المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

بفضل نشرها قوة حفظ سلام داخل عدد من بلدان الجوار.. تشاد .. من حروب الوكالة إلى الحرب على الإرهاب

الأحد , 16 يوليو 2017 - 02:21 مساءٍ

خريطة تشاد
خريطة تشاد

حققت تشاد في السنوات القليلة الماضية نجاحات على صعيد مكافحة الإرهاب، بفضل نشرها قوة حفظ سلام داخل عدد من بلدان الجوار (السوان ومالي). وانخراطها مع فواعل إقليمية (الاتحاد الإفريقي) ودولية (واشنطن وباريس) في جهود لمكافحة الإرهاب والتنظيمات المتطرفة في منطقة غرب ووسط إفريقيا.  مع ذلك، فإن مزيجا من الاضطرابات الحدودية (خاصة على حدودها مع ليبيا)، وتنامي ظاهرة الاحتجاجات وتوحيد المعارضة لنظام الرئيس إدريس ديبي. وأيضا؛ انتشار تنظيمات إرهابية مثل بوكو حرام في الداخل التشادي، يجعل الوضع الأمني والسياسي في تشاد مرشحا للانهيار خلال الفترة القليلة القادمة.

 نبذة عامة

   لطالما شكلت دولة تشاد التي تقع في وسط القارة الإفريقية -عبر تاريخها الطويل- جسرًا للتواصل والتلاقح الحضاري بين العرب والأمازيغ والطوارق شمالاً، وحضارات حوض النيل شرقًا، وبين الحضارات الإفريقية المختلفة جنوبًا وغربًا؛ مما جعل الشعب التشادي البالغ 13.21 ملايين نسمة (حسب تعداد عام 2014) يتكون من أكثر من 200 مجموعة عرقية ولغوية مختلفة تتوزع على مساحة جغرافية تقدر بـ1.284 مليون كم² هي الخامسة إفريقيًّا.

 تشاد تعد دولة حبيسة (أي لا سواحل لها على البحر)؛ تحدها ليبيا شمالاً، والسودان من الشرق، والنيجر من الغرب، وجمهورية إفريقيا الوسطى من الجنوب؛ بينما يحدها كلٌّ من الكاميرون ونيجيريا من الجنوب الغربي.

 

  • المجموعات العرقية في تشاد

  يتألف سكان تشاد من عدد كبير من المجموعات الإثنية ومن اللغات واللهجات والأديان، بسبب موقعها الجغرافي المتوسط بين الصحراء وعالم البحر المتوسط في الشمال، وبلدان الغابات المدارية الاستوائية في الجنوب. ورغم تعقيد التركيب العرقي ـ الإثني الذي يضم نحو 200فئة إثنية، إلأ أنه يمكن تصنيفها في ثلاث مجموعات أساسية،هي:

مجموعة السارا Sara: وموطنها الجنوب المداري الرطب في حوضي الشاري واللوغون وجنوب البحيرة. وتفرعات السارا القبلية كثيرة يتكلمون لغات سودانية وسطى تنتمي إلى العائلة اللغوية النيلية ـ الصحراوية، وهم من العنصر الزنجي تنتشر بينهم عادة تعدد الزوجات. ومن جيرانهم قبائل اللاكا، والمبوم، والغولا Gula، والتوماك، والتانغال Tangale.

مجموعة قبائل النطاق المداري شبه الجاف: وتضم أقواماً كثيرة من أصول مختلفة محلية إفريقية ووافدة، منهم قبائل الباما Bama من الباغِرمي Bagirmi مؤسسي مملكة باغرمي، وكذلك قبائل الكانوري والفولاني والحوصّه والعرب. وتنتمي إلى هذه المجموعة قبائل الكاتوكو واليدينا (أو البودوما) والكوري والكانمبو (من أصول عربية) واللازا والكريدا، والعرب الرحل الذين تتزايد أعدادهم باتجاه الشمال والشمال الشرقي في منطقتي وداي وكانم، وأغلبهم من أصول ليبية. ومن أقوام هذه المجموعة قبائل البولالا والكوكا والميدوغو من السكان المستقرين، وكذلك المابا والتاما وغيرهما.

 مجموعة التبو ـ الدازا: وموطنها جبال تيبستي وهضاب إيندي ـ بوركو في شمالي تشاد وشمال شرقيها، وأفرادها من أصول نيلية ـ سوداء، وتؤلف نحو 2٪ من مجموع سكان البلاد.

  ويتكلم التشاديون أكثر من 100 لغة ولهجة يصنفها اللغويون في 12 مجموعة، إضافة إلى اللغة الفرنسية واللغة العربية، وهما اللغتان الرسميتان في البلاد. ويرتبط الكلام بالعربية وبلهجاتها الكثيرة بانتشار الإسلام بين السكان. وتبث الإذاعة التشادية ووسائل الإعلام الأخرى برامجها باللغات الفرنسية والعربية والسارا، وتُعرف العربية التشادية بـ «توركو».

ويدين غالبية السكان بالإسلام المنتشر في الشمال والوسط، في حين تنتشر ديانات ومعتقدات وثنية تقليدية في الجنوب، إضافة إلى المسيحية التي انتشرت بين الوثنيين، وهم كاثوليك لهم أسقفية في نجامينة العاصمة.

  • الاقتصاد:  تعد تشاد واحدة من أفقر دول العالم، وهي على افتقارها إلى الموارد الطبيعية ومصادر الثروة، تعيش منذ خمسة عقود أزمات سياسية وحروباً أهلية مدمرة إضافة إلى موجات الجفاف المتكررة التي تمر بها، مما ينعكس سلباً على اقتصادها الضعيف أصلاً، ويقوم الاقتصاد التشادي على مبدأ السوق الحر وغلبة القطاع الخاص، مع تطبيق الخطط الخمسية منذ عام 1966، ويحتل قطاع الزراعة وتربية الحيوان الموقع الأول في اقتصاد تشاد.

- الزراعة

تسهم الزراعة بـ 40٪ من الناتج الإجمالي لتشاد، ويعمل فيها 85٪ من العاملين لعام 1999، وتشمل هذه النسبة قطاع الزراعة وتربية الحيوان وصيد السمك. وتقدر نسبة الأراضي الصالحة للزراعة 20٪من مساحة البلاد، لا يُزرع منها سوى سبعة ملايين هكتار فقط (5.4٪ من المساحة). يتركز انتشار الأراضي الزراعية في الجنوب التشادي، حيث تمارس الزراعات الكثيفة في السهل الفيضي اللحقي لوادي نهر اللوغون، وفي حوض بحيرة تشاد وحولها، وكذلك في جزر زراعية متباعدة ومبعثرة في واحات الشمال. يتصدر القطن قائمة المزروعات التشادية وقائمة المحاصيل التجارية المصدرة، إذ تُقدر نسبة إسهام القطن في قيمة صادرات تشاد بنحو 70-75٪، ويُدر عليها أكبر الأرباح. وتحتل المحاصيل الغذائية المرتبة الثانية بعد القطن وأهمها الذرة، والدخن (يعرف في الشمال بـ: القصب)، والفستق (الفول) السوداني، والأرز، والمنيهوت والقمح والسمسم. أما القطاع الثاني بعد الزراعة، فهو قطاع تربية الحيوانات التي تُسهم بنحو 18٪ من الناتج الإجمالي للبلاد، ويعد قطيع حيواناتها واحداً من أكبر القطعان في إفريقية. كما أن قيمة صادرات تشاد من الحيوانات ومنتجاتها تحتل المكان الثاني بعد القطن، ويُشكل البقر أكثر من نصف قطيع حيوانات تشاد المؤلف من نحو 11مليون رأس من البقر فالغنم والخيول والحمير والجمال.

