المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

الرهانات الخاسرة للتدخل الغربي في ليبيا

الأحد , 16 يوليو 2017 - 04:46 مساءٍ

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

تراهن القوى الغربية المحتشدة لمكافحة داعش في ليبيا على أمرين:

أولا: أن هناك أفقا للتوافق على حكومة الوفاق الوطني الليبية، وأن بإمكانها بسط سيطرتها تدريجيا على ليبيا، بدعم من ميليشيات محلية. وبالتالي، تجد القوات الغربية المتدخلة عنوانا ليبيا للتفاهم والتنسيق معه.

ثانيا: أنها وعبر تقديم الدعم لشركاء محليين ستتمكن من تغيير طبيعة وأهداف ميليشيات محلية، تشكلت أساسا لأهداف قبلية وسياسية كي تصبح قوة محلية لمكافحة داعش على الأرض. وأن هذا الدعم يمكن أن يتطور ليصبح دعما عسكريا طويل المدى لفرض الاستقرار في ليبيا.

واقع الأمر أن مصير حكومة الوفاق الوطني لا يزال يحيطه الغموض. بل إن الإعلان عن تشكيل حكومة الوفاق الوطني في الثامن عشر من مارس الجاري، أوجد حالة واسعة من الانقسامات داخل الشارع الليبي، فبينما خرجت مظاهرات تعلن رفض ما اعتبروه "حكومة الأمم المتحدة" ،  خرجت مظاهرات أخرى لتأييد حكومة السراج. ووقعت صدامات بين الطرفين، الأمر الذي ينذر بتعميق أكبر للأزمة الليبية على خلفية هذه القضية.

أما بالنسبة للميليشيات الليبية، فإنها حتى الآن تبدو مترددة في قبول الدعم الغربي العلني لها بهدف مكافحة داعش، وأيضا في الدخول في مواجهة مباشرة مع قوات داعش في ليبيا. ولا تزال هذه الميليشيات معنية أساسا بالسيطرة على مناطقها الرئيسية... فمعظمها تأسس على أساس قبلي وجهوي مرتبط بنطاقات معينة داخل ليبيا لا يتعداها. وهي تخشى من أن يتسبب اشتباكها مع داعش فى إضعاف دفاعاتها ضد أعداءها التقليديين من ميليشيات أخرى. وحتى إذا ما تغيرت حسابات الميليشيات، على خلفية تصاعد تهديد داعش لها ولمواردها الاقتصادية النفطية (على نحو ما فعلت في يناير 2016، عندما نفذت سلسلة من الهجمات استهدفت قوة عسكرية بالقرب من مصراتة وأخذت في التحرك شرقا باتجاه ميناء "السدرة" ومصفاة رأس لانوف ) فإن الحد الأدنى من التنسيق والحوار اللازم لتوجيه استجابة مشتركة لتهديد داعش غير متوفر حاليا. ولهذا نقول، أن منهج التدخل الغربي القائم حاليا، والذي يعتمد أساسا على شركاء محليين، لن يؤدي إلى ردع داعش بقدر ما سيفضي إلى المزيد من تعميق للصراع الدموي الداخلي بين الأطراف في ليبيا، وتفكك أوصال النسيج الليبي أكثر فأكثر.

مصير حكومة الوفاق الوطني الليبية

لا يزال مصير حكومة الوفاق الوطني غير معلوم. فالحكومة التي سُمي رئيس وزراءها في يناير، وأُعلِن عن تشكيلها في فبراير من هذا العام، لم تتمكن من دخول طرابلس بعد. وتواجه انقسامات حادة بشأنها ما بين مؤيد ومعارض. ففي التاسع عشر من مارس الجارى، وقع صدام بين المئات من مؤيدي ومعارضي حكومة الوفاق الوطني في طرابلس. وكان تواجد "المصراتيون" بين صفوف مؤيدي الحكومة لافتا، على خلفية تاريخ طويل من الولاء للمجلس الوطني العام في طرابلس. وخلال الأيام القليلة الماضية، أعلنت عدد من ميليشيات مصراتة تأييدها لحكومة الوفاق. وطالبت رئيس الحكومة المتمركزة في طرابلس بالاستقالة وتسليم السلطة لرئيس وزراء حكومة الوفاق الوطني، فايز السراج. وتأتي هذه الخطوة من جانب ميليشيات مصراتة في الوقت الذي تُصّعِد فيه من تنسيقها مع الغرب. فخلال الأشهر القليلة الماضية، تلقت الميليشيات تدريبات من جانب وحدات عمليات خاصة أمريكية وبريطانية. وتراهن أطراف غربية على أن تأييد هذه الميليشيات للحكومة الجديدة سيلعب دورا مهما في نجاح تلك الحكومة.

وفى هذا السياق تفيد المعلومات بأن الميليشيات المؤيدة للسراج التفت حول الجنرال الأمريكي المعروف بالعقيد جون ضابط المخابرات الأمريكية ومدير شركة أمنية تعمل بمنطقة جنزور، أحد أحياء العاصمة طرابلس. كما بدأت وحدات عسكرية تابعة للمناطق العسكرية (طرابلس - مصراتة - المنطقة الغربية) تنطلق من ثكناتها ومعسكراتها استعدادا للتمركز في مواقع حيوية بالعاصمة طرابلس وما جاورها لتشكيل الطوق الأمني الثاني وفقا لإجراءات الترتيبات الأمنية المقترحة، وذلك تمهيدا لتأمين مباشرة أعمال (حكومة الوفاق الوطني) و(مجلس الدولة) من العاصمة طرابلس خلال الأيام القليلة القادمة.. وأنذرت هذه الوحدات غرفة عمليات ليبيا الرافضة لحكومة الوفاق أو أي جهات أخرى " تحاول الوقوف ضد حكومة الوفاق، بسحقها وإنهائها من الوجود في ظرف ساعات إذا ما فكرت (مجرد التفكير) في عرقلة مؤسسات الدولة الشرعية المنبثقة عن الاتفاق السياسي الليبي" بحسب زعمها.

ولكن المرجح أيضا أن المؤتمر الوطني العام لن يتخلى بسهولة عن سلطاته. ففي الأسبوع الماضي، أعلن السراج أن حكومة الوفاق الوطني ستتحرك من تونس لتتخذ من طرابلس مقرا لها. ومن أجل تعزيز الترتيبات الأمنية اللازمة لنقل الحكومة، وقع فايز السراج اتفاقا أمنيا مع ميليشيات محلية من مصراتة وطرابلس من أجل السماح لحكومة الوفاق الوطني بدخول طرابلس، وحماية وحراسة مقرات وأفراد حكومته هناك. ولكن رئيس المؤتمر الوطني العام، خليفة الغويل، هدد باعتقال جميع أعضاء حكومة الوحدة حال دخولهم المدينة، مدعوما بمجموعة أخرى من الميليشيات المحلية الموالية للمؤتمر الوطني والرافضة لحكومة الوحدة المُقترَحة. أما من جهة مجلس النواب، فلم ينجح حتى الآن في تمرير قانون الموافقة على تشكيل حكومة الوفاق، رغم توقيع 101 عضو من أعضاء البرلمان على وثيقة إعلان تأييد لحكومة الوفاق.

استمرار تدفق القوات الغربية إلى ليبيا

على الرغم من تعثر جهود التوافق على حكومة الوفاق الوطني الليبية المدعومة من الغرب، تجري الاستعدادات لتشكيل قوة دولية على قدم وساق. فإيطاليا، الولايات المتحدة، بريطانيا وفرنسا، ترسل المزيد والمزيد من القوات العسكرية إلى ليبيا. في السابق، أصر مسؤولون حكوميون وممثلون عن الأمم المتحدة أن إرسال القوات يتطلب دعوة رسمية من حكومة الوفاق الوطني. ولكن تراجع حظوظ حكومة الوفاق مهد السبيل أمام مقاربة عملية أكثر، تشمل زيادة في أعداد القوات الخاصة المُرسَلَة إلى ليبيا، تحديد شركاء محليين والتوافق معهم، تشكيل قوة مهمات استخباراتية، وتنفيذ ضربات جوية. ولكن من المتوقع أيضا أن تستمر الجيوش الغربية في التحرك هناك بحذر نظرا لتردد معظم الليبيين في السماح لجنود أجانب بالعمل فوق التراب الليبي.

تجدر الإشارة إلى أنه ومنذ عدة أسابيع، تنفذ حكومات غربية برامج تدريب بسيطة لميليشيات ليبية. تحديدا، عملت قوات وحدات خاصة من الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، إيطاليا وفرنسا سرا مع ميليشيات محلية من مصراتة وبنغازي. أيضا نفذت طائرات تابعة للقوات الجوية لكل من: الولايات المتحدة الامريكية، بريطانيا، فرنسا، مهمات استطلاعية عبر أنحاء ليبيا. وركزت هذه القوات على تقييم أداء مجموعة من الشركاء المحليين لهم على الأرض، مع تقديم معلومات استخباراتية وربما تزويدهم بالسلاح ومعدات اتصالات.

وكان من المفترض، منذ أواخر العام الماضي، أن تقود إيطاليا أية عملية دولية في ليبيا. فالأسبوع الماضي، أعلن قائد قوات العمليات الخاصة الأمريكية في إفريقيا، عن تأسيس مركز تنسيق في روما تابع لقوات تحالف مكافحة داعش في ليبيا. ومع ذلك، كثيرا ما أعلن مسؤولون إيطاليون، ومن بينهم رئيس الوزراء الإيطالي، ماتيو رينزي، عن إصرارهم على ألا ترسل إيطاليا قوات حتى تتلقى دعوة رسمية من الحكومة الليبية.

