء الفاعلون لحكومة طرابلس.

 

الآن سيكون على حكومة السراج توحيد المؤسسات الكائنة في طرابلس وطبرق. ودخل السراج بالفعل في مفاوضات مع بعض المؤسسات المتمركزة في شرق ليبيا للبدء رسميا في دمج المؤسستين الماليتين والنفطيتين. وسيكون على حكومة الوحدة العثور على طريقة للسيطرة على المؤسسات الأقدم، المعترف بها دوليا لأن مجلس الأمن الدولي جعل هذا شرطا مسبقا قبل رفع العقوبات عن ليبيا. تلك العقوبات التي جمدت الأصول الاقتصادية للبلاد: 85% من الأصول التابعة لهيئة الاستثمار الليبية والتي تبلغ قيمتها 67بليون دولار تم تجميدها، الأمر الذي يعوق قدرة الدولة على تقديم خدمات لمواطنيها.

 

الحاجة إلى دعم عسكري

   ربما الأكثر من دمج مؤسسات مثل البنك المركزى وشركة النفط التابعة للدولة، تحتاج حكومة الوفاق الوطني بشكل عاجل إلى حشد دعم عشكري واسع وشامل لضمان بسط سيطرتها على البلاد. كثير من المعارضة للحكومة تأتي من أنصار اللواء خليفة حفتر، الذي يقود الجيش الوطني الليبي وحمى حكومة طبرق طوال العامين الماضيين. يرى حفتر أن الترتيبات التي تمت بوساطة الأمم المتحدة تمثل تهديدا لسلطته، ويعرقل حلفاؤه تصديق مجلس النواب على حكومة الوفاق. كثافة ثقل ونفوذ حفتر في ليبيا تعني أن حكومة الوحدة بحاجة إلى دعمه، ولكن حفتر نفسه شخصية ينقسم الناس حولها. فبينما أهلته توجهاته القومية إلى الحصول على دعم شرق ليبيا، يعارضه الإسلاميون في الغرب بسبب هذه التوجهات نفسها.

 

والأرجح أن سلطة السراج على الجناح الشرقي من الجيش الوطني الليبي ستظل ضعيفة. لقد استطاعت الهجمات التي قادها حفتر إحراز تقدم في تطهير جيوب للقاعدة، المؤتمر الوطني العام – وجماعات موالية لداعش في بنغازي وتقدمت باتجاه الجنوب نحو أجدابية.

 

في الوقت نفسه، فإن أكثر ما يمكن أن تفعله حكومة الوفاق الوطني هو طلب المزيد من التمويل الغربي لوزارة الدفاع وكتائب مصراتة التي تقودها الآن. هناك تقارير بالفعل تشير إلى أن تلك القوات تخطط لهجوم لاستعادة سرت من داعش، ولكن كي تحقق هذا ستحتاج حكومة الوفاق حفتر للمشاركة في هجوم شامل ومنسق من الشرق.

 

 تسلط معارضة حفتر الضوء على الضعف الجوهري للحكومة الجديدة. حتى الآن، يبدو أنها تحظى بدعم واسع نسبيا. ولكن ذلك الدعم معلق على مصلحة واحدة مشتركة: مكافحة داعش. تضم قاعدة تأييد الحكومة قوميين، فيدراليين، إسلاميين ومناهضين للإسلاميين؛ كثير منهم لديه مشكلات ومظالم تجاه بعضهم البعض، ولكنهم نحوها جانبا بشكل مؤقت. في النهاية، سيبدأ الزخم الذي سمح بتشكيل السراج وحكومة الوفاق الوطني لتحالفاتهم في التلاشي. على الرغم من أن هذا قد لا يحدث قبل تحقيق تقدما كبيرا ضد داعش، لكن تظل الحقيقة: أن حكومة الوحدة موحدة اسما فقط. وفي وقت ما، مثلما حدث لفجر ليبيا، سيتفكك هذا التحالف أيضا.