المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

نظام للمراقبة على حدودها مع ليبيا.. "تونس" ركيزة للاستراتيجية الأمريكية

الخميس , 13 يوليو 2017 - 04:20 مساءٍ

الحدود التونسية الليبية
الحدود التونسية الليبية

 

يسلط إعلان السفارة الأمريكية لدى تونس، في الخامس والعشرين من مارس الماضى، موافقة الولايات المتحدة على تمويل نظام رقابة إلكتروني على الحدود التونسية - الليبية، بهدف تعزيز الأمن بطول الحدود( بقيمة 24.9 مليون دولار) الضوء على الأهمية النسبية التي توليها الولايات المتحدة لتونس، بوصفها إحدى مرتكزات استراتيجيتها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. في الوقت نفسه، الذي يشير إلى اتجاه تونس نحو حسم موقفها المتردد من تدخل عسكري غربي في ليبيا.

 

في هذا السياق ترى مراكز أبحاث قريبة من دوائر صناعة القرار الأمريكية، أنه إذا كانت الساحة الأوكرانية هي ميدان عمل رئيسي للولايات المتحدة بهدف كبح التقدم الروسي في آسيا وأوروبا، فإن دعم تجربة تونس حتى تصل إلى الاستقرار كفيل بمواجهة تهديدات تفرضها تنظيمات إرهابية مثل داعش في منطقة شمال إفريقيا، ربما أكثر من أية حملة عسكرية في سوريا وغيرها.

 

فأثناء الحرب الباردة، أدرك خبراء استراتيجية أمريكان أن دعم الحلفاء وضمان حيوية ديمقراطيات السوق المفتوحة، يعتبر على ذات القدر من أهمية الوقوف في مواجهة الاستفزازات العسكرية. ولهذا عمل رؤساء أمريكان ( من ترومان وحتى ريجان ) على توحيد أوروبا ودفع دول حديثة الاستقلال في أوروبا، آسيا، إفريقيا وأمريكا اللاتينية باتجاه تبني النموذج الأمريكي الديمقراطي للحكم ونظام السوق المفتوحة في المجال الاقتصادي. وساهم نجاح هذه الدول في إجراء مثل هذا التحول في انهيار الساتر الحديدي وفق الرغبة الأمريكية.

 

اليوم، حسب وجهة النظر الأمريكية، هناك حاجة إلى استعادة بعض ملامح هذا المنهج. في وقت لا يزال نجاح أوكرانيا وتونس ممكنا وقد يصبح مستحيلا بعد وقت قصير. فالتبعات الاستراتيجية والأخلاقية لإخفاق تونس أو انهيارها ستكون تراجيدية ليس فقط بالنسبة للتوانسة. حسب الرؤية الأمريكية، سيكون فشل التجربة التونسية في التوافق على الانتقال السلمي ومحاصصة الحكم بين أطراف سياسية رئيسية، نجاحا لا نظير له لداعش وحركات متطرفة أخرى – لديها قواعد ضخمة بالفعل داخل تونس – وأيضا ستكون ضربة لكل أولئك الذين يرغبون في تأسيس حكومات أكثر ديمقراطية في المنطقة.

 

وقد حددت الاستراتيجية الأمريكية مجالات الدعم الأمريكي إلى تونس في الآتي:

  1. دعم مالي لتعزيز اقتصاد تونس المتعثر.
  2. دعم أمني بهدف مساعدة قوات الأمن النظامية على التصدي للهجمات عبر الحدود.
  3. دعم حكومي، تحديدا لمكافحة الفساد.
  4. دعم تعليمي وثقافي في صورة منح وبرامج تبادل طلابي.

 

 

في المقابل، تدرك تونس أن زيادة التعاون بينها وبين واشنطن، مقابل زيادة الممنوح لها اقتصاديا وأمنيا يفرض عليها اتخاذ قرارات لاتزال غير محسومة.  ويعود التردد التونسي بين قبول الدعم الأمريكي المشروط بالالتزام بمسار سياسي محدد وتقديم الدعم والإسناد اللازمان لتوجيه ضربات عسكرية ضد أهداف داعش في ليبيا، في جزء كبير منه، إلى تخوفات تونسية من سيناريوهين أحلاهما مر. فإذا ما قبلت تونس بالتدخل العسكري، وساندت واشنطن على الصعيد العملياتي فإنها تخشى تكرار ما حدث في سوريا على سبيل المثال.  حيث ستتوسع الظاهرة وتتغلغل أكثر داخل ليبيا وهو ما يجعلها أقدر على الانتشار أكثر إلى تونس. أما إذا رفضت التدخل العسكري فإن النتيجة قد لا تتغير خاصة وأن تأسيس الوحدة الوطنية بين الليبيين لا تزال هدفا بعيد الاحتمال رغم المؤشرات الإيجابية التي طفت على السطح مؤخرا، بتشكيل حكومة التوافق الوطني برئاسة فايز السراج وعودتها إلى طرابلس في التاسع والعشرين من مارس الماضى.  

 

الموقف التونسي من التدخل العسكري يتراوح ما بين الرفض الكامل لأي شكل من أشكال التدخل ويتزعمه رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، الذي قال أن حركته "ضد أي تدخل مسلح في ليبيا "، كما دعا إلى "ضرورة مساندة مبادرتي الجزائر والأمم المتحدة من أجل منع التدخل الخارجي".

 

وبين رفض التدخل إلا بعد التشاور مع تونس وحكومة التوافق الوطني الليبية ورئيسها فايز السراج. وقد توجه رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي للسفراء الغربيين العاملين بتونس بالقول إنه: "على الدول التي تفكر في التدخل العسكري في ليبيا مراعاة مصالح الدول المجاورة وفى مقدمتها تونس وعليها أن تتشاور معنا في هذا الخصوص لأن ما يفيدهم قد يسيء لنا"، على حدّ تعبيره. وفي الاتجاه ذاته، أكد وزير الدفاع على أن تونس "تعارض مبدئيا قرار التدخل العسكري في ليبيا، وأنها تسعى وجارتها الجزائر إلى التأثير على المجتمع الدولي من أجل إثنائه عن التعامل مع الوضع في ليبيا عسكريا ". كذلك، نص البيان الختامي للاجتماع الثامن لوزراء خارجية دول جوار ليبيا، والذي عُقِد في تونس في الثاني والعشرين من مارس 2016، على رفض أي تدخل عسكري في ليبيا والتشديد على أن أي عمل عسكري موجه ضد الارهاب لا بد أن يتم بناء على طلب من حكومة الوفاق وفق احكام الأمم المتحدة.

 

أما على المستوى العملي، فتتعاون الولايات المتّحدة الأميركيّة وتونس اليوم أكثر من أيّ وقت مضى لمكافحة الإرهاب في شمال إفريقيا، وبحسب ما قال فيصل غويا السفير التونسي في واشنطن فإنّ العلاقات بين البلدين وثيقة اليوم أكثر ممّا كانت طوال السنوات الخمس والعشرين التي أمضاها في منصبه. واعتبر غويا أن العمليات النوعية على غرار الهجوم الأميركيّ في ليبيا بالقرب من الحدود مطلع مارس الماضى- والذي أدّى إلى مقتل العشرات من تنظيم داعش بمن فيهم العقل المدبّر لهجمات السنة الماضية في تونس – هو المعيار الجديد للتعاون الأمريكي – التونسي، في وقت توحّد الأمم ،في الشرق الأوسط وغيره من الأقاليم ، جهودها لهزيمة عدوّ مشترك.

 

يُذكَر أن مشروع نظام الرقابة الإلكتروني، المزمع تنفيذه بتمويل أمريكي، سيشمل إنشاء نظام مراقبة متكامل باستخدام أجهزة الاستشعار، وأجهزة الأمن العادية، وأيضا تدريب القوات التونسية على استخدام هذا النظام.