   وتُعد بحيرة تشاد والأنهار التي تصب فيها من أغنى البقاع الإفريقية بأسماك المياه العذبة، ويُقدر ما يُصاد منها بنحو 115-150ألف طن سنوياً، يُستهلك نصفها محلياً، ويُصدر الباقي إلى نيجيرية والكاميرون. أما غابات تشاد التي تغطي نحو 9٪ من مساحتها فتقدم نحو 3-4 ملايين م3 من الأخشاب إضافة إلى بضع مئات الأطنان من الصمغ العربي.

 

  • الصناعة

تشاد بلد زراعي بالدرجة الأولى، لم يتوسع في ميدان التصنيع بعد، إذ لا تزيد نسبة إسهام القطاع الصناعي في الناتج الإجمالي على 14٪، والعاملون فيه بحدود 6٪ من القوى العاملة، وهي فقيرة بالثروات الطبيعية، والموجود منها غير مستثمر إلا بقدر محدود لا يسمح بإقامة مشروعات صناعية حديثة. كذلك تفتقر إلى مصادر الطاقة، إذ لا تنتج سوى الكهرباء المولدة من الطاقة الحرارية والوقود المستورد. ومن الثروات الواعدة يحتل النفط المكان الأول يليه الأورانيوم والنطرون (كربونات الصوديوم) والكاولان، وبعض الذهب والولفراميت والبوكسيت، ولا يُستخرج منها عملياً سوى النطرون في منطقة بحيرة تشاد وبوركو. أما النفط فقد بدأ تجمع شركات نفط كونتينتال أويل، وشل، وشيفرون، وإكسكون البحث عنه عام 1969، واكتُشف بكميات اقتصادية في منطقة بحيرة تشاد وحقل دوبا. أما الصناعات القائمة فهي، إضافة إلى الصناعات التقليدية اليدوية المحدودة الإنتاج، صناعات حديثة تقتصر على صناعة حلج القطن في أكثر من 25 وحدة موزعة في مناطق إنتاج القطن في حوضي اللوغون والشاري، تليها صناعة حفظ اللحوم وذبح المواشي في مسالخ حديثة مزودة ببرادات فنية كما في فارشا بالقرب من نجامينة وفي مدينة سارة (سرح)، ثم صناعة طحن الحبوب وتحضير الأرز، وصناعات أخرى متفرقة تعتمد على مواد مستوردة، خلافاً للصناعات الرئيسية التي قامت على تصنيع المواد الأولية الزراعية المحلية.

 

تطور الوضع السياسي في تشاد

   تحولت تشاد إلى مستعمرة فرنسية رسميا منذ عام 1920، ثم مقاطعة ماوراء البحار عام 1946، وفي عام 1959 مُنحت تشاد حكماً ذاتياً في مجموعة دول الكتلة الفرنسية، ثم استقلالاً ناجزاً عام 1960، وأصبحت جمهورية رئيسها فرانسوا طومبلباي. وفي عام 1965، قامت ثورة ضد النظام القائم بقيادة جبهة التحرير الوطنية التشادية والجبهة الوطنية التشادية.

   وكان هدف الجبهتين ومؤيديهما الإطاحة بالحكومة القائمة وإنهاء دور بقايا النفوذ الفرنسي وطرد الخبراء العسكريين الإسرائيليين من الجيش التشادي والتقارب مع الدول العربية في شمالي إفريقية والسودان. وعلى الرغم من مساعدة القوات العسكرية الفرنسية لقوات الحكومة التشادية، لم يتمكن التحالف الفرنسي التشادي من التغلب على الثوار الذين تمكنوا من مواجهة التحالف في جبال تيبستي وشمالي البلاد، فاندلعت الحرب التشادية الأولى، وأطيح بطومبلباي وحكومته في انقلاب عسكري قام به الجنرال فليكس مالوم عام1975. ورغم الجهود التي بذلت في سبيل توسيع قاعدة مؤيدة لحكومة وطنية، منيت تلك الجهود بالإخفاق عام 1979، حين انشق رئيس مجلس الوزراء حسين حبري وانسحب من الحكومة، وقاد القوات الشمالية ضد الجيش التشادي. أعقب ذلك إعلان هدنة وإقامة حكومة وحدة وطنية انتقالية في العام نفسه، لكن الحرب الأهلية عادت فاندلعت عام 1980 وطلب فيها رئيس الجمهورية غوكوني وداي مساعدة القوات المسلحة الليبية لحفظ النظام التي تدخلت بقوة قوامها 7000جندي بقيت في تشاد حتى حلت محلها قوات حفظ السلام التابعة لمنظمة الوحدة الإفريقية عام 1981. ولم تبق هذه القوات طويلاً فغادرتها في العام نفسه، وقام حسين حبري والفصائل الشمالية المسلحة المؤيدة له باحتلال المدن المهمة في شرقي تشاد، كما قام بتشكيل حكومة جديدة برئاسته في نوفمبر من عام 1981، لكن غوكوني وداي ألف حكومة معارضة في واحة برداي في تيبيستي بدعم ليبي. وفي عام 1982 احتلت القوات الشمالية العاصمة نجامينة وتشكلت حكومة جمهورية جديدة برئاسة حسين حبري الذي سيطرت قواته على كامل التراب التشادي ماعدا مساحات صغيرة في الشمال بقيت بيد قوات حكومة الوحدة الوطنية الانتقالية التي شنت هجمات مضادة بمساعدة القوات الليبية، استعادت فيها مساحات إضافية عام 1983 فاستعان حبري بقوات عسكرية فرنسية وزائيرية، وتُوصِّل بعد ذلك (عام 1984) إلى اتفاق يقضي بخروج الفرنسيين والليبيين من تشاد.

 

   استمرت معاناة تشاد بعد عام 1986 حين قامت القوات التشادية والفرنسية والأمريكية بدحر القوات الليبية، واستعادت قوات حبري سيطرتها على شمالي البلاد في مطلع عام 1987، لكن حبري ظل يواجه أزمات وأخطاراً تهدد حكمه، حتى تمكنت قوات إدريس ديبي من حركة الإنقاذ الوطني التشادي من الاستيلاء على مدينة أبيشيه، ففر حبري إلى الكاميرون في العام نفسه (1990).

 

قام ديبي بتشكيل حكومة مؤقتة برئاسته وتعليق الدستور، على أن يوضع دستور جديد وانتخابات جديدة تمت عام 1991، وصار بموجبها رئيساً رسمياً للبلاد، وقد أحبط محاولتي انقلاب ضده عام 1992، وفاز في انتخابات عام 1996 لمدة رئاسية ثانية، كما استطاع التغلب على حركات ثورية معادية لحكمه في إقليم تيبيستي.

  • المرحلة الانتقالية: حكم الرئيس "إدريس دبي إتنو" المسلم المنتمي إلى قبيلة الزغاوة؛ التي تتواجد في شرق تشاد وغرب السودان، خلال الفترة الانتقالية من 1991 إلى 1996 بشرعية ثورية، استمدها من إطاحته بسلفه.
  • الولاية الرئاسية الأولى: بعيد إقرار دستور 1996 في استفتاء شعبي تم إجراء انتخابات رئاسية تقدم لها 8 مرشحين، فاز بها "إدريس دبي" في الجولة الثانية بنسبة 69.1%.
  • الولاية الرئاسية الثانية: دخل دبي الانتخابات في 20 من مايو 2001 ممثلاً لحزب الخلاص الوطني الحاكم بعد أن تحالف مع ما يُقَدَّر بـ‏27 حزبًا آخر، وهو ما أدى دورًا حاسمًا في تفوقه على منافسيه الستة الآخرين، استفاد "إدريس دبي" من نقاط ضعف أدت إلى تشتيت أصوات منافسيه، وضمنت له الفوز في الجولة الأولى؛ مما جنَّبه الدخول في جولة ثانية كان منافسوه يعتزمون توجيه كل مؤيديهم للوقوف خلف المرشح الذي سيدخل ضد دبي في الجولة الثانية‏. استفاد "دبي" من تشتت أصوات الجنوبيين بوجه عام بين خمسة مرشحين؛ بينما لم يتقدم من الشمال سوي دبي ومنافس آخر لم يكن على مستوى باقي المنافسين في الجنوب‏. ‏كان "نجارليجي يورونجار" من حركة الاتحاد من أجل الجمهورية أقوى منافسي "إدريس دبي"، وفاز دبي من الجولة الأولى بعد حصوله على 67.35% من الأصوات، وتلاه "نجارليجي يورونجار" بــــ‏13.94% من جملة أصوات الناخبين‏.
  • الولاية الرئاسية الثالثة: استطاع "إدريس دبي" إجراء استفتاء حول تعديل المادة (61)؛ التي تحول دون ترشح (الرئيس الحالي) إدريس دبي لمدة رئاسية ثالثة؛ وبهذا ضمن ترشحه إلى عدد غير محدود من الولايات، بعد أن كانت تلك المادة تقيِّد الرئيس بولايتين غير قابلتين للتجديد. وقد قوبل ذلك التعديل بموجة رفض عارمة من المعارضة التشادية؛ التي قاطعت انتخابات 2006 (خصوصًا فيدرالية العمل من أجل الجمهورية، وتنسيقية الدفاع عن التحالف، التي تضم 20 حزبًا)، وعلى الرغم من ذلك أُجريت الانتخابات، وفاز دبي بولاية رئاسية ثالثة بنسبة 64.67% دون وجود منافسة جدية له، وسط تزايد التوتر مع الجارة السودان، وارتفاع معدلات البطالة؛ التي غذَّت تمردًا متناميًا تجسد في فرار العديد من أفراد الجيش التشادي؛ التي احتضنتها الجبهة المتحدة من أجل الديمقراطية الساعية للتغيير المسلح، والأخطر من ذلك محاولة الانقلاب في 14 من مارس 2006؛ التي تم إحباطها على أيدي أفراد من الجيش الموالين لدبي.
  • الولاية الرئاسية الرابعة: مع تزايد حالة الاحتقان الداخلي، وإعادة تنظيم المعارضة التشادية لصفوفها للاستفادة من الزلزال الذي حصل في شمال دول القارة، وتصاعد وتيرة العمليات العسكرية ضد "القذافي" الحليف الاستراتيجي لإدريس دبي، جرت الانتخابات الرئاسية في 25 من إبريل 2011 بعد تأجيلها لثلاثة أسابيع، واللافت هنا أن ثلاثة من أهم زعماء المعارضة؛ وهم: "عبد القادر ود كاموغي"، و"نجارليجي يورونغار"، و"صالح كبزابو"، أعلنوا انسحابهم من سباق الرئاسة؛ بسبب ما وصفوه بـ"المسرحية السياسية"، وحثّوا المواطنين على مقاطعة الانتخابات، وكما توقع المراقبون فاز دبي من الجولة الأولى بنسبة كبيرة بلغت 88.66% وسط نسبة إقبال متدنية من المقترعين.
  • الولاية الرئاسية الخامسة: بعد إعلان ديوان الرئاسة التشادية نية الرئيس إدريس دبي الترشح لولاية رئاسية خامسة هذا العام (2016)، رأى المراقبون أنها خطوة محفوفة بالمخاطر والتحديات في توقيت بالغ الدقة في منطقة الساحل الإفريقي وفي الداخل التشادي، خطوة سيواجه فيها دبي تحديات كبرى قد تتجاوز ما عُرف عنه من حنكة ودهاء في التعاطي مع المستجدات والمخاطر؛ لعل أبرزها: (المعارضة التشادية السياسية والعسكرية في الداخل والخارج؛ التي تجتمع ولأول مرة على رفض ترشح إدريس دبي لعهدة رئاسية خامسة. وأيضا، العلاقة الفاترة مع فرنسا؛ التي حمته مرات عديدة، كان آخرها دحر قوات المعارضة التي حاصرت القصر الرئاسي بأنجامينا سنة .(2008)

 

المعارضة التشادية

كان عدد التشكيلات والتنظيمات السياسية المعترف بها داخل تشاد قد وصل إلى 60 تنظيمًا عام 2000، معظمها يعارض حزب "جبهة الخلاص الوطني الحاكم"، وأهم هذه التنظيمات: حركة الوحدة والاشتراكية (ACTUS)، والتحالف الوطني من أجل الديمقراطية والتنمية (ANDD)، والحركة الوطنية للسلام (MPS)، والحركة الديمقراطية الاشتراكية في تشاد (MDST)، وحزب الحرية والتنمية (PLD)، والمجمع الوطني للديمقراطية والتقدم (RNDP)، والاتحاد الديمقراطي الجمهوري (UDR). ومن التنظيمات التي لا يعترف بها النظام التشادي: المجلس الديمقراطي الثوري (CDR)، جبهة تشاد للتحرير الوطني (FROL – INAT)؛ التي تتمركز في الجزائر، وجبهة تشاد الوطنية (FNT) التي تتمركز في السودان، وحركة الديمقراطية للتنمية (MDD)، وجيش المقاومة ضد القوات المناهضة للديمقراطية (RAFAD) ويتمركز في شمال نيجيريا، واتحاد القوى الديمقراطية (UFD).

وشهدت تشاد منذ أواخر عام 2005 فرار أعداد كبيرة من الجيش التشادي، شملت ضباطًا من ذوي الرتب العالية، وسرعان ما تكونت جبهة عريضة من الفصائل والحركات المسلحة المعارضة لحكم إدريس دبي؛ أبرزها الجبهة المتحدة من أجل التغيير الديمقراطي (FUC)؛ التي كانت بقيادة محمد نور عبد الكريم، وحركة اسكود (SCOD) بقيادة تيمان أرديمي، والقوات التي يقودها أبكر طوليمي، واستطاعت هذه الجبهة أن تحاصر القصر الرئاسي في العاصمة نجامينا يوم 13 من إبريل 2006، ولولا استماتة القوات الموالية لدبي من جهة، والمناورات السياسية التي قام بها إدريس دبي، ودور القذافي في استمالة بعض المناوئين وشق تلك الجبهة؛ لنجحت تلك المحاولة في إسقاط حكمه.

 

 وبعد ذلك تكوَّنت جبهة أخرى تسمى باتحاد القوى من أجل الديمقراطية والتنمية (UFDD)؛ التي يتزعمها محمد نوري، وفشلت هي الأخرى في الوصول إلى سدة الحكم في تشاد بعد أن سيطرت قواتها على أجزاء كبيرة من العاصمة عام 2008، وكادت تُسقط النظام، وكان لفرنسا هذه المرة الدور الأبرز في إفشال هذه المحاولة، ودحر القوات المناوئة لديبي.

 

ثم كان اجتماع فصائل المعارضة التشادية في الداخل أيام 16 و17 و18 من يناير 2015 في نجامينا لتدارس المسار السياسي، وسبل الخروج بتشاد من السيطرة المطلقة لإدريس ديبي؛ الذي ضيَّق الخناق على العمل السياسي المعارض.

 

   ويرى المراقبون أن توحيد جهود النخبة السياسية والثقافية من المعارضة التشادية في العاصمة الفرنسية سيكون له دور في الأيام القادمة.  فمنذ مطلع العام الماضي 2015 بدأت المعارضة في الداخل تتحضر لجولة جديدة حاسمة ضد إدريس ديبي، ولأول مرة تنسق جهودها مع سياسيي الخارج؛ ولاسيما الطبقة السياسية الفرانكوفونية في فرنسا؛ التي يُتَوَقَعُ لها أن تؤدي دورًا فاعلاً عكس ما عُرف عنها من مهادنة، خلافًا للتشكيلات المسلحة للمعارضة التي تتواجد في معسكرات في السودان، أو في المنطقة الحدودية الليبية التشادية.

 

وبناء على درجة التنسيق العالية بين معارضة الداخل والخارج، وجاهزية التشكيلات العسكرية للانقضاض على أنجامينا؛ فإننا نرى أنه في حالة تقدُّم إدريس دبي رسميًّا لولاية رئاسية خامسة ستعم مظاهرات عارمة رافضة في العاصمة وغيرها من المدن التشادية، وستصاحبها حملة إعلامية كثيفة بدأ التحضير لها في باريس منذ مارس 2015، وسيعطي هذا الزخم دافعًا للتشكيلات المسلحة لاجتياح العاصمة، دون أن تتدخل القواعد العسكرية الفرنسية هذه المرة لحماية إدريس دبي؛ الذي تتعامل معه باريس على مضض لحاجتها إليه في حربها على الإرهاب في منطقة الساحل. 

 

العلاقات بين تشاد وليبيا

  • من الصراع إلى التقارب .. تشاد وليبيا على عهد القذافي

   نالت تشاد نصيب الأسد من مغامرات القذافي وطموحاته القارية والإقليمية في تأدية دور يتجاوز قدرات الدولة الليبية؛ حيث كانت ليبيا منذ عام 1971 حاضرة وبقوة في المشهد العام في تشاد؛ وذلك عبر دعم وتسليح القبائل الشمالية في تشاد؛ التي في معظمها قبائل عربية تشكل امتدادًا لقبائل عربية في دول الجوار العربي الشمالي وتحديدًا ليبيا، فمن المعروف أن معظم قبائل الجنوب الليبي (زوية – أولاد سليمان – الحساونة – القذاذفة – التبو وبدرجة أقل ورفلة والمقارحة) هاجروا بشكل جماعي إلى شمال تشاد إبان الغزو الإيطالي لليبيا، واندمجوا هناك مع القبائل التشادية، وتعايشوا معهم، ورجعت مجموعات كبيرة منهم إلى ليبيا منذ الاستقلال حتى أواسط سبعينات القرن المنصرم، كما أن قبائل التبو توجد أراضيها التاريخية في الشمال التشادي والجنوب الليبي.

 

وقد حرص القذافي على جعل تشاد جزءًا من مخططاته للتوسع جنوبًا في القارة الإفريقية، وعندما مني جيشه بهزيمة نكراء في منتصف ثمانينات القرن المنصرم، وأُسر الكثيرون من الجيش الليبي بمن فيهم قائد تلك الحملة "الفريق خليفة حفتر"؛ الذي يقود حاليًّا قوات الجيش الوطني الليبي في حربه ضد ميلشيات أنصار الشريعة في بنغازي؛ فيما يعرف بعملية "الكرامة"؛ إثر تلك الهزيمة النكراء قرر القذافي تغيير استراتيجيته في التعامل مع تشاد، ولجأ إلى قوة المال السياسي عوضًا عن القوة العسكرية، وفي هذا السياق تحقق له النفوذ والامتداد إفريقيًّا عبر البوابة التشادية، باتباع سياسة شراء الولاءات، ولاسيما بعد أن ساعد على إيصال إدريس ديبي إلى سُدَّة الحكم بمساعدة السودان.

 

وعلى مدار فترة حكم القذافي التي دامت اثنين وأربعين عاماً، لطالما اضطلع القذافي بدوري الوسيط والفاعل على حد سواء في نزاعات تشاد، وقد استخدم جارته الجنوبية كحقل تجارب لاختبار وسائل ابتكرها لتحقيق طموحاته الإقليمية. وتحسنت العلاقات بين "أنجامينا" و"طرابلس" إلى حد كبير على عهد ديبي. وبالرغم من تذبذب العلاقة بين الزعيمين، إلا أن إدريس ديبي سمح للقذافي بزيادة نفوذه من خلال توسيع شبكة المحسوبية مقابل تلقي دعما سياسيا واقتصاديا.

 

 وبعد أن لعب القذافي في البداية دورا فاعلا في زعزعة الاستقرار في شمال البلاد، ساهم إلى حد ما في السنوات الأخيرة في إحلال السلام في تلك المنطقة التي لطالما كانت مسرحا للتمرد من خلال التوسط بين الجماعات المسلحة. وحتى اندلاع الثورة في ليبيا 2011، دأب ديبي على توظيف "اللجنة الليبية للمساعي الحميدة" المنوطة بالوساطة في النزاعات بين الحكومة والمتمردين في تشاد لمقاومة خصومه، ولتهدئة التوتر مع السودان ، وكذلك للحصول على مساعدات طرابلس المالية من وقت لآخر. واستطاعت سياسة ديبي تجاه ليبيا تحقيق بعض النجاح حيث مكنته من استقطاب بعض خصومه والحد من تهديداتهم. ففي عام 2002، ونتيجة لتعاون أجهزة المخابرات التشادية والليبية تم القضاء على زعيم المتمردين التوبو يوسف توقويمي وتنظيمه "حركة الديمقراطية والعدالة في تشاد" الذي كان قد بدأ يكتسب تأييدا متزايدا في إقليم تيبستي. وفي ضوء ذلك، فقد كان القذافي بالنسبة لإدريس ديبي مكوناً لاغنى عنه في سياسته الإقليمية.

 

انتشار التوترات الليبية داخل تشاد بعد سقوط القذافي

   فتحت النهاية الدموية لعهد القذافي أبواب الجحيم في ليبيا. بيد أن سقوطه خلف أيضا العديد من المشاكل المحتملة الجديدة ليس في ليبيا فحسب، وإنما في البلدان المجاورة أيضا، مما قد يهدد استقرار المنطقة برمتها. تمثل تشاد مثالا على ذلك حيث اضطلع القذافي بدور، إيجابياً كان أم سلبياً، في كافة نزاعات هذا البلد، وانتهج سياسة التقرب من رئيسه الحالي إدريس ديبي. وبالتالي، لم يكن من السهل على ديبي التخلي عن القذافي وقت أزمته. وتردد في تقبل احتمال سقوطه بعد اندلاع الثورة الليبية، كما كان استيعابه الوافي لتبعاتها بطيئا حيث حاول في بداية الأزمة الدفاع عن شرعية القذافي من خلال اتهام المتمردين بالتواطؤ مع الإسلاميين. وعلى الرغم من أن حكومته نفت أنها توفر أي دعم عسكري، إلا أن وجود مقاتلين تشاديين في صفوف قوات القذافي يكذب تلك التصريحات.

 

ورغم أن ديبي اعترف بعدها بشرعية المجلس الوطني الانتقالي، فإن السلطات الليبية الجديدة آنذاك لم تنس لديبي دعمه للقذافي. خاصة أن الحكومة التشادية لم تتخذ موقفاً أكثر إستراتيجية وواقعية يتمثل في الدعوة إلى إجراء مفاوضات وإقامة اتصالات تمهيدية مع المجلس الانتقالي إلا بعد تدخل حلف شمال الأطلسي الذي غير ميزان القوى لصالح الثوار.

 

ولجأت السلطات الليبية الجديدة قبل أن تنقسم إلى سلطتين إحداهما في طبرق والأخرى في طرابلس، إلى مناوأة النظام التشادي بإطلاق سراح العقيد اللاشي مهدي، الضابط التشادي (من قبيلة التبو)؛ الذي قضي 21 سنة في سجون القذافي، ودعمه ماديًّا وعسكريًّا ليقوم بتشكيل فصيل تشادي مسلح في مدينة القطرون الليبية، ويستعد في أية لحظة للالتحاق بالفصائل التشادية المسلحة في السودان للهجوم على أنجامينا. فما كان من تشاد إلا أن غضت الطرف عن جماعات التبو المسلحة التي أخذت تسيطر على ممرات التجارة والتهريب في جنوب ليبيا. وربما اعتبرتها أحد الأوراق التي تملكها في ليبيا، كون هذه الجماعات من أصول تشادية في الأساس.

 

   ولكن سرعان ما غيرت تشاد منهجها، بعد ازدياد مخاطر الجماعات الإسلامية المتطرفة والمسلحة، خاصة بعد بيعة بوكو حرام لداعش وسعيها للالتحام بولايات داعش في ليبيا، وأيضا، تمركز فصائل تشادية مسلحة معظمها من التبو في الشمال مستغلة حالة فوضى السلاح والانفلات الأمني في ليبيا لتكوين معسكرات لها في المنطقة الحدودية بين البلدين، والسيطرة على تجارة التهريب ومسارات الهجرة غير الشرعية القادمة من منطقتي القرن الإفريقي ودول الساحل، والتنسيق مع التنظيمات الجهادية بالمنطقة؛ ولاسيما تنظيمي المرابطين والقاعدة ببلاد المغرب الإسلامي.  ولجأت تشاد إلى نشر قوات لها على حدودها الشمالية وبالتنسيق مع عناصر من قبيلة التبو كي تحول دون التحام تنظيم "ولاية غرب إفريقيا" – بوكو حرام سابقا- بولايات داعش في ليبيا. وإحباط خطر الجماعات الإسلامية المتطرفة وجماعات التمرد المسلحة على حدودها الشمالية.

 

  في الوقت نفسه، وبالنظر إلى الانقسام الحالي بين سلطتين ومجلسين تشريعيين في ليبيا، انحاز النظام التشادي إلى معسكر "خليفة حفتر" وعملية الكرامة.  وكان الرئيس التشادي إدريس ديبي قد استقبل في أكتوبر 2015 وكبار مساعديه القائد العام للقوات المسلحة الليبية الفريق خليفة حفتر في أول زيارة رسمية له لتشاد. لبحث شأن التعاون العسكري بين قوات حفتر في ليبيا والقوات المسلحة التشادية.

 

العلاقات بين تشاد والسودان ..

 

  • تاريخ طويل من حروب الوكالة

   خلال الفترة الممتدة بين العامين 2003 و 2009 ، خاضت حكومتا تشاد والسودان حرباً شرسة بالوكالة، شنّتاها من خلال توفير الدعم المادي للقوات المسلحة المعارضة لكل منهما. وكان الدافع وراء دعم تشاد للمعارضة المسلحة في دارفور عدد من الشخصيات البارزة في الأوساط الحكومية الداخلية، فصلا عن وجود روابط عائلية مباشرة مع قادة المتمردين في دارفور. وبالمقابل فإن قناعة النظام السودانى بأن هذا الدعم التشادي سيستمرّ طالما بقي الرئيس إدريس ديبي في السلطة، شكّلت الدافع لدعم جهود المتمردين التشاديين الرامية إلى تنحيته.

 

وبلغت الحرب ذروتها مع هجمات المعارضة المسلحة على إنجامينا في أبريل 2006 وفبراير 2008 والهجوم على الخرطوم في مايو 2008 .

 

والحق، أن الخلافات بين تشاد والسودان لم تبدأ في عهد الرئيس الحالي إدريس دبي، الذي آوته الخرطوم لاجئا بعد فشله في انقلاب عسكري عام 1989م ضد نظام الرئيس السابق حسين حبري، وإنما سبق تاريخها ذلك عندما اتهم الرئيس حسين حبري الخرطوم بإيواء مسلحين معارضين لبلده. ومنذ إطاحته بحكم الرئيس حسين حبري وتولى الحكم في تشاد عام 1990م، فإنّ الرئيس إدريس دبي يواجه مشكلات عميقة مع السودان، بدأت باتهام تشاد للسودان بالهجوم على بلدة الطينة الحدودية في 2004م، واتهام السودان لتشاد بالضلوع في حرب دارفور، وذلك بالرغم من توقيع الخرطوم وإنجمينا على اتفاقية أمن وتعاون سياسي في العام نفسه. 

 

ولأكثر من عقدين من الزمان تتأرجح العلاقة بين الرئيسين السوداني عمر البشير والتشادي إدريس دبي اللذين جاءا إلى الحكم بانقلابين عسكريين، بين اتهامات كل طرف بإيواء معارضي البلد الآخر، ثم تصل إلى إغلاق القنصليات بالبلدين وقطع العلاقات الدبلوماسية. وبين الصراع ثم القطيعة كان اتفاق مكة في مايو 2007، الذي تم انتهاكه بقصف تشاد لمتمردين داخل الحدود السودانية، الأمر الذى اعتبره السودان انتهاكا لحدوده، وقام على إثرها بتقديم شكوى ضد تشاد أمام الأمم المتحدة متهما إياها بانتهاك حدوده.

 

ثم كان توقيع اتفاقيات عبر وسطاء إقليميين لإنهاء الخلاف، إلى أن وصل الطرفان المتنافران أخيرا إلى توقيع اتفاق مصالحة في دكار في 14مارس 2008، وتم التوقيع بمباركة الرئيس السنغالي عبد الله واد، وذلك على هامش قمة منظمة المؤتمر الإسلامي وبحضور أمينها العام، وكذلك الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، ونص الاتفاق على ضبط حدود البلدين وعدم دعم حركات التمرد في كليهما.

 

وعلى الرغم من أنّ اتفاق مكة كان أكثر تفصيلا في بنوده ، إلا أنّ تشاد نقضته بقصفها الحدودي على السودان، مما جعل الرئيس السوداني لا يتحمس ولا يعطي كامل ثقته لاتفاق دكار إلا بعد جملة من الضغوط التي أحاطت بتوقيع الاتفاق. ويعتبر اتفاق دكار هو السادس من نوعه لوقف دعم كل طرف لمتمردي البلد الآخر وعدم انتهاك حدود البلدين وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلد الآخر. وتم وفقا للاتفاق إنشاء مجموعة اتصال هدفها متابعة وتنفيذ الاتفاق ومراقبة أي انتهاكات محتملة.

 

وتتولى رئاسة هذه المجموعة السنغال الوسيط الأساسي في المفاوضات الأخيرة، وتضم كلا من ليبيا والكونغو، بالإضافة إلى الغابون وإريتريا والاتحاد الأفريقي، وتجمع دول الساحل والصحراء والمجموعة الاقتصادية لأفريقيا الوسطى. إلا أنه لم يتم تنفيذ اتفاق دكار، لعدم توفر الإرادة السياسية من الطرفين، نتيجة استمرار عدم الثقة بينهما، فضلا عن تحفظ الخرطوم بسبب علاقة تشاد المتشابكة مع الدول الغربية.

