المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

موجة ثلاثية الأذرع.. فك اشتباك خيوط الإرهاب في تركيا

الأحد , 16 يوليو 2017 - 05:01 مساءٍ

الإرهاب في تركيا
الإرهاب في تركيا

تواجه تركيا اليوم في الداخل موجة إرهابية ثلاثية الأذرع. أعلنت عن نفسها بوضوح في مارس الجاري. وفي الوقت الذي توظف فيه الأذرع الثلاثة التكتيكات الإرهابية لتحقيق أهداف سياسية، فإن ممارساتها تتباين من حيث الشكل. الأمر الذي يجعل من الكشف عن هذه الأذرع ودراستها كل على حدة، أمرا ضروريا لتقدير حجم قدرات كل ذراع أو جماعة إرهابية وحجم التهديد الذي تمثله لتركيا.

 

بالنسبة للأذرع الداخلية، فقد أعلن أولها عن نفسه بوضوح في التاسع عشر من مارس الجارى، عندما فجر انتحاري نفسه وسط مجموعة من السائحين في شارع الاستقلال، إحدى مناطق التسوق الرئيسية في أسطنبول، ليقتل أربعة أشخاص ويصيب العشرات، من بينهم 24 أجنبيا. وقع الهجوم بالقرب من مكتب حكومي، وفي منطقة تضم مطاعم، مقاهي، وقنصليات أجنبية. وقد قالت السلطات التركية أن الانتحاري تركي ينتمي إلى فصيل داعش، وكان مطلوبا للمثول أمام السلطات قبل قيامه بالعملية الأخيرة. ولسوء الحظ تمكن من تنفيذ الهجوم قبل القبض عليه.

 

 وتتمثل الذراع الثانية في حركة "صقور حرية كردستان"، وهي جماعة مسلحة مرتبطة مباشرة بحزب العمال الكردستاني. أهدافها تتمثل في تحقيق الاستقلال أو الحكم الذاتي لمنطقة جنوب شرق تركيا. وفي الثالث عشر من مارس الجارى، فجرت حركة صقور حرية كردستان سيارة مفخخة في حي وسط أنقرة. مما أسفر عن مقتل 37 شخص. ويعد هذا الحادث ثاني أكبر تفجير في العاصمة التركية هذا العام.

 

 أما الذراع الثالثة فممثلة في "حزب جبهة التحرر الشعبي الثورية" الماركسي. هاجمت فتاتان من العناصر التنفيذية للحزب حافلة تابعة للشرطة بالأسلحة النارية وقنبلة يدوية، أثناء اقتراب الحافلة من قسم شرطة في أحد أحياء مدينة أسطنبول في الثالث من مارس الجاري. ونجحتا في إصابة ضابطان قبل أن تتم مواجهتهما وتلقيان مصرعهما على يدي الشرطة.

 

كيف تتطور التكتيكات الإرهابية؟

  الحوادث الإرهابية لا تقع وفقط . بل إنها تنتج عن عملية يمكن أن نسميها "دورة الهجوم الإرهابي". وفي الوقت الذي لابد فيه لكل الفواعل الإرهابية اتباع هذه الدورة لتنفيذ هجوم ما، فإن أسلوب التنفيذ يتباين من فاعل لآخر. وعن طريق دراسة الأساليب وطرق الإدارة الموظفَة من جانب جماعة ما والتركيز على كيفية تنفيذ الهجمات، من المحتمل اكتشاف أنماط إرهابية متمايزة. ويمكن استخدام هذه الأنماط للمساعدة على تحديد العنصر التنفيذي أو الجماعة المسؤولة عن هجوم ما. وتزداد أهمية هذا الأمر في حالة ما إذا لم تعلن أية جماعة أو تنظيم مسؤوليته عن حادث أو تم استخدام اسما مستعارا من قبل جماعة ما لتغطية نشاطها الإرهابي.

 

بالتأكيد هذه الأنماط والأساليب تتطور. ولكنها تتطور بشكل تدريجي وبطئ ولا تشهد طفرات كمية أو كيفية إلا فيما ندر. وهناك دائما مؤشرات تدل على تطور قدرات الجماعة يمكن للباحثين ورجال الأمن رصدها والتعامل معها. ولكن لسوء الحظ، من الممكن لجماعة ما القفز على عملية التقدم التدريجي عندما تتلقي دعما خارجيا وتدريبا من جماعة أو جهة ما باستخدام إمكانيات وتكتيكات أكثر تقدما. تاريخيا، حدث هذا برعاية "مؤسسات تتبع دول" مثل وكالة الاستخبارات السوفيتية  KGB، أو استخبارات ألمانيا الشرقية، أو برعاية تنظيم إرهابي أكثر خبرة مثل "الجيش الجمهوري الأبرلندي"، والذي قام بمهام تدريبية في لبنان، وليبيا واليمن حسبما ذكرت مصادر استخباراتية غربية. وخلال الأعوام الأخيرة، حدثت مثل هذه الطفرة في نيجيريا منتصف 2011 عندما تحولت جماعة "بوكو حرام" فجأة عن استخدام القنابل الصغيرة إلى توظيف تكتيك السيارات المفخخة بنجاح. وذلك بعد أن تلقى مسلحون نيجيريون تدريبات من القاعدة في المغرب الإسلامي وحركة الشباب فى الصومال.

 

داعش في تركيا

 توظف هجمات داعش في تركيا- في معظمها- تكتيكات بدائية غير متقدمة وتستهدف بالأساس أهدافا ناعمة يسهل الاعتداء عليها (مثل مدنيين، مناطق تسوق، أو محطات مترو) لا أهدافا صعبة (مثل منشآت عسكرية أو حكومية أو أهداف اقتصادية حيوية) تتطلب توظيف خطط وتكتيكات هجوم متقدمة وفرق تنفيذ أكثر عددا. في يناير 2015، فجرت شيشانية حامل أرملة لأحد مقاتلي داعش قنبلة يدوية على نقطة حراسة خارج قسم شرطة سياحة في حي السلطان أحمد بأسطنبول، لتقتل نفسها وضابط شرطة آخر. ليس واضحا ما إذا كانت الجماعة مسؤولة عن الهجوم أو أن السيدة خططت ونفذت الهجوم من تلقاء نفسها. ولكن في منتصف العام 2015، بدأت داعش بحرص، في تنظيم حملة من الهجمات على المصالح الكردية في تركيا، بهدف إثارة المزيد من التوترات الكردية / التركية. وفي يونيو 2015، استهدفت مسيرة لحزب الشعوب الديمقراطي الكردى بقنبلتين تم وضعهما بين الحشود في ديار بكر، وأسفر الحادث عن مقتل أربعة من أعضاء حزب الشعوب الديمقراطي وإصابة أكثر من مائة آخرين. وفي يوليو 2015، هاجم انتحاري تجمعا في أحد المراكز الثقافية الكردية في مدينة "سروج" شمال تركيا، لتقتل 33 وتصيب أكثر من مائة. ثم في أكتوبر 2015، استُهدِفَت مسيرة لحزب الشعوب الديمقراطي بتفجيرين انتحاريين لتقتل 103 وتصيب أكثر من 400 فيما اعتُبِر الهجوم الإرهابي الأشد دموية في تاريخ تركيا الحديث.

 

أما في عام 2016، فقد حولت داعش نطاق تركيزها بعيدا عن الأكراد لتركز على الأهداف السياحية. ففي الثاني عشر من يناير، هاجم انتحاري مجموعة من السائحين الأجانب بالقرب من المسجد الأزرق بحي السلطان أحمد في أسطنبول، ليسفر الحادث عن مقتل 13 شخصا – معظمهم سائحين ألمان – ويصيب تسعة آخرين. ويحاكي تفجير التاسع عشر من مارس الجاري في شارع الاستقلال هذا الحادث من حيث الهدف وأسلوب التنفيذ.

 

حتى تاريخه، استطاعت داعش استعراض قدرتها على الوصول لأهداف في أسطنبول وأنقرة. إلا أن أيا من هجمات داعش في تركيا لم يظهر مستوى متقدم من التخطيط وتوظيف التكتيكات الأصعب. في الغالب، يمكن إدراج هجمات داعش في تركيا ضمن هدف محاولة استعراض الجماعة قدراتها الإرهابية خارج نطاق مراكز عملياتها في سوريا والعراق وليبيا. ولم توظف حتى الآن في هجماتها في الخارج النمط نفسه من التكتيكات الإرهابية المتقدمة والعابرة للحدود التي توظفها في قلب مسرح عمليات داعش. ومثلما هو الحال في هجمات باريس في نوفمبر 2015، وهجمات بروكسل الأخيرة في 21 مارس الجاري، تستخدم الجماعة تكتيك الهجمات البسيطة ضد أهداف ناعمة سهلة.

 

 نسبيا تحقق هذه الهجمات البسيطة أهداف الجماعة في تركيا، ولكن الأزمات المركبة التي تعاني منها داعش حاليا قد تدفعها نحو التحول إلى تكتيكات أشد فتكا مثل "الهجمات المسلحة" من أجل حصد المزيد من الأرواح وإحداث تأثير أكبر. والأرجح، أن الجماعة ستطور طرق مراقبة واستطلاع أكثر تقدما بهدف التحول نحو الهجوم على أهداف أشد تحصينا في مناطق لا تتمتع فيها بقواعد شعبية مثل أنقرة وأسطنبول. ومع ذلك، وبالنظر إلى النجاح الذي حققته داعش في حملتها ضد الأجانب في تركيا، وسهولة استهدافهم، وأيضا صعوبة تأمين أهداف واسعة ومفتوحة مثل المناطق السياحية، يمكننا التنبؤ بوقوع المزيد من الهجمات الإرهابية التي تنفذها داعش ضد مواقع تجمعات الأجانب، مثل الأماكن السياحية، المطاعم، الفنادق، خلال الفترة القادمة.  مع ملاحظة أنها قد تزاوج – أى داعش -  بين تكتيك التفجيرات الانتحارية والهجمات المسلحة فيما يلي من حوادث.   

 

حزب العمال الكردستاني ووكلاؤه

حركة صقور تحرير كردستان

هناك قدر من الغموض محيط بالعلاقة بين حزب العمال الكردستاني وحركة صقور تحرير كردستان. فبينما يزعم بعض المراقبين أن "حركة صقور تحرير كردستان" هي فرع منشق عن حزب العمال. يؤكد البعض أنه وحدة عسكرية تابعة لحزب العمال، تستخدم اسما آخر كي تجنب الحزب تحمل تبعات أفعالها بقدر الإمكان. وتشير مجموعة أخرى إلى أنها وحدة مستقلة تتبنى الفلسفة العامة لحزب العمال الكردستاني ولكنها لا تعمل بتوجيهات مباشرة منه. وترجح بعض المصادر الاستخباراتية كون الحركة وحدة تابعة للحزب، تتمتع بقدر من الاستقلالية في العمل، وتنعم قياداتها التنفيذية بحرية اختيار الهدف والتوقيت والتكتيك المناسب للعمليات. في الوقت الذي تلتزم فيه بتوجيهات حزب العمال فيما يخص السياسة العامة والأهداف. رغم إعلان الحركة أنها جماعة منفصلة عن حزب العمال. والشاهد على هذا ارتباط سلوك الحركة بسلوك الحزب فيما يخص التهدئة أو استئناف القتال. فقد أوقفت الحركة هجماتها قبل إعلان وقف إطلاق النار في مارس 2013، وعادت واستأنفت هجماتها بعد وقت قصير من انتهاء التهدئة في نوفمبر 2015.

 

فى حين لو كانت حركة صقور تحرير كردستان فرعا متطرفا ومنشقا عن حزب العمال الكردستاني، لكانت نفذت هجمات بعد إعلان الحزب وقف إطلاق النار من جانب واحد في 2013.

 

بدأت الحركة نشاطها بسلسلة من هجمات ذات مستوى منخفض ضد مواقع سياحية على امتداد بحر إيجا في 2005-2006. وخلافا لهجمات داعش الأخيرة في أسطنبول، كانت هذه الهجمات تهدف إلى تخويف السائحين وتدمير الاقتصاد التركي أكثر من حصد الكثير من الأرواح. في 2008، غيرت الحركة نطاق عملياتها لتستهدف أسطنبول، بهجوم مروع. وتسبب أول هجوم إرهابي للحركة في أسطنبول في أكتوبر 2008 في قتل 17 شخصا وإصابة أكثر من 150 آخرين. وفي أكتوبر 2010، بدأت سلسلة من التفجيرات الانتحارية في أنقرة، مستهدفة قوات الأمن والشرطة. وكما أشرنا من قبل، ترتبط عمليات حركة صقور تحرير كردستان بشكل وثيق واتجاهات حزب العمال الكردستاني. وعندما تفاوض حزب العمال مع الحكومة، معلنا عن وقف إطلاق النار في 2013، أنهت الحركة عملياتها.

 

ولكن يبدو أن فترة توقف الحركة شهدت نشاطا آخر في اتجاه تطوير القدرة العملياتية لها. فقد أعلنت الجماعة عن استئناف عملياتها في ديسمبر 2015، بهجوم بالقذائف على مطار "صبيحة كوجن" الدولي شرق أسطنبول. وقد أسفر الحادث عن مصرع أحد عمال المطار وتدمير العديد من الطائرات. وفي فبراير من هذا العام، استهدفت الحركة حافلة نقل عسكرية بالقرب من مجمع سكن عسكري في أنقرة بسيارة يقودها انتحاري، وأسفر الحادث عن قتل 29 وإصابة عشرات آخرين.

 

   ثم، في الثالث عشر من مارس، نفذت الحركة تفجيرا انتحاريا آخر بواسطة سيارة ضد حافلة، بالقرب من موقف سيارات في قلب أنقرة. وقد أسفر الحادث عن مقتل 37 وإصابة أكثر من 120 آخرين. وقد جاء في بيان أعلنت فيه حركة صقور تحرير كردستان مسؤوليتها عن الحادث أن الهجوم كان يستهدف قوات الأمن وليس المدنيين. وقد يكون ما ذكرته الحركة صحيحا بالنظر إلى تاريخ الحركة وحزب العمال الطويل في تركيز هجماتهما على قوات الأمن. إلا أن العمليات العسكرية التركية الأخيرة ضد حزب العمال الكردستاني جنوب شرق تركيا كانت شديدة الوطأة، وأسفرت عن وفاة عدد من المدنيين. ولهذا من المحتمل أن الحركة كانت تثأر لمقتل مدنيين أكراد. وفى هذا السياق يتعين ملاحظة أنه ليس لهاتان الجماعتان الكرديتان مصلحة حقيقية في استهداف الأجانب، بل بالفعل، تحاولان استقطاب الدعم الخارجي للضغط على تركيا كي توقف حملتها ضدهما.

ويبدو أن الحركة تملك قدرات تخطيطية ولوجستية متقدمة. ولذلك، من المتوقع أن تنفذ المزيد من الهجمات ضد قوات الأمن في أنقرة وغيرها. والمشكلة، أن حرية الحركة الممنوحة لقيادات الحركة تجعل من الصعب التنبؤ بعملياتها أو تتبع عناصرها ومنع وقوع هجمات. كذلك، فإن اعتماد الحركة على "السيارات المفخخة" تفرض على وحدات الأمن والاستخبارات مراقبة عدد غير محدود من السيارات المشتبه فيها، بطول البلاد وعرضها.

 

حزب العمال الكردستاني يدخل حرب الطاقة بين روسيا وتركيا

افتتح حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري المصنف كتنظيم إرهابي في تركيا، الشهر الماضي أو مكتب تمثيلي له في الخارج في العاصمة الروسية، موسكو. وبحسبما قال أحد المتحدثين عن الحزب فإن "هذه تمثل لحظة تاريخية للشعب الكردي". و"أن روسيا ليست قوة كبيرة وفاعلا رئيسيا في الشرق الأوسط، ولكنها أيضا أحد صناع الحاضر والمستقبل هنا."

 

   ويحتل الاتحاد الديمقراطي – أحد فروع حزب العمال الكردستاني، مكانة أعلى على قائمة التنظيمات الإرهابية في تركيا، ربما من تنظيمات أخرى عاملة في تركيا. وقد دخل الحزب حرب الطاقة ضد تركيا في أعقاب تحول تركيا باتجاه البحث عن مصادر طاقة بديلة عن النفط الروسي. فبعد أزمة إسقاط الطائرة الروسية في سوريا في الرابع والعشرين من نوفمبر الماضي، تحرك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومساعدوه باتجاه تسريع وتيرة مشروعات تقلل من اعتماد تركيا على الغاز الطبيعي الروسي. وتمد روسيا تركيا بحوالي 55% من استهلاكها للغاز، وتعد تركيا ثاني أكبر مشتري للغاز الروسي بعد ألمانيا.

 

   وكان البديل السريع الوحيد متمثلا في حقول الغاز الغنية في كردستان العراق. وبدأت أنقرة بالفعل في مشروع لبناء خط أنابيب يصل بين حقول الغاز في كردستان وتركيا، على أن يبدأ تدفق الغاز في 2019. ويقول الخبراء أن الخط سيمد تركيا في البداية ب 10 بليون متر مكعب سنويا، ثم سيتضاعف في وقت قصير إلى 20 بليون متر مكعب سنويا. ويعد العام 2019، توقيتا مثاليا بالنسبة لتركيا، إذ تنتهي تعاقدات الغاز الرئيسية مع روسيا في 2020، ومنها اتفاق "التيار الأزرق" لإمداد تركيا ب 16 بليون متر مكعب من الغاز ونصف تعاقدات "الممر الغربي" التي تغطي 4 بليون متر مكعب. باختصار، إذا ما مضى كل شئ كما هو مخطط له، تأمل أنقرة في التخلص من احتياجها لبوتن خلال سنوات معدودة.