على النقيض من تصريحات رئيس الوزراء الإيطالي، أشار مسؤولون إيطاليون أنه وخلال الأسابيع الأخيرة أرسلت إيطاليا 40 عميلا سريا و50 من عناصر قوات خاصة إلى ليبيا. الأكثر من ذلك، أن السفير الأمريكي في إيطاليا قال في الرابع من مارس الجارى أن إيطاليا سترسل 5 آلاف من القوات إلى ليبيا، 3 آلاف سيكونون جزءا من قوة لحفظ السلام. وأضاف السفير أن إيطاليا ربما تقود العمل العسكري في ليبيا وتساعد الحكومة المعترف بها دوليا على تطوير هياكلها في ليبيا. إلا أنه قال أن الولايات المتحدة لا تتوقع أن تشارك إيطاليا في أعمال القصف. ويقال أن وكالة الاستخبارات الخارجية السرية الإيطالية AISE، تمارس عمليات مباشرة في ليبيا، وأن هناك نحو 12 عميلا من عملاءها يعملون بالفعل على الأرض هناك.

كذلك، بدأت عناصر تنفيذية عسكرية أمريكية في تقديم تدريب تكتيكي لميليشيات محلية مختارة، وذُكِر أنها تعمل مع وحدات قوات خاصة بريطانية في مصراتة. كذلك، ضربت الولايات المتحدة أهدافا استراتيجية لداعش، آخرها في "صبراتة" في التاسع عشر من فبراير الماضى، باستخدام طائرات إف 15 متمركزة في بريطانيا. جدير بالذكر، أن الطائرات الأمريكية التي تنفذ مهمات في ليبيا، غالبا ما تُقلِع إما من المملكة المتحدة أو قاعدة "سيغونيلا" الجوية شرق صقلية في إيطاليا، وهي القاعدة التي وافقت عليها إيطاليا بهدوء في فبراير. إلا أن مهمات القوات الأمريكية المتمركزة في إيطاليا تنحصر في مهمات دفاعية والبحث والإنقاذ.

بالنسبة للمملكة المتحدة، ذُكِرَ أن وحدات جوية خاصة تعمل على الأرض في ليبيا منذ شهور. وقيل أنها وصلت إلى قاعدة جمال عبد الناصر العسكرية جنوب طبرق، حيث تعمل مع فرق عمليات خاصة أمريكية وربما فرنسية. وهناك أيضا فرق حراسة (إم 16) تلتقي ومسؤولين ليبيين بخصوص الإمداد بالسلاح وتدريب ميليشيات لمواجهة داعش. وتخصص القوات الجوية البريطانية "طائرات حراسة من طراز Sentinel في قبرص لتنفيذ مهمات مراقبة حول سرت أيضا. وبموجب خطة تم الكشف عنها أواخر العام الماضي، ستقدم المملكة المتحدة للحكومة الليبية الجديدة ألفا من القوات لتكون ضمن القوة الدولية لمكافحة داعش.

أخيرا، حسب قيادي تابع لعملية الكرامة بقيادة الفريق خليفة حفتر، يتمركز 180 من الجنود الفرنسيون داخل قاعدة "بنينا" الجوية وحولها. أيضا، عبرت حاملة الطائرات الفرنسية، شارل دي جول" قناة السويس متوجهة إلى المياه قبالة الساحل الليبي، بهدف جمع معلومات والانخراط في المعركة إذا ما تطلب الأمر.

على الرغم من جميع هذه الاستعدادات، فإن غياب أفق لحل سياسي للأزمة في البلاد سيعقد المسألة. فحسب تقديرات غربية، تتطلب إلحاق هزيمة حاسمة بداعش في ليبيا، العمل مع شركاء محليين من غرب وشرق سرت معا وبتنسيق كبير بينهما. الوضع الآن، أن القوات الأمريكية والبريطانية تعمل مع ميليشيات مصراتة الموالية لتحالف فجر ليبيا، بينما تؤيد قوات فرنسا قوات حفتر في بنغازي. هذه الاستراتيجة مكنت المجتمع الدولي من تجنب الانحياز لأحد طرفي الصراع في ليبيا إلى حد كبير. ولكن التقدم باتجاه سرت سيدفع بالضرورة هذه الميليشيات الليبية المتناحرة إما إلى التنسيق – أو على الأرجح – التنافس والدخول في صدامات مسلحة. من دون حل سياسي، من الصعب رؤية كيف يمكن لجيوش غربية تقديم دعم عسكري على المدى البعيد لليبيا. فعند نقطة ما، سيكون من الصعب جدا تقديم الدعم لأيا من الجماعات المتناحرة لمكافحة داعش.