المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

فى مواجهة تطورات إقليمية ضاغطة.. هل ستنجح حماس فى توظيف ورقة الأسرى؟

الخميس , 13 يوليو 2017 - 02:00 مساءٍ

كتائب عز الدين القسام
كتائب عز الدين القسام

في الظاهر، ومن حيث الشكل، لا يبدو أن هناك رابط  بين الكشف عن عودة النشاط لحوارات الدوحة بشأن المصالحة بين فتح وحماس من جهة، وإعلان كتائب عز الدين القسام، الذراع العسكري لحركة حماس عن وجود أربعة أسرى إسرائيليين في قبضتها من جهة ثانية... لكن "التنقيب" في المنعطف الذي تمر به حركة حماس في هذه المرحلة، يكشف عمق الرابط بين الحدثين.

 

 حماس في مأزق شديد، فقد خابت رهاناتها الإقليمية الواحد تلو الآخر ... علاقاتها مع حلفائها القدامى (طهران، دمشق، والضاحية الجنوبية فى بيروت) لم تستعد عافيتها بعد، وليس من المنتظر أن تنجح الحركة في استعادتها... صعود جماعة الإخوان المسلمين إلى منصات الحكم في بضع دول عربية، أعقبه هبوط حاد وغير آمن من قمة السلطة، تحديداً في مصر ... حليفاتها الأبرز إقليمياً، قطر وتركيا، تواجهان انحساراً شديداً في أدوارهما الإقليمية، ولديهما من المشكلات والأولويات، ما يجعل علاقة أي منهما مع حماس، مجرد تفصيل، لا يحظى بما سبق أن حظي به من اهتمام.

باختصار، تبدو خيارات " حماس" صعبة ومحدودة ...

 

* أجواء إقليمية ضاغطة:

فمن ناحية، إعادة ترميم العلاقة مع مصر، لحل معضلة المعبر الوحيد الذي يربط القطاع مع العالم الخارجي، مشروطة بالمصالحة مع السلطة الفلسطينية، وكذلك باستحقاقات لم توفها حماس بعد.... صحيح أن زيارة وفد "حماس" للقاهرة، فى مارس الماضى، ومحادثات هذا الوفد مع المسئوليين فى المخابرات المصرية، أبعدت كثيرا احتمال سعي القاهرة أو غيرها لاعتبار الحركة حركة إرهابية، كما سبق وفعلت السعودية تجاه حزب الله اللبناني، لكن ما لم تقم الحركة بإعلان الحرب على الإرهاب، والمقصود بالطبع جماعات وأفراد تتواصل مع " أنصار بيت المقدس" وتقدم له يد العون، على أي مستوى، فإن القاهرة ستظل تغلق الأبواب والنوافذ بوجه حماس.

 

ومن ناحية أخرى، فإن ”الوساطة التركية” بين حماس وإسرائيل في قضية الميناء العائم، تصطدم بعوائق كبيرة، منها أن تركيا بزعامة أردوغان، تتحول من " تجربة / أنموذج"، إلى ما يشبه "الدولة المارقة"... ومنها أن إسرائيل نجحت في إخراج "الملف الفلسطيني" من جدول أعمال المصالحة التركية – الإسرائيلية... وثمة مؤشرات على أن أنقرة، حليف حماس والإخوان الإقليمي الأبرز، بصدد "التراجع" عن شرطها الثالث للتطبيع مع إسرائيل: رفع الحصار عن غزة، مكتفية بالشرطين الأولين: الاعتذار وتعويضات عوائل ضحايا "مافي مرمرة"..... ومنها أن أي دور لتركيا في قطاع غزة، سيواجه حكتماً بموقف مصري معارض ومتحفظ، وسيقضي على الأمل، بتطبيع العلاقات بين حماس والقاهرة. ناهيك عن أن أي اقتراب "فوق العادة" مع أنقرة، قد يغضب القاهرة، خصوصاً إنْ استجابت تل أبيب لرغبات أردوغان، في "لعب دور ما" في قطاع غزة.
وهنا، إسرائيل ليست بوارد التفريط أو المقامرة بعلاقاتها مع مصر، لا سيما في هذه المرحلة، التي تشهد تطوراً ملحوظاً، يتجسد في التنسيق الأمني والاستراتيجي، في الحرب على الإرهاب في صحراء سيناء.

 

ومن ناحية ثالثة، لقد حاولت حماس، أن تتفادى دفع ثمن التحولات الإقليمية العاصفة عقب سقوط نظام الإخوان فى مصر، من خلال الرهان، لأطول فترة ممكنة، على"الانقلاب"  الذى حدث ( من وجهة نظر البعض) في المزاج السياسي السعودي المصاحب لـ "عاصفة الحزم" على اليمن( حيث اقتربت المملكة كثيرا من كلا من أنقرة والدوحة) إلى أن تبين لها، أن استثمار هذا "الانقلاب" المفترض، وصرف نتائجه حمساويا، يبدو احتمالاً بعيداً، فلا الرياض نجحت في إقناع القاهرة بالمصالحة مع أنقرة والدوحة (والإخوان استتباعاً)، ولا هي المنهمكة في حروب الإقليم ونزاعاته، بوارد إيلاء اهتمام رئيسى بالملف الفلسطيني بمختلف تشعباته.

