المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

ربما يستعيد معه بعض فصول الحرب الأهلية.. لبنان.. من التوازن الهش إلى حافة الانفجار

الاثنين , 17 يوليو 2017 - 12:57 مساءٍ

العلم اللبناني
العلم اللبناني

الديناميكيات التي يشهدها لبنان اليوم تشبه (على نحو غريب) تلك التي سبقت الحرب الأهلية، وشبكة الأمان الإقليمية ،التي توفرت للبنان على مدار السنوات الخمس الماضية، باتت "مثقوبة"، وما لم تنجح الأطراف الدولية والإقليمية في وقف مفاعيل الأزمة الراهنة، ومحاصرة ارتداداتها السلبية (بعد قرار المملكة العربية السعودية بتعليق منحة تسليح الجيش اللبناني، وكذلك القرارين الخليجي والعربي باعتبار حزب الله منظمة إرهابية) عبر تسوية سياسية، فالأرجح أن لبنان سيكون مقبلا على انفجار كبير، ربما يستعيد معه بعض فصول الحرب الأهلية.

 

لبنان في ظل تغير الديناميكيات:

طيلة السنوات الخمس الماضية، ظلت قبول الحرب في سوريا، تقرع أيضا في لبنان... لكن لبنان نجح في تفادي الانزلاق في المستنقع السوري، برغم انقسام اللبنانيين الحاد بين داعم للنظام السوري ومؤيد للمعارضة.

 

  • شرطان للتوازن الهش: ساعد لبنان على ذلك عاملان رئيسان: الأول، اتفاق مُضمر بين اللبنانيين بعدم الاقتتال على الأرض اللبنانية، والانتقال بدلاً عن ذلك، لمواجهة بعضهم البعض في سوريا.. التيار الداعم للنظام (حزب الله) جاهر بانخراطه النشط في المعارك والجبهات الممتدة من درعا حتى حلب، ومن دمشق إلى القلمون... والتيار المناهض للنظام السوري، بدأ مبكراً بالتعبير عن غضبه إزاء تورط فصيل (من المفترض أنه لبناني) في صراع عبر الحدود، محذرا من مغبة ذلك وتداعياته على أمن لبنان. لكن في ذات الوقت لم يقم جديا بمنع تهريب السلاح والمال و"السلفيين الجهاديين" إلى فصائل سورية معارضة.

أما العامل الثاني الذي مكّن اللبنانيين من تفادي الأسوأ، والمقامرة بـ "عودة الحرب الأهلية" فقد تمثل أساساً في وجود "شبكة أمان إقليمية – دولية " للبنان، تمنع انزلاقه إلى أتون الحرب السورية، حيث بدا أن ثمة توافقاً إقليمياً، مدعوم دولياً، على تجنيب لبنان خطر "الانفجار الكبير" ... وجرى ضمنياً القبول بالمعادلة التي توصل إليها اللبنانيون: لكل فريق الحق في التعبير عن انحيازاته الإقليمية في الصراع المحتدم بين محوري طهران والرياض.

 

ولاستكمال شروط "عدم السقوط في قعر الهاوية السورية"، والنأي به عن هذه المحاور، وتردد شعار "النأي بالنفس" على كل لسان، وهو شعار ينطبق فقط على المواقف الرسمية، التي تصدر عن الحكومة والدولة اللبنانيتين، ولا يحجب حق كل فريق في التعبير عن مواقفه الداعمة لحلفائه الإقليميين، وترتب على هذه المعادلة، ظهور مبادرات تقترح تدعيم الجيش وأجهزة الأمن اللبنانية، باعتبارها فوق الانقسامات المذهبية والطائفية المحلية، ورمز قوة الدولة ومنعتها، ووسيلة لتعزيز حضورها ومنع "التغوّل" عليها.. وفي هذا السياق جاءت المبادرات السعودية لتسليح الجيش ومنحة الثلاثة مليارات دولار.. حيث اتخذ ذلك القرار في ديسمبر 2013، وتبعه (في أغسطس 2014) قرار آخر بمنح الأجهزة الأمنية (قوى الأمن الداخلي – الأمن العام – أمن الدولة) مليار رابع.

 

لكنها اليوم – أي المملكة - تتراجع  عن قراراتها، والسبب المعلن بحسب الحكومة السعودية "مواقف لبنانيّة مناهضة لها على المنابر العربيّة والإقليميّة والدوليّة، في ظلّ مصادرة حزب الله لإرادة الدولة"، في إشارة إلى موقف لبنان المتحفّظ الذي عبّر عنه وزير الخارجيّة جبران باسيل( من التيّار الوطنيّ الحر، حليف حزب الله) خلال مشاركته في اجتماع وزراء الخارجيّة العرب في القاهرة في 10 يناير 2016.

 

ب-تجاوز الشرط الإقليمى :  مع تصاعد الأزمة، وتواصل انتقادات ( وبالأحرى تطاول) الأمين العام لحزب الله حس نصر الله، للقيادة السعودية ومواقف دول الخليج، قرّرت دول مجلس التعاون الخليجي اعتبار " حزب الله بكافة قادته والتنظيمات المنبثقة عنه" منظمة إرهابية. وتلت ذلك إدانة شبه جماعية للحزب من قبل وزراء الداخلية العرب المجتمعين في تونس فى الأول من مارس الجارى، وتوصيفهم له بالإرهابي.


القرار خطير بكل المقاييس ويفتح العديد من الاحتمالات فيما يتعلّق بلