المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

خارطة البلدان الأكثر والأقل تأثرا بتسريبات بنما

الخميس , 13 يوليو 2017 - 02:04 مساءٍ

تسريبات بنما
تسريبات بنما

   تمثل أوراق بنما مستودعا معلوماتيا هو الأكبر من نوعه على الإطلاق حول معاملات مالية لمئات من الشخصيات الثرية والنخب حول العالم. يعود تاريخ بعض هذه الأوراق إلى 40 عاما مضت. وكان للتمويلات الحكومية الأمريكية والملياردير الأمريكي جورج سوروس دورا رئيسيا في الكشف عنها. فحسبما نشرت مصادر غربية، قام مجموعة من الصحفيين التابعين للشبكة الدولية للصحافة الاستقصائية – الممولة من مؤسسة الدعم الأمريكية USAID وجورج سوروس، بفحص ودراسة أكثر من 11.5 مليون وثيقة كشف عنها مصدر غير معلوم من داخل مؤسسة “موساك فونيسكا" للمحاماة في بنما – وتعد بنما واحة كبيرة للثروات عبر البحار – عن هذه الأوراق التي تقدم تفاصيل تخص أكثر من 214 ألف شركة ومؤسسة  هدفها التهرب الضريبي، مرتبطة بأكثر من مائتي دولة حول العالم.

 

   يبدو أن المعلومات التي تم الكشف عنها هي مجرد قمة جبل الثلج. فما نُشِر عن الأوراق هو مجرد النتائج الأولية للدراسة حسبما يقول الصحفيون. إلا أن توقيت النشر، والانتقائية الشديدة في العرض والتحليل، تثير الشكوك حول مدى نزاهة وشفافية العرض، وربما تثير أيضا شكوكا حول مصداقية الأوراق في وقت لاحق. على سبيل المثال، على الرغم من أن الأوراق تضم أكثر من 3 آلاف شخصية اعتبارية وطبيعية تعيش في الولايات المتحدة (بعضها على الأقل له صلات بشخصيات نافذة على الساحة الأمريكية) وأكثر من 9 آلاف شخصية اعتبارية وطبيعية تعيش في بريطانيا، فقد ركزت التغطية الصحفية المكثفة للقضية على شخصيات بعينها. وكان لافتا أن الصحفيين الثمانين – من بلدان مختلفة – ممن قاموا بالكشف عن الأوراق، قاموا بنشر تغطياتهم الصحفية عن أوراق بنما بصيغ تكاد تكون واحدة. وركزوا على ذكر اسم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتن، في العناوين الرئيسية. ورغم أن والد رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، على سبيل المثال يعد من بين أبرز من ذُكروا ضمن تسريبات بنما بوصفه شريكا في شركات في ملاذات ضريبية وضالعا في نقل أمواله لغرض التهرب من دفع الضرائب في وطنه، فلم تأت صحيفة "الجارديان" البريطانية المحسوبة على اليسار على ذكر رئيس الوزراء أو والده. وركزت في المقابل على توجيه أصابع الاتهام للرئيس الروسي. وحذت حذوها صحفا غربية وأمريكية عديدة.

 

    ورغم أن اسم الرئيس بوتن لم يُذكر ضمن الأوراق على الإطلاق. فقد قامت معظم وسائل الإعلام الغربية بالربط بينه وبين سلسلة طويلة من المعاملات السرية، تشمل حسابا ب 2 بليون دولار. الأمر الذي دفع المتحدث باسم الرئاسة الروسية إلى وصف ما حدث بأنه حملة إعلامية ترمي إلى تشويه سمعة الرئيس بوتن. وتأتي ضمن حملة "بوتن فوبيا" الغربية ضد الرئيس. وأنها محاولة من الغرب للاصطياد في الماء العكر بعد أن أظهرت روسيا نواياها الطيبة بسحب قواتها من سوريا.

 

      ليس الرئيس الروسي فحسب من طالته أسهم الاتهامات. فقد كشفت الأوراق أيضا عن ثروة ضخمة للرئيس الأوكراني بيترو بوروشينكو في جزر فيرجين البريطانية. واجه رئيس وزراء أيسلاندا، سيجموندور ديفيد جونلوجسون، ضغطا كبيرا أفضى إلى استقالته بعض تعثره في تفسير تعاملاته مع شركة مشبوهة في وقت تعاني فيه أيسلاندا من انهيار اقتصادي. أيضا، هناك العديد من الشخصيات البارزة في الشرق الأوسط وإفريقيا على القائمة، بالإضافة إلى أعضاء في المكتب السياسي الصيني، والرئيس الأرجنتيني، موريشيو مارسي.

 

   ولكن ليس كل ما تكشف عنه أوراق بنما مؤثر بحد ذاته. مثلا؛ تعد ملكية حسابات مصرفية في ملاذات صيبية في جزر فيرجين أو بنما أو جزر الباهاما، أمر غير مشروع في حد ذاته. ولكنها أيضا تجنب الأكثر ثراء دفع المزيد من الضرائب وتبقي أموالهم بعيدا عن أعين المتطفلين. بالتأكيد، يشعر قادة دوليون بالحرج بعد أن بات العالم يعلم كم الأموال التي أخفوها بعيدا عن الضرائب. ولكن ربما يكون هذا هو أول وآخر التداعيات. على سبيل المثال، لم تكن ثروة الرئيس الأرجنتيني أمرا سريا. فقبل أي شئ آخر، كان الرئيس مارسي يوما رئيسا لنادي كرة القدم الأرجنتيني، "بوكا جونيوزر". وربما أيضا يتم التغاضي عن احتفاظه بأمواله خارج البلاد، نظرا للإدارة الصارمة والتقييدية التي سبقت صعوده إلى سدة الرئاسة في نوفمبر الماضي. إذا ما أصبح مجرد احتفاظه بثروة في الخارج هو محور الاهتمام بنشاطات مارسي المالية، فربما يتجنب الفضيحة نسبيا.

 

   في حالات أخرى، أبرزها تلك التي تشمل زعماء سابقين في الاتحاد السوفيتي، وزعماء من إفريقيا والشرق الأوسط، ربما لا يكون لها سوى تأثير قليل للغاية. والسبب يعود إلى أن بعض هؤلاء الزعماء يحكمون قبضتهم على السلطة، يقيدون مؤسسات المجتمع المدني التي قد تتآمر للإطاحة بهم على خلفية جرائم ارتكبوها. إلى حد كبير، تم إسكات رد الفعل في الغرب باستثناء أيسلاندا. ثم مرة أخرى، أيسلاندا ليست بالفاعل صاحب النفوذ العالمي الكبير.

 

   ولكن سيكون هناك تداعيات، ربما تبدو أكيدة. في بلدان يتشكك مواطنيها أن النخبة تختلس أموالا ولكن لا يمكنهم تقديم ما يثبت ذاك، أصبح الدليل الآن متاحا. في الصين، يجري بالفعل التحقيق في قضية فساد، تهدف جزئيا إلى استئصال عدد من أعضاء الحزب ممن خبأوا مبالغ كبيرة في الخارج. أية معلومات جديدة تظهر من خلال أوراق بنما ربما تسدي خدمة للرئيس "شي جين بينج" خدمة بفضح غير المرغوب فيهم. في الوقت نفسه قد تؤثر التسريبات على أعضاء الحزب أو آخرين ذوي هويات ربما يفضل الرئيس إخفاءها. على سبيل المثال، زوج أخت الرئيس شي بين أولئك المذكورين ضمن الأوراق. باختصار، ربما تخسر شخصيات رفيعة المستوى وظائفها، وفي الواقع حريتها، على خلفية هذه التسريبات.

 

أولا: منطقة الاتحاد السوفيتي سابقا

   أثار نشر أوراق بنما فضائح مالية لزعماء ونخب من خمس دول من بلدان الاتحاد السوفيتي سابقا. في أوكرانيا، روسيا، كازاخستان، جورجيا وأذربيجان، واتُهِمَ سياسيون – أو أفراد عائلاتهم أو أصدقائهم – بالاتباط بحسابات مالية خارجية أو فساد.

  1. أذربيجان: ينحدر الرئيس الحالي لأذربيجان إلهام علييف، نجل الرئيس الثالث لأذربيجان، وزوجته من أسر ذات نفوذ وصلات مالية ممتدة في الداخل والخارج. الآن، بات العديد من أعضاء أسرة الرئيس، ومنهم زوجته، أبناءه وشقيقته، مرتبطون بشركات وهمية للتهرب من الضرائب، بموجب ما كشفت عنه الأوراق.  

ومع ذلك، لا يُنتظر أن تُحدِث هذه التسريبات الكثير في أذربيجان. فالمعارضة السياسية أضعف كثيرا من تحدي علييف وعائلته، وبدأت وسائل الإعلام الأذربيجانية بالفعل في وصم الاتهامات بكونها مجرد دعاية غربية. بالنظر إلى الأوضاع الاقتصادية السيئة للبلاد، فقد تشعل الفضيحة احتجاجات، ولكن بإمكان "باكو" أن تحبطها سريعا.

  1. جورجيا: تضمنت أوراق بنما كذلك تعاملات مالية خارجية لرئيس الوزراء الجورجي السابق، "بيدزينا إيفانيشفيلي". ترددت اتهامات بالفساد حول إيفانشفيلي حتى قبل أن يدخل المعترك السياسي في 2011. ولكنها تمركزت في معظمها حول نشاطاته في روسيا.

احتفظ إيفانشفيلي بقوته في جورجيا خلال السنوات الأربع الماضية. واستطاع زرع أتباع له في المناصب العليا في البلاد. إلا أن تحالف "الحلم الجورجي" الذي يقوده، لم يحصل إلا على أغلبية بفارق ضعيف في المجلس التشريعي الجورجي. وسيكون لهذه الاتهامات آثارا أكبر في الانتخابات البرلمانية المقررة نهاية هذا العام. على الرغم من تجاهل معظم سكان جورجيا الأخبار إلى حد كبير، ستغذي أوراق بنما الخطاب السياسي المعارض. الأكثر من ذلك، إذا ما جذبت الأوراق مزيدا من اهتمام الناس، فقد تقوض الفضيحة نفوذ إيفانشيفيلي في وقت يعاني فيه ائتلافه الحاكم من التمزق بالفعل.

  1. كازاخستان: تعتبر مزاعم الفساد، تحديدا تلك التي تخص الرئيس نور سلطان نزارباييف وعائلته وأصدقائه، ظاهرة ثابتة ومنتشرة في كازاخستان. ولكن لأن البلاد على حافة ركود اقتصادي وانتقال للسلطة، فقد يكون للاتهامات الجديدة أثرا أكبر من المعتاد.

حفيد نزارباييف، نور علي علييف، متهم بالاتباط بحسابات خارجية. قبل أسبوعين فقط من تاريخ نشر أوراق بنما، تنازل علييف عن منصبه كنائب عمدة "أستانا"، الأمر الذي أثار تكهنات لوسائل إعلام كازاخية حول دوافع استقالته. لطالما اعتُبِر علييف خليفة محتمل للرئاسة، على الرغم من كونه صغيرا جدا على توليه هذا المنصب.

من جهة أخرى، تعد فرص والدته، داريغا، لخلافة والدها أكبر. وهي بالفعل من بين الشخصيات الأقوى على الساحة السياسية الكازاخية. بعد الانتخابات البرلمانية في ال 20 من مارس، لم تتولى داريغا -على غير المتوقع - أية منصبا داخل المجلس التشريعي الكازاخي. أدى هذا إلى التكهن بأنها ربما تتطلع للحصول على موقع أشد تأثيرا قبل أن تشرع في مسار خلافة الرئيس رسميا. ومع بدء الصراع على السلطة في كازاخستان، قد تستخدم النخب السياسية على الجانب الآخر اتهامات الفساد التي قدمتها أوراق بنما ضد علييف أو والدته.

  1. روسيا: في روسيا، كانت الاتهامات الأكثر إثارة للصخب من نصيب الرئيس فلاديمير بوتن. على الرغم من أن اسم الرئيس لم يظهر في أيا من الوثائق البالغ عددها 11.5 مليون وثيقة، فقد ظهرت أسماء ثلاثة من أقرب أصدقائه- سيرجي رولدوجين، أركادي روتنبرح وبوريس روتنبرج-.

كونهم عملوا طويلا كوسطاء لأعمال بوتن، لم يكن ظهور اسم الأخوان روتنبرج في أوراق بنما مفاجئا، بل ربما كان مقصودا. من بين النخبة الروسية، الأخوان روتنبرج ليسا من صناع قرار. ومع ذلك، فإنهما يعتبران من بين أكبر الموالين لبوتن وأرفعهم شأنا، الأمر الذي أهلهم لتحمل مسؤولية الشؤون المالية لبوتن. أيضا، رولدوجين، عازف التشيللو، لا ينتمي إلى الحقل السياسي الروسي. ولكنه أيضا من بين المقربين لبوتن؛ في الواقع، إنه الأب الروحي لابنة بوتن الكبرى. بعد تسريبات أوراق بنما، بات رولدوجين متهما بتحريك أكثر من 2 بليون دولار لصالح الرئيس.

ربما كان الكرملين يتوقع الحملة الغربية التي سيشنها الغرب ضد بوتن. فقبل أسبوعين تقريبا من نشر الأوراق، حذر المتحدث الرئاسي، ديميتري بيسكوف، الصحفيين من "هجمة معلوماتية" غربية قادمة على بوتن، ولكنها على حد قوله، لن تكون دقيقة ولا حقيقية. في الخامس من إبريل، بعد يومان فقط من نشر الأوراق، مضى بسكوف خطوة أخرى إلى الأمام، ليعتبر أوراق بنما أحد مظاهر ما أسماه ب"فوبيا بوتن". وقال أن ما جاء الصحفيون في أوراقهم لا ينطوي على جديد.

وقال بسكوف أيضا، يضاأأن الأوراق تعتبر محاولة لتقويض روسيا قبل الانتخابات في سبتمبر. عند هذه النقطة، هناك شئ من الصواب. فإدارة بوتن قلقة من احتمال اندلاع احتجاجات بعد الانتخابات، بحجم يضاهي – أو ربما يزيد – على التظاهرات الضخمة التي أعقبت الانتخابات البرلمانية في 2011. كانت مزاعم بفساد الكرملين الدافع الرئيس وراء الاحتجاجات في 2011. قد يضاعف تجدد الاتهامات بالفساد من الشعور الجماهيري بالغضب بسبب ضعف الاقتصاد في روسيا، ليشعل احتجاجات أكبر.

لتقليل مخاطر الاحتجاجات، يحاول الكرملين تحويل أوراق بنما إلى نقطة للحشد. تستمر وسائل إعلام روسية والحكومة أيضا في تسليط الضوء على الأوراق بوصفها هجوما جديدا على البلاد ورئيسها. بعد فرض الغرب لعقوبات على روسيا، استُخدِم خطابا مماثلا بنجاح، مشعلا الروح القومية عبر أنحاء البلاد.

  1. أوكرانيا: من بين جميع بلدان الاتحاد السوفيتي سابقا، ستشهد أوكرانيا ربما التداعيات الأكبر لأوراق بنما، والتي تزعم أن الرئيس "بيترو بوروشينكو" لديه حسابات مالية خارجية. ردا على هذه التسريبات، يطالب سياسيون أوكرانيون بالفعل بإجراء تحقيق حول تمويلات بوروشينكو السرية. رئيس الحزب الراديكالي اندفع بشكل أكبر نحو اتهام الرئيس مباشرة. ولكن مكتب النائب العام الأوكراني قال أن الأوراق لا تحوي أية دلائل على ارتكاب بوروشينكو لجرائم. بدوره، دافع بوروشينكو عن نفسه. في سلسلة من التويتات، وصف الرئيس نفسه بأنه أول زعيم أوكراني يأخذ الفساد على محمل الجد. في الوقت نفسه، تجنب ذكر مسألة إدانته أو اتهامه بموجب ما كشفت عنه الأوراق، زاعما أنه سلم إدارة أصوله وممتلكاته إلى شركة استشارية قبل توليه السلطة.

جاء نشر الأوراق في توقيت غير ملائم لبوروشينكو. فخلال الأسبوع السابق على نشرها، كان الرئيس على وشك عقد تحالف برلماني بين حزبه، والجبهة الشعبية برئاسة رئيس الوزراء أرسيني ياتسينيوك ومجموعة من المشرعين المستقلين. على ضوء الفضيحة، يعتقد فصيل بوروشينكو أن الاتفاق ربما لن يتم. كان بوروشينكو يحشد لتشكيل حكومة جديدة، وهو شرط سابق كي تتلقى أوكرانيا الدفعة المالية التالية من صندوق النقد الدولي وزيادة الدعم المالي المقدم لها من الولايات المتحدة. قد يؤدي ذكر بوروشينكو في أوراق بنما إلى زعزعة الحكومة الهشة بالفعل، وأيضا إضعاف سلطة الرئيس.

ثانيا: أوروبا

  1. فرنسا: في فرنسا، كانت تأثيرات الأوراق في معظمها من نصيب الجبهة الوطنية- حزب يميني حقق بعض النجاحات الانتخابية مؤخرا. وطالت المستشار السابق للحزب، "فريدريك شاتيلون"، الذي اتهم في السابق بتزوير انتخابي في انتخابات 2012. ابتعد حزب الجبهة الوطنية بالفعل عن شاتيلون. ستكون الدلائل التي قدمتها أوراق بنما حاسمة بالفعل إذا ما ارتبطت بزعماء آخرين للحزب، خاصة وأن الحزب يروج لنفسه بوصفه بديلا موثوق فيه بالمقارنة بمؤسسات أخرى نظيرة موصومة بالفساد.
  2. أيسلاندا: كان لأوراق بنما آثار ضخمة في واحدة من البلدان الصغيرة في أوروبا: أيسلاندا. كشفت الأوراق أن رئيس الوزراء، سيجموندور ديفيد جونلوجسون، قام بتحويلات مشبوهة قبل الأزمة العالمية في 2008. خرج الناس إلى الشوارع في احتجاجات، واستقال رئيس الوزراء. (سيقول بعدها أنه فقط تنحي جانبا لأجل غير مسمى). الآن، يبدو تحالفه البرلماني في خطر. قد تأتي انتخابات مبكرة بحزب القراصنة إلى السلطة – حزب ضد المؤسساتية ويبشر حاليا بنظام الديمقراطية المباشرة في أيسلاندا.
  3. المملكة المتحدة: في المملكة المتحدة، تحمل رئيس الوزراء ديفيد كاميرون، العبء الأكبر من الغضب بسبب الأوراق. كان والده من بين الأسماء المذكورة ضمن من لديهم حسابات خارجية، وكان على كاميرون تقديم ما يثبت تسديد ضرائبه قبل رئاسته للوزراء. وهو ما فعله بالفعل. بدأت وسائل الإعلام في التساؤل عن مغزى تحركاته في 2013 والتي بدا أنها تعوق مسار رفع مستوى الشفافية المتعلق بالملاذات الضريبية الآمنة في الخارج. ربما يكون تدخل كاميرون في صالح بريطانيا، إذ يمكن القول أن المملكة المتحدة تعد من أكبر البلدان المستفيدة من فكرة الملاذات الضريبية الآمنة. إذ تضم واحدة من أكبر الملاذات الضريبية "جزر فيرجين". بصرف النظر عن نوايا كاميرون، صب الموضوع المزيد من اللهب داخل بيئة ملتهبة بالفعل محيطة بالاستفتاء حول بقاء بريطانيا ضمن كتلة الاتحاد الأوروبي من عدمه. على الرغم أنه من غير المنتظر أن تؤدي التسريبات الأخيرة إلى الإطاحة بكاميرون، فإن المزيد من التسريبات، وأية تشويه يلحق بسمعة رئيس الوزراء البريطاني ستصيب أيضا حملة كاميرون لبقاء بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي.

ثالثا: أمريكا اللاتينية

  1. الأرجنتين: في الأرجنتين، ربطت أوراق بنما بين الرئيس "موريشيو مارسي" وشركة خارجية في إحدى الملاذات الضريبية. وعلى الرغم من إنكار كونه شريكا في الشركة منذ نشر الأوراق، فقد طالب أحد وكلاء النيابة في الأرجنتين، بالفعل، بفتح تحقيق يخص علاقة مارسي بالشركة. يتوق تحالف النصر المعارض، إلى إبقاء الضوء مسلطا على فضيحة شركة مارسي قبل الانتخابات التشريعية في 2017، وستستخدم المعارضة التحقيق ضد إدارة مارسي.
  2. البرازيل: لدى البرازيل ما يكفيها من اضطرابات سياسية بحيث ربما لن يكون لما كشفت عنه أوراق بنما سوى تأثير طفيف. ربطت التسريبات بين رئيس مجلس النواب "إدواردو كونها" بشركة في وهمية في إحدى الملاذات الضريبية، ولكن "كونها" وسياسيون برازيليون آخرون مرتبطون بفضيحة فساد في شركة الطاقة المملوكة للدولة "بتروبراس". سيكون للتحقيقات المستمرة ضد أعضاء في حزب العمال الحاكم، مثل الرئيس السابق لولا دي سيلفا، ومحاولة جر الرئيس ديلما روسييف نفسه، ربما أثرا سياسيا مباشرا مقارنة بما تكشف عنه أوراق بنما.
  3. جواتيمالا: في جواتيمالا، سيتطلب الكشف عن معلومات عبر الوثائق المسربة تدقيقا أكبر من لجنة التحقيق الحكومية المعروفة باللجنة الدولية ضد الحصانة في جواتيمالا. أعلنت اللجنة المشكلة برعاية الأمم المتحدة أنها ستحقق في الوثائق للكشف عن أدلة. أدت تحقيقات اللجنة فيما سبق إلى إدانة الرئيس السابق، أوتو بيريز مولينو بتهم فساد في 2015، وقد يستدعي ظهور المزيد من الأدلة حول فساد مسؤولين جواتمياليين إجراء المزيد من التحقيقات بواسطة اللجنة الدولية.
  4. فنزويلا: على الأرجح ستكون تأثيرات أوراق بنما عند حدها الأدنى في فنزويلا. لم تظهر أسماء أيا من الشخصيات الأبرز في حزب الاتحاد الشيوعي الحاكم في فنزويلا في التسريبات. سيكون للانسداد السياسي المستمر بين الحكومة والمعارضة، الانقسامات داخل الحزب الحاكم، والتضخم المالي الكبير في البلاد، آثارا مباشرة على المستقبل السياسي أكثر من مزاعم الفساد.   

رابعا: آسيا الباسيفيك

  1. الصين: فرضت العاصمة الصينية "بكين" تعتيما إعلاميا كاملا على أوراق بنما: التغطية الإعلامية الوحيدة حول الموضوع جاءت في النسخة المطبوعة من "جلوبال تايمز" زاعمة أن أوراق بنما هي مجرد طريقة للغرب كي يهاجم أعدائه.

كشفت الأوراق عن حالات لأقرباء ثمان أعضاء حاليين في المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني لهم تعاملات مالية مع "موساك فونيسكا". ومن بينهم زوج أخت الرئيس الصيني "شي جين بينغ" (رغم أن حساباته تم تجميدها قبل تولي الرئيس للسلطة).

ليس من المرجح أن تؤثر الأوراق على المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني. وذلك على الرغم من أن الحملة المناهضة للفساد والمعركة السياسية الكثيفة بعد صعود "شي جين بينع" إلى الرئاسة، تحفز الفصائل على إلقاء القاذورات على بعضها البعض منذ فترة طويلة. ولكن يمكن القول أن كثيرا من الأثر السياسي لهذه التسريبات قد حدث من قبل بالفعل. إلا أن هذه التسريبات ربما تسلط الضوء على بعض المسؤولين الصغار والمتوسطين الذين لم يصبحوا بعد هدفا للتحقيقات المناهضة للفساد.

   وقد أظهرت سلطات إنفاذ القانون الصينية ومكافحة الكسب غير المشروع قدرا كبيرا من المهارة في تعقب تدفق رؤوس الأموال غير المشروع إلى الخارج كجزء من حملات تعقب التهريب المالي، مثل عملية "اصطياد الثعلب" و"عملية سكاي نت"، لتقتلع بنوك سرية صينية وصلت تعاملاتها إلى 100 بليون دولار من إبريل إلى نوفمبر من العام الماضي. على الرغم من هذا، وبغض النظر عن مدى كفاءة أجهزة التحقيق، فقد جلب أعضاء الحزب وعائلاتهم الذين هربوا من الصين معهم مقادير ضخمة من الأموال المختلسة أو الثروات غير المشروعة.

 ستدقق الاستخبارات الصينية وأجهزة مكافحة الفساد في الوثائق لتحديد أهداف جديدة محتملة للتحقيق معها. وبقدر ما ستكشف عنه الأوراق من سبل لإخفاء الثروات، ستتمكن السلطات من إفشال خيارات وسبل غير معروفة حاليا للمتهربين من الضرائب وثرواتهم. الأكثر إثارة هو ما يعلمه الصينيون بالفعل ولم يشيروا إليه أبدا من قبل، سواء بالنظر إلى قذارة مرتكبي هذه الجرائم أو فهم تكتيكاتهم.

خامسا: الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

    بالنظر إلى الهياكل الضريبية المتساهلة في كثير من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فإن نمط التعاملات الموصوفة في أوراق بنما ربما لا تعتبر جرائم. ومع ذلك، في بلدان مثل العراق، الأردن، سوريا ومصر، ربما تغذي الاتهامات ضد سياسيين سابقين بارزين عدم الثقة في المؤسسات السياسية والمالية في بلداننا.

  1. مصر: تشير الأوراق إلى أن "موساك فونيسكا" لم يهتم بقطع صلاته بعلاء مبارك، نجل الرئيس السابق حسني مبارك، بالسرعة اللازمة بعد الثورة المصرية في 2011. بحيث استطاع علاء استخدام الشركة لتمرير أموال إلى شركة في جزر فيرجين البريطانية.
  2. دول الخليج: على الرغم من إشارة صحيفة الجارديان البريطانية إلى تورط الرئيس الإماراتي الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان في تعاملات مع شركات وهمية بقيمة 1.5 مليار دولار لشراء عقارات في العاصمة البريطانية، أشارت مصادر استخباراتية غربية إلى أنه من غير المتوقع أن تُحدِث هذه الأنباء اضطرابا داخل دولة الإمارات، أو تمثل تحديا للحكومة الإماراتية بأي شكل من الأشكال. لأسباب مرتبطة بطبيعة بالتركيبة السياسية للدولة الإماراتية، ومصدر الأموال المستثمرة، والمغزى وراء هذه الاستثمارات.
  3. إيران: كشفت الأوراق أن شركة "موساك فونيسكا" نفذت تعاملات لشركات نفط إيرانية مثل "بيتروبارس" على الرغم من العقوبات الأمريكية المفروضة عليها، وهو الأمر الذي يدين الشركة أكثر مما يدين إيران. الأمر المهم ربما، أن هذا التسريب ربما يقدم المزيد من القرائن على الموقف الغربي المزدوج من النظام الإيراني، في توقيتات سابقة كان السجال الإعلامي والسياسي الإيراني – الغربي على أشده. وصل أحيانا إلى حافة تنفيذ ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية.
  4. العراق: صعد اسم رئيس الوزراء السابق إياد علاوي على السطح بين تسريبات أوراق بنما. ليرتبط اسمه بالعديد من الممتلكات في لندن. وكان علاوي قد غادر السلطة تماما في أغسطس 2015، عندما ألغى رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي منصب نيابة رئاسة الوزراء في محاولة لتهدئة الاحتجاجات في العراق. قد تقوض التسريبات أية محاولة من جانب علاوي للعودة مرة أخرى إلى الحكومة في حالة انهيار حكومة العبادي. وكانت الحكومة المركزية في العراق، قد أُغرِقَت بالفعل بواسطة الاحتجاجات المطالبة بتطهير الحكومة من المسؤولين الفاسدين، على الرغم من أن التغييرات الأخيرة ستؤدي على الأرجح إلى تعميق النفوذ الإيراني في بغداد أكثر من تهدئة الغضب الشعبي.
  5. إسرائيل: في إسرائيل، أثرت الأوراق على بعض أكبر البنوك التي ارتبطت بقضايا فساد من قبل. وظهر اسم "إيدان عوفر"، المساهم الأكبر في "إسرائيل كورب"، أكبر شركة مساهمة خاصة في سوق الأسهم في تل أبيب، في الأوراق.  
  6. فلسطين: كشفت الأوراق أن طارق عباس، نجل الرئيس الفلسطيني محمود عباس، يمتلك حصصا تبلغ قيمتها ما يقرب من مليون دولار في شركة ذات صلة بالسلطة الفلسطينية.
  7. الأردن: كشفت أوراق بنما المسربة، أن وزير الدفاع الأردني السابق، علي أبو الراغب، عمل مديرا لشركة في جزر فيرجينيا البريطانية قبل مغادرته منصبه. ويمتلك شركة أخرى في دولة سيشل. وقال الموقع الإلكتروني لوثائق بنما، إن الوزير الأردني وزوجته أدارا شركة في جزر فيرجين تمتلك حسابا بنكيا ببنك عربي في جنيف بسويسرا، ولكن نشاط الشركة تم تعطيله في أغسطس 2008. وأضاف الموقع: "عمل أبناؤه في إدارة شركات أخرى بعضها امتلك حسابا في بنك عربي للاستثمار في الأردن بينما امتلك أبو الراغب 3 شركات في دولة سيشل حتى ديسمبر 2014".
  8. سوريا: في سوريا، قطعت شركة موساك فونيسكا صلاتها في 2011 مع الأخوان حافظ ورامي مخلوف، ابنا خال الرئيس السوري بشار الأسد، بعد ما يقرب من 15 عاما من استغلال كيانات تهرب ضريبي لاستثمار في شركات اتصالات تابعة للأخوان.

سادسا: منطقة الصحراء الإفريقية

   على الرغم من أن أوراق بنما أتت على ذكر العديد من السياسيين البارزين في بلدان إفريقية أو أشخاص مقربين منهم، فلم يكن للتسريبات أثر كبير على حكومات القارة السمراء. فسلسلة الفساد في كثير من بلدان أفريقيا، ذات التاريخ الحافل بنخب انخرطت بفظاعة في أعمال إثراء ذاتي، أطول من أي موضع آخر من العالم. الأهم، أن كثير ممن ذُكروا في التسريبات إما أنهم لم يعودوا في مناصب رسمية أو مرتبطون بزعماء سابقين. الأكثر من ذلك، أن بعض المذكورين ممن لهم صلات بحكام حاليين ربما استخدموا شركات تهرب ضريبي بمباركة من حكوماتهم.

  1. أنغولا: كان لوزير البترول الأنغولي، جوسي ماريا بوتيلهو دي فاسكونسيلوس، الرئيس السابق لمنظمة الأوبك، مصالح مشتركة وشركة تهرب ضريبي توقف نشاطها عام 2009. ربما يحطم هذا الكشف مكانته في بلده. والأرجح أنه حصل على موافقة ضمنية أو معلنة من النظام قبل انخراطه في هذا العمل.
  2. جمهورية الكونغو: طلب وزير البحث العلمي الحالي ووزير الطاقة السابق، برونو جان ريتشارد إيتوا من شركة "موساك فونيسكا" إنشاء شركة كملاذ ضريبي في جزر فيرجن البريطانية. وكان الوزير قد اتُهِمَ في دعوى قضائية عام 2003 بنهب عائدات نفطية، ولكن القضية حُفِظَت. ويعتبر إيتوا من بين المقربين من الرئيس الكونغولي، دينيس ساسو نجوسو، وبالتالي فمن المنتظر أن تكون الإدانة لإتوا محدودة.
  3. رواندا: ظهر اسم الرئيس السابق للاستخبارات الرواندية، اللواء إيمانويل ناديرو، كمدير لشركة تعتبر ملاذا ضريبيا مملوكة لعسكري سابق من زملاءه. ويعتبر ناديرو من المقربين للرئيس الرواندي بول كاجامي.
  4. جنوب إفريقيا: أظهرت الأوراق أن ابن شقيق الرئيس جاكوب زوما، له صلات بشركة منخرطة في عمليات شراء لحقول نفط في جمهورية الكونغو الديمقراطية. وكان من المعروف عن ابن شقيق الرئيس انخراطه في اتفاقات مشبوهة. وتعود المزاعم ضده إلى قبل خمس سنوات على الأقل. إلا أنه أنكر مرارا هذه الاتهامات.

سابعا: جنوب آسيا:

باكستان

   هناك نحو 500 هندي و مائتي باكستاني على قائمة الأسماء المتورطة بموجب تسريبات بنما، أبرزهم ثلاث من أبناء رئيس الوزراء الباكستاني، نواز شريف. على الرغم من أن شريف نفسه لم يتأثر بالتسريبات، فقد أدلى بخطاب وطني في الخامس من إبريل لتبرأة عائلته وإعلان البدء في تحقيق قضائي في الأمر. ولكن سرعان ما طالب المشرع من المعارضة، عمران خان، من حزب تحريك الإنصاف بأن يسمح رئيس الوزراء لمكتب المحاسبة الوطنية، الذي يقود جهود مكافحة الفساد في باكستان، بتولي التحقيق. ليس من المرجح أن يفضي التسريب إلى استقالة شريف، ولكن أحزاب المعارضة ستستفيد سياسيا على حساب حزب نواز شريف.