 

ثم هزّت الخرطوم، ما عرف بـــــ" غزوة أم درمان" والتي حدثت في العاشر من مايو 2008، فاتهمت انجمينا بدعم الهجوم الذي نفذه متمردو حركة العدل والمساواة على مدينة أم درمان العاصمة الوطنية للسودان، فيما اتهمت تشاد السودان بالسماح للمتمردين التشاديين بشن هجمات انطلاقا من أراضيه. لكن بحلول مايو 2009 ، كان استعداد كلا النظامين لمواصلة الصراع يشوبه الإحباط والتعب. وكانت الغارات بالوكالة غالباً ما تفشل في تحقيق أهدافها، وذلك جزئيا بسبب فشل كل من النظامين في توحيد جماعات المعارضة المجاورة ضمن تحالفات فعالة.

 

وفي الوقت نفسه، فقد كانت عمليات سياسية محلية كبرى تلوح في الأفق في كل من البلدين - لا سيما ما يتعلق بالاستفتاء بشأن تقرير مصير جنوب السودان، وكذلك استحقاقات سياسية فى الداخل التشادى .  أدت هذه العوامل، فضلاً عن العديد من العوامل الأخرى، إلى دفع الخرطوم وأنجامينا نحو التقارب جدياً. وفي مايو 2009 تم توقيع اتفاق للمصالحة بين السودان وتشاد في الدوحة برعاية قطرية - ليبية.

 

وقد حث اتفاق الدوحة الطرفين على إسراع تنفيذ الاتفاقيات السابقة بينهما، والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية لكلا البلدين، وعدم اللجوء لاستخدام القوة. كما تضمن توصية الدول الداعمة للاتفاق بتوفير الدعم المادي واللوجستي لتسهيل مهام المراقبين، ووقف الحملات الإعلامية السلبية وتشجيع الإعلام الإيجابي الذي يساعد على توطيد أواصر الأخوة بين البلدين، ثم تم تتويجها بالزيارات الدبلوماسية المتبادلة. فبدأت الخرطوم بنقل قوات المعارضة التشادية بعيداً عن الحدود. وبادلتها تشاد بالمطالبة بانسحاب بعثة الأمم المتحدة في جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد (مينوركات) من أراضيها والضغط بقوة على حركة العدل والمساواة في دارفور للتوقيع على اتفاق سلام، قبل طرد الحركة ورئيسها، الدكتور خليل إبراهيم من الأراضي التشادية في مايو 2010 .

 

ثم ما لبثت أن تلتها خطوات أكثر جرأة. فزار ديبي الخرطوم في فبراير2010 في حين توجه الرئيس السوداني عمر البشير إلى أنجامينا في يوليو 2010. وخلال الشهر نفسه، أمرت السودان أربعة قادة بارزين من المعارضة المسلّحة التشادية بمغادرة أراضيها، وأرسلتهم إلى قطر. ومنذ ذلك الحين، عمد مئات العناصر من المعارضة التشادية، معظمهم من الجماعات المنشقة الهامشية، إلى التخلي عن القتال والعودة إلى ديارهم، بعضهم على متن رحلات جوية مستأجرة من قبل حكومتي تشاد والسودان، والبعض الآخر بوسائلهم الخاصة. وفي شهر أكتوبر 2010 ، اتفق نحو 2000 مقاتل من المتمردين التشاديين – معظمهم من الباقين في دارفور - على الخضوع لنزع السلاح من جانب الحكومة السودانية. وبحلول أواسط العام 2010 ، بدا أن كلا البلدين قد تنكرا بشكل شبه تام لصراعهما بالوكالة.

 

  • حالة الحدود بين البلدين

   تعكس حالة الحدود بين السودان وتشاد علاقات البلدين فتكون في وئام إذا سادت حالة التعايش السلمي بين القبائل على الحدود المشتركة، وتدخل في حالة اضطراب فيما بينها في حالة الأزمات، ولجوء معارضي الدولة للإقامة في الدولة الجارة عبر هذه الحدود، التي يسهل اختراقها ويجدون من يأويهم ويحتوي معارضتهم بسلاحها وعتادها. وقد دأب الرئيس "ديبي" على اللعب بورقة القبائل في غرب تشاد وشرق السودان بهدف مناوأة نظام البشير ومحاولة الهيمنة على إقليم دارفور.

 

وما شجع الرئيس التشادي على ذلك هو انحداره من قبيلة الزغاوة، التي تنتمي إليها كل من حركة العدل والمساواة، وحركة جيش تحرير السودان، بالإضافة إلى أن الجيش التشادي يستمد عناصره من أبناء هذه القبيلة بشكل شبه كامل، وبالتالى فإنّ حضور هذه القبيلة وتداخلها بين الدولتين يمثل درجة كبيرة من الأهمية لكل من السودان وتشاد. ومن الجدير بالذكر، أن مساعي إصلاح العلاقات السياسية بين البلدين تبعها محاولات للتقارب الأمني تمثل في التوقيع على بروتوكول تأمين الحدود عام 2010م بين السودان وتشاد.... فبالإضافة إلى الاتفاق على وقف أي دعم لحركات التمرد، وضع السودان وتشاد جدولا زمنيا لتشكيل قوات مشتركة من البلدين لتأمين حدودهما، وذلك بتبادل قيادة القوات كل ستة أشهر من مقر هذه القوات بمدينة الجنينة غرب دارفور.

 

بموجب هذا الاتفاق تم نشر قوات مشتركة لمنع أي قوى معارضة لكل من النظامين من عبور الحدود بين البلدين. وفي قمة الخرطوم في مايو 2011، تم تفعيل إنشاء القوات المشتركة لحماية الحدود، كما تم تنشيط البروتوكول العسكري بين السودان وتشاد، وإشراك جمهورية أفريقيا الوسطى ضمن منظومة القوات المشتركة السودانية التشادية. وجاء إشراك جمهورية أفريقيا الوسطى الموالية لتشاد في هذه الاتفاقية، التي أصبحت ثلاثية بدلا من ثنائية برغبة الرئيس إدريس ديبي، الذي دعم تغيير نظام الحكم هناك بجيشه في مارس 2013، وذلك حتى يقضي على الاضطرابات الأمنية في أفريقيا الوسطى والتي شكلت أزمة أمنية كبيرة لتشاد من جهة الجنوب بالنظر إلى طول الحدود بين تشاد وإفريقيا الوسطى.

 

  وقد تم تنظيم لقاء سمي "المؤتمر الجامع لأبناء قبيلة الزغاوة" في مدينة أم جرس الحدودية داخل تشاد في الفترة من 25 إلى 27 اكتوبر 2013. وضم المؤتمر قيادات قبيلة الزغاوة التي ينتمي إليها الرئيس ديبي بمشاركة كل من وزير الدولة أمين حسن عمر المكلف بملف السلام في دارفور ورئيس السلطة الإقليمية ووزير العدل السوداني التيجاني السيسي  بشير آدم دوسة، وشهده بالإضافة إلى أعيان قبيلة الزغاوة، رجال دولة عسكريين ومدنيين من الجانبين السوداني والتشادي.