 

   شمرت تركيا عن ساعديها سريعا، لتجمع عروضا تخص القسم التركي من خط الغاز في التاسع من فبراير. وفي مصادفة مثيرة للاهتمام، تم افتتاح مكتب حزب الاتحاد الديمقراطي في موسكو في اليوم التالي مباشرة في احتفال كبير. وبعدها بأسبوع، أعلن المجلس التنفيذي لحزب العمال الكردستاني، أنه لن يسمح بالبدء في مشروع خط الغاز. وحتى يثبت جديته، أقدم مسلحون تابعون لحزب العمال الكردستاني في السابع عشر من فبراير 2016 على تفجير القسم التركي من خط النفط الذي يشحن خام النفط العراقي والمردي إلى ميناء كيهان التركي على ساحل المتوسط. وظل الممر، الذي يحمل 600 ألف برميل من النفط يوميا، مغلقا لمدة 23 يوما.

 

   جدير بالذكر أن هذا لم يكن الهجوم الأول على هذا الخط، ففي يوليو الماضي، فجر حزب العمال الكردستاني الخط، الأمر الذي أدى إلى توقف الصادرات لمدة 21 يوما. ويبدو أن هذه التفجيرات تندرج ضمن إطار استراتيجية محسوبة لحزب العمال، تهدف إلى إحباط طموح تركيا كي تصبح مرفأ دولي للطاقة. وأن زيادة هذه الهجمات إما ستدفع المستثمرين بعيدا عن تنفيذ مشروعات مع تركيا أو عبرها، أو ترفه من التكلفة المالية لهذه المشروعات فوق التقديرات المتوقعة.

 

وبما أن حكومة كردستان العراق تحتاج إلى تسويق مواردها من النفط والغاز الطبيعي، فلن يكون أمامها في وقت قريب إلا خيارين: إما الاتفاق مع حزب العمال الكردستاني أو البحث عن طرق أخرى لتصدير مواردها بعيدا عن تركيا. وقد تكون إيران هي البديل الأقرب. وبالفعل، أعلنت طهران منتصف مارس الجاري أنها قدمت لحكومة كردستان العراق خط جديد عن طريق إيران لتصدير صادراتها من النفط بأمان.

   في الوقت نفسه، استهدف حزب العمال الكردستاني مشروعا آخر للطاقة  - خط الغاز الطبيعي العابر للأناضول – المصمم لنقل غاز بحر قزوين إلى أوروبا عبر تركيا. ومن المنتظر أن يحمل هذا الخط 36 بليون متر مكعب من الغاز سنويا، 21 بليون متر مكعب منها ستذهب إلى دول أوروبية. وكان العمل في هذا الخط قد بدأ قبل عام، وفي 30 يوليو الماضي، هاجم حزب العمال الكردستاني قطار كان يحمل مواد بناء لموقع المشروع. كذلك، استهدف حزب العمال الكردتستاني الخط الذي ينقل 6 بليون متر مكعب من الغاز الأذربيجاني إلى تركيا، مرتان، أدتا إلى توقف تدفق الغاز لمدة 13 يوما.

 

   والواقع، أن الانقسام بين تركيا وروسيا أفاد حزب العمال الكردستاني في معركته ضد الحكومة التركية. فلطالما صارعت قيادة الحزب من أجل استقطاب المزيد من الدعم الروسي. فجاءت حادثة الطائرة الروسية لتمنحها هذه الفرصة على طبق من فضة. أما بالنسبة لروسيا، فلديها مصلحة أكيدة في الاحتفاظ باعتماد تركيا عليها كمصدر رئيس للغاز الطبيعي. إذ تأتي نصف الموازنة العامة لروسيا تقريبا من مبيعات النفط والغاز. كذلك، فإنها غير راضية عن مشروعات نقل الغاز من بحر قزوين وشمال العراق، لأنها ستحد من نفوذها على تركيا والاتحاد الأوروبي. ولذلك، لم تتورع روسيا عن الاتصال مباشرة بقوى يمكنها إفساد هذه المشروعات – أعني القوى الكردية.

 

   ويعتمد ما إذا كانت تركيا ستنجح في كبح هذه التهديدات لمشروعات الطاقة، على تطور مشكلة حزب العمال الكردستاني في تركيا. وبالنظر إلى دخول البلاد في حالة صدام مفتوح مع حزب العمال، فمن المتوقع أن يستمر الحزب في استهداف مشروعات خطوط الغاز الأمر الذي يعني المزيد من الأزمة الاقتصادية في تركيا، وتدفق المزيد من الأموال على الخزائن الروسية.

   وفي الأخير، يبدو أن تحول حزب العمال الكردستاني، إلى تنظيم "مظلي" يضم عددا من الأفرع والوكلاء، وتحوله إلى وكيل محلي لقوة دولية- بالنظر إلى قضية الغاز على الأقل- يدفع أنقرة باتجاه التفكير في منهج جديد للتعامل مع هذه الموجة الإرهابية الجديدة. وهناك تقارير تشير إلى أن أنقرة ستشكل وحدة مهمات خاصة لا تتبع النظام الهرمي البيروقراطي في العمل وتلقي الأوامر، وتعمل في كافة أنحاء البلاد بدعم كامل من كافة أجهزة الدولة. ومن المتوقع أن تعلن أنقرة عن استراتيجية شاملة ومتكاملة لمكافحة مثل هذه الهجمات.  

 

حزب جبهة التحرر الشعبي الثورية الماركسي

   يمكن أن نعزو انتماء حزب جبهة التحرر الشعبي الثورية إلى اليسار الثوري القديم الذي يخوض قتالا والحكومة التركية منذ السبعينيات. ولكن على الرغم من هذا التاريخ الطويل والعنف، يمكن القول أن طموح حزب جبهة التحرر الشعبي أكبر من قدراته. منذ العام 2000، نفذ الحزب حوالي عشر هجمات إرهابية ناجحة بتكتيكات مختلفة تتراوح ما بين الهجمات المسلحة، التفجيرات الانتحارية والاغتيالات. بينما تم إحباط الكثير من محاولات الحزب لتنفيذ هجمات، ومنها هجوم في مايو 2003، حينما فجر انتحاري تابع للحزب أداته عن طريق الخطأ في غرفته. كذلك، كانت الجماعة وراء التفجير الانتحاري الفاشل في فبراير 2013 ضد السفارة الأمريكية في أنقرة.

 

وعلى الرغم من تواضع قدرات الحزب، فإنه قادر على البقاء والصمود والاستمرار في تنفيذ العمليات.  ويركز حزب جبهة التحرر الشعبي على استهداف الحكومة التركية والمنشآت الدبلوماسية الأمريكية. ففي أغسطس 2015، استخدم الحزب تكتيك تفخيخ السيارات والهجوم المسلح ضد قسم شرطة في حي "سلطان بيلي" بأسطنبول، أسفر عن مقتل ضابط شرطة. وفي اليوم نفسه، حاول اثنان من عناصر الحزب تنفيذ هجوم مسلح على القنصلية الأمريكية في أسطنبول.

 

 ربما استلهم هجوم الثالث من مارس ضد حافلة الشرطة في أسطنبول الهجوم الذي نفذته حركة صقور تحرير كردستان في فبراير، ولكن تنفيذ الهجوم يحمل آثار حزب جبهة التحرر الشعبي الثورية. أظهرت صور كاميرا مراقبة أن الفتاتان اللتان نفذتا الهجوم كانتا تجدان صعوبة في حمل الأسلحة. وأيضا، لم تنفجر القنبلة التي ألقتاها على الحافلة. ونظرا لهذا الضعف العملياتي، لم يسفر الهجوم إلا عن إصابة ضابطان فقط.

 

وعلى الرغم من تباين الجماعات الإرهابية من حيث القدرات، الدوافع وأساليب التنفيذ، فإنها جميعا فتاكة، ولها قواعدها في الداخل التركي، ويمكن توقع استمرارها في استهداف الأهداف الناعمة السهلة في تركيا خلال المستقبل المنظور. وبينما تتمتع حركة صقور تحرير كردستان بوضع أفضل من حيث حرية الحركة والقدرة والكفاءة، تتجه داعش نحو تطوير قدراتها على العمل داخل تركيا واستهداف الأجانب بشكل أكبر.