 

بل والآن، بعد أكثر من عام على "عاصفة الحزم" ... وعلى الرغم من استمرار التقارب والتعاون " السعودى – التركى" فى الملف السورى، بالتزامن مع استمرار القاهرة فى مواقفها التقليدية من ذات الأزمة، والتى لا تنسجم مع " الخط السعودى"، يبدو واضحا أن التحالف الاستراتيجي بين " الرياض – القاهرة"  الذي خط البلدان أوراقه قبل أشهر بات حقيقة ملموسة، يصعب بعدها التفكير بضرب أوتار العلاقة الوثيقة بين الرياض والقاهرة.

 

وأن القيادة التركية التي عملت بجدية لتعزيز علاقاتها مع السعودية، وسعت جاهدة لتوسيع الفجوة بين القاهرة والرياض، لن يكون أمامها من خيار سوى القبول بالأمر الواقع، وعنوانه؛ الرياض لن تغامر بخسارة مصر مقابل تركيا. وربما في مرحلة لاحقة قد تضطر القيادة التركية إلى التخفيف من حدة الأزمة مع القاهرة، إذا ما رغبت في كسب ود السعوديين.
فى ذات السياق، تغدو قضية الإخوان المسلمين تفصيلا صغيرا لايجدر التوقف عنده... فالمملكة
قد تكتفي بعلاقاتها المستعادة مع "التجمع اليمني للإصلاح" في سياق الحرب على الحوثيين، ويمكن لها أن تبقي "الجماعة الأم"، نهباً للترك والنسيان، هكذا تتصرف الدول حين يتصل الأمر بأهم مصالحها، خاصة وأن السعودية، لا يمكن وصف علاقاتها بالإخوان على أنها " زواج كاثوليكي"... فالأمر، فى أفضل حالاته، لا يتعدى مجرد "زواج المتعة"، غير المدجج بشروط والتزامات ثقيلة، و"الفكاك" منه، لا يندرج في عداد "أبغض الحلال" ... الأمر الذي يتيح للمملكة، فى الحاصل الأخير، إمكانية القفز عن الجماعة، في علاقاتها مع الدول المذكورة.
باختصار، التقارب بين أطراف المربع: " المصري – السعودي" من ناحية. و"التركي – الإسرائيلي" من ناحية أخرى، يعني شيئاً واحداً بالنسبة لحماس والإخوان: انكماش هوامش المناورة وحرية الحركة.

 

* محاولات توظيف "ورقة الأسرى" :  

فى ظل كل تلك المعطيات والتطورات، وفى ظل سياق واسع كهذا السياق الإقليمى المعقد بحساباته وتبدل تحالفاته، تبدو، بالحسابات الفلسطينية – والمنطقية أيضا -  المصالحة بين " حماس" والسلطة الفلسطينية فى رام الله، بوصفها "ملاذاّ أخيراً"، أو "ممراً إجبارياً" للخروج من مأزق قطاع غزة. مع ما يعنية ذلك من أنه سيتعين على حماس أن تتجرع بعضاً من "مطالب" و"شروط" الطرف الآخر، التي لطالما ترددت في الأخذ بها، سيما في مرحلة صعود الإخوان في الإقليم ...

 

عند هذه النقطة بالذات، يأتي الكشف عن قيام كتائب القسام بأسر أربعة جنود إسرائيليين، لا نعرف بعد إن كانوا أحياء أم قتلى، جثثاً كاملة أم أشلاء( فالكتائب تصر على قبض الثمن قبل البوح بما لديها من معلومات، وهذا من حقها تفاوضياً )... فالحركة في هذا التوقيت بالذات، تبدو بأمس الحاجة لكل ما يمكن أن يرمم صورتها ويعزز مكانتها، سواء لدى الرأي العام الفلسطيني، التوّاق لحل ملف الأسرى، أو على الساحتين الإقليمية والدولية، وإلا كيف يمكن تفسير صمت الكتائب/ الحركة، عن قضية الجنود الأربعة، طوال عامين كاملين تقريباً، وإقدامهما في هذا التوقيت بالذات، على الكشف عمّا بحوزتهما من أسرى وأسرار؟!

 

هنا يبدو واضحا أن الحركة غير جاهزة للإيفاء بمتطلبات عملية المصالحة، ولهذا تحاول أن تباشر استراتيجية مزدوجه، تبقى من خلالها الباب مواربا أمام "عملية المصالحة" كمسار احتياطى، فى حال فشل رهانها الأساسي، المتمثل فى محاولة توظيف " ورقة الأسرى" سياسيا، سواء على الصعيد المحلى فى الساحة الفلسطينية، أو على الصعيد الإقليمى من خلال توظيف الوساطة المصرية ( القادمة) فى ترميم علاقة الحركة مع القاهرة … والملاحظ هنا أن حماس تستفيد من إطالة فترة الحوار مع فتح، إلى أن يتم انضاج "الصفقة" المفترضة مع إسرائيل.

 

لكل ذلك، تبقى "حماس" مثل لاعب السيرك السياسي، الذى يحاول عبثا التوفيق بين المتناقضات، والإبقاء على كل الأبواب مفتوحة ومواربة في نفس الوقت، في انتظار لحظة أخرى؟!