 

  ولم يكن غرض اللقاء مناقشة شأن القبيلة بقدر ما تعرض إلى قضية دارفور والحركات المتمردة تحت تنظيم الجبهة الثورية. وانعكس ذلك في مناقشة زعماء القبيلة ضرورة العمل لإحلال السلام في إقليم دارفور وعدم دعم الحركات المسلحة التي وصفوها بالمهددة للأمن في المنطقة والعائقة للتعاون في الإقليم. هذا الوصف أثار حفيظة حركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان (جناح مناوي) بسبب هذا التدخل الذي وصفوه بالسافر في شأن داخلي وهو نزاع إقليم دارفور، واتهموا الرئيس ديبي بمساندته لحكومة البشير واعتبروه شريكا في الجرائم التي ارتكبت هناك مما يضعه في خانة المطالبين بالمحاكمة أمام الجنائية الدولية، مثله مثل الرئيس السودانى عمر البشير. ووفق البيان الذي وقعه رئيس حركة العدل والمساوة جبريل إبراهيم ومني أركو مناوي رئيس أحد فصائل حركة تحرير السودان، تم توجيه التهمة للرئيس التشادي بالتورط في جرائم التطهير العرقي والإبادة الجماعية في دارفور.

 

وباتفاق السودان وتشاد في هذا المؤتمر على وقف دعم الحركات المسلحة، وإنشاء قوة مسلحة تعمل على منع تسلل أفراد هذه الجماعات عبر حدود البلدين، تكون قد اجتمعت كلمتا الرئيسين ضد الحركات المتمردة في محاولة إصابتها بسهم القبيلة الذي لا يخطئ.

 

  • محصلة التقارب التشادي - السوداني

   لا شك أن التقارب قد عزّز الاستقرار في المنطقة. ففقدان الدعم الخارجي لكل من الجماعات المتمردة في تشاد ودارفور يقلل من التهديد المباشر بحدوث هجوم مسلح في أي من البلدين. ومن الإنجازات الرئيسية الناجمة عن التهدئة تخفيض وإضعاف المعارضة المسلحة التشادية إلى ما يقارب ال 1,000 مقاتل بحلول مطلع العام 2011 . وباتت الجماعات الرئيسية اليوم أكثر انقساماً من أي وقت مضى، بعد أن فقدت الجهة الوحيدة الداعمة لها، أي الحكومة السودانية.

  وكان للعوامل المحلية – خاصة العمليات الانتخابية - في كلا البلدين دور حاسم في تحويل توجّه الحكومتين نحو التقارب. كما أن التكاليف المرتبطة بالصراع بالوكالة، والمتزايدة جرّاء تقلّبات أسعار النفط، كانت مهمة بدورها. أيضا، ساهم عجز المتمردين في تشاد ودارفور عن توحيد صفوفهم في فشلهم في تأمين الدعم السياسي الخارجي ووقف الدعم المادي من كل من السودان وتشاد، على التوالي، في نهاية المطاف.

 إلا أنه وعلى الرغم من هذا التطور فى اتجاه الاستقرار، إلأ أنه لا حلول سياسية تلوح في الأفق، سواء بالنسبة للأزمة السياسية التشادية، أو للتمرد في دارفور، ممّا يشكّل أزمة كامنة قابلة للاشتعال فى أى وقت، والتسبب من جديد بأعمال عنف عامة. وفى هذا السياق تتعين الإشارة إلى أن تشاد كانت قد طردت حركة العدل والمساواة من أراضيها، غير أنه لم يتم نزع سلاح هذه الجماعة ولا تزال تتدبّر أمورها من خلال توسيع نطاق عملها وعمليات التجنيد التي تقوم بها – رغم فقدانها حليفها الآخر (نظام القذافي في ليبيا). في ذات الوقت ، خلّفت الحروب عدداً من المقاتلين الناقمين من كلا البلدين في المناطق الأقل استقراراً في المنطقة، خاصة في منطقة الحدود الثلاثية بين السودان وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى والمنطقة الحدودية المتنازع عليها بين شمال وجنوب السودان، مما يزيد من حالة عدم الاستقرار الحالية على الحدود السودانية - التشادية.     

دور تشاد في مكافحة الإرهاب في إفريقيا

 خلال السنوات القليلة الماضية، حققت تشاد وباعتراف قوى دولية نجاحات على المستوى الأمني، بفضل نشرها قوة حفظ سلام صارمة ونجاحاتها كشريك قوي في مكافحة الإرهاب في هذا الجزء المضطرب من إفريقيا. وبوصفها بلدا كبيرا يقع في قلب إفريقيا، حيث تقع تشاد في موقع استراتيجي مميز يمكنها من الشراكة مع فواعل إقليمية ودولية تسعى جميعها لمكافحة العديد من تهديدات المتطرفين والمتمردين عبر غرب ووسط إفريقيا.

 وقد ارتفعت أسهم تشاد على مستوى الأمن الإقليمي منذ العام 2013 عبر ترؤسها عددا من الكيانات متعددة الجوانب. حيث تمثل تشاد حاليا منطقة "وسط إفريقيا" في "مجلس السلم والأمن" التابع للاتحاد الإفريقي، وحشدت بنجاح مؤخرا من أجل حصولها على مقعد غير دائم في مجلس الأمن لمدة عامين انتهت بنهاية العام الماضي 2015. وبوصفها عضو مؤسس للمجموعة الاقتصادية لدول "وسط إفريقيا"، تولت تشاد الأمانة العامة للمجموعة منذ تأسيسها حتى الآن. أيضا، وطدت الحكومة التشادية أواصر جديدة للصلات مع "التجمع الاقتصادي لدول غرب إفريقيا" عبر عملياتها على الأرض، مستعرضة قوتها العسكرية في الاستجابة للإرهاب وعدم الاستقرار في الإقليم المجاور. وبسبب خبرتها القتالية القوية في منطقة الصحراء الإفريقية، نشط الجيش التشادي بشكل كثيف في مكافحة التنظيمات المتطرفة المرتبطة بالقاعدة شمالي مالي. حيث قاتل التشاديون جنبا إلى جنب والقوات الفرنسية بهدف وقف تقدم المتطرفين الجنوبيين باتجاه "باماكو" أوائل 2013، وساهمت الحكومة التشادية بما يقرب من ألفي عنصر مقاتل في القوة الدولية في مالي. وعندما حلت "بعثة الأمم المتحدة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي" محل القوة الدولية في يوليو 2013، ساهمت تشاد مرة أخرى في البعثة، لترسل حوالي 1100 من القوات. ورغم أن مهمة البعثتين الأولى كانت حفظ السلام، إلا أن البعثتين شهدت مواجهات مباشرة بين الجنود والمتطرفين، وكانت معظم الخسائر جراء هذه المواجهات من نصيب التشاديين. كذلك، تعاني تشاد مرة أخرى من خسائر في المعركة ضد بوكو حرام. وفى هذا السياق خسرت تشاد، حتى منتصف العام 2015، 71 جنديا وأصيب 416 آخرون في أقل من ثلاثة شهور من القتال في حوض بحيرة تشاد.

 وتعود قدرة تشاد على العمل في مالي جزئيا إلى استثمارات طويلة المدى في القوات المسلحة التشادية من جانب شركاء دوليون في مكافحة الإرهاب، مثل فرنسا والولايات المتحدة. حيث قدمت فرنسا دعما ماليا وعسكريا للرئيس ديبي طوال عقود، وعززت قاعدة عسكرية في "أنجمينا" منذ العام 1986. في أغسطس 2014، عندما أعادت الحكومة الفرنسية هيكلة استراتيجيتها في منطقة الساحل الإفريقي بعد تدخلها في مالي، أظهرت استمرار التزامها، واعتمادها على تشاد، بعسكرة قوات "عملية برخان" في "أنجمينا"، حتى على الرغم من أن نطاق العمليات الحقيقية سيكون غرب إفريقيا.

بالنسبة لواشنطن، كانت تشاد قاعدة الدعم الأمريكي الأخير لنيجيريا في قتالها ضد بوكو حرام والبحث عما يقرب من 230 شابة اختطفن من "تشيبوك" منتصف إبريل 2014. أيضا، كانت تشاد شريكا مركزيا لأكثر من عقد في مبادرات مثل "شراكة مكافحة الإرهاب عبر الصحراء الكبرى"، والتي تسعى من خلالها الولايات المتحدة إلى بناء قدرات وكفاءات إفريقية لمكافحة الإرهاب في الإقليم... فبين عامي 2009 و 2013، خصصت الولايات المتحدة حوالي 13 مليون دولار من تمويلات "شراكة مكافحة الإرهاب عبر الصحراء الكبرى" لتشاد. من خلال هذه الشراكة، قامت الولايات المتحدة بتدريب قوة نخبة مكافحة للإرهاب من الجيش التشادي، وهي القوة الإفريقية الوحيدة التي شاركت في التدخل الفرنسي في مالي أوائل 2013. وفي فبراير ومارس 2015، استضافت تشاد "تدريب فلينتلوك" وهو تدريب إقليمي لدول في منطقة الساحل الإفريقي بهدف مكافحة الإرهاب وبرعاية أمريكية. أيضا، فإن تركيبة الجيش التشادي المؤلف أساسا من عناصر من "قبيلة الزغاوة"، التي ينتمي إليها الرئيس إدريس ديبي، ساهمت في تماسك الجيش التشادي وضمان استمرار ولاؤه للرئيس ديبي وللنظام. ومن ثم نجاحه في مكافحة التهديدات الإرهابية. بالإضافة إلى خبرة القوات المسلحة التشادية في قمع جماعات التمرد التشادية، والتي كان لها أثر كبير في إمداد الجيش بالخبرة والكفاءة اللازمة والتي مكنته من ممارسة مهامه بنجاح في مالي.

 

 

 

 محفزات عدم الاستقرار في تشاد

  رغم جميع النجاحات السابقة في مجال مكافحة الإرهاب، هناك عددا من المؤشرات المثيرة للقلق والتي تشير إلى هشاشة الوضع الأمني في تشاد وتزايد احتمالات تفاقم الاضطراب في المستقبل.

   أولا؛ الفساد وسوء الأوضاع الاقتصادية؛ يثيران القلق بشأن استقرار الوضع في تشاد وقدرتها على الاستمرار في مكافحة الإرهاب والتهديدات الأمنية. فعلى الرغم من اكتشاف النفط هناك، والذي بدأت تشاد في تصديره بالفعل منذ 2003، فإن التوزيع غير العادل للثروة التشادية الجديدة يعني أن الحياة بالنسبة لمعظم التشاديين تظل شديدة الصعوبة. الفساد وسوء الإدارة – تحتل تشاد المركز 154 من 174 على مؤشر الشفافية الدولية- يعني استمرار ارتفاع معدلات البطالة ومحدودية النشاط التنموي هناك. تحتل تشاد على سبيل المثال، المرتبة رقم 184 من 187 بلدا على مؤشر التنمية الإنسانية عام 2014. استخدم الرئيس ديبي ثروة تشاد النفطية لتمويل الأمن الوطني على حساب مشروعات تنموية أخرى. حتى الآن، على الرغم من تعدد شراكاتها العسكرية، تتلقى تشاد دعما تنمويا أقل من جيرانها في منطقة الساحل مثل النيجر ومالي. في ظل هذا الوضع السياسي والاقتصادي السئ، ومع غياب أفق للتغيير من قلب النظام، قد يستلهم التشاديون الثورات التي اندلعت مؤخرا داخل القارة ويشعلون انتفاضتهم.

   ثانيا؛ تنامي ظاهرة الاحتجاجات؛ تتعزز الفرضية السابقة مع تزايد معدل الاحتجاجات في تشاد، خاصة احتجاجات الشباب، التي باتت ظاهرة شائعة بشكل متزايد في "أنجمينا" ومدن أصغر عبر أنحاء البلاد. على سبيل المثال، في مارس 2015، أدى فرض قانون يقضي بإلزام قائدي الدراجات البخارية بارتداء خوذات واقية، - مماثل للقانون الذي أشعل عنف بوكو حرام في نيجيريا في يوليو 2009- إلى إشعال موجة كثيفة من التظاهرات انتهت بوفاة اثنان وإغلاق المدارس العليا والجامعات هناك. في الوقت نفسه، تعزز التكنولوجيا الحديثة من حالة عدم الاستقرار. العام الماضي، انتشر فيديو للشرطة التشادية أثناء ضربها عددا من الطلاب، الأمر الذي تسبب في إشعال موجة من الغضب داخل المجتمع المدني هناك واستثار المعارضة. ويروج تشاديون حاليا لحملة عبر موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، تطالب بانتقال سياسي في تشاد عبر الانتخابات القادمة والمقرر إجراؤها في نوفمبر 2016.

 

 ثالثا؛ نشاط "بوكو حرام" أو "ولاية غرب إفريقيا" في تشاد؛ نفذت بوكو حرام أولى عملياتها في تشاد بعد وقت قصير من انضمام تشاد إلى "بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي". ورغم أن مستويات الإرهاب في تشاد ظلت منخفضة حتى العام 2014، حيث احتلت المرتبة 76 في مؤشر الإرهاب الدولي الأخير. إلا أن العملية العسكرية الممتدة ضد "بوكو حرام" في مالي ونيجيريا، والتي تحولت لتصبح "ولاية غرب إفريقيا" بعد بيعتها لداعش في 2015، كان من بين نتائجها تمدد عناصر ومقاتلي بوكو حرام خارج نطاق نيجيريا، وباتجاه تشاد والكاميرون والنيجر. وأضحت البلدان الثلاثة هدفا أكيدا لبوكو حرام. في فبراير 2015، هددت بوكو حرام باستهداف النيجر وتشاد عبر رسالة بثتها على حساب تابع لها على موقع تويتر. وتبعت التهديد بالتنفيذ، إذ نفذت سلسلة من الهجمات الانتحارية في حوض بحيرة تشاد وفي قلب عاصمتها "أنجمينا" في يونيو 2015، منها هجمتان انتحاريتان على أكاديمية الشرطة ومقرات تابعة للشرطة، أسفرت عن مقتل أكثر من 40 من عناصرها. ومن المهم هنا أن نشير أن "بوكو حرام" تعتمد على شبكة من المهربين القبليين في منطقة الحدود بين نيجيريا وتشاد، والتي يصعب السيطرة عليها. ويبدو أن "بوكو حرام" أو "ولاية غرب إفريقيا" وجدت تربة خصبة هناك لتجنيد الشباب التشاديين، على ضوء ما تقدم. ومن المتوقع أن تتوسع في استهداف التشاديين بالتجنيد وتوسيع نطاق العمليات في تشاد. وهناك تقارير تشير إلى أن الجماعة استطاعت بالفعل نقل عددا من الفتيات المختطفات من "تشيبوك" عبر الحدود من نيجيريا إلى تشاد

   الأمر الآخر والمهم، أن نطاق نشاطات بوكو حرام في نيجيريا يقع بالقرب من تشاد. إذ تقع "ميديغوري" معقل بوكو حرام في نيجيريا على مسافة 250 كم فقط من العاصمة التشادية "أنجمينا"، بينما تبعد "ميديغوري" عن العاصمة النيجيرية "أبوجا" بمسافة 800 كم، الأمر الذي يرفع من سقف مخاطر تمدد الإرهاب هناك إلى حد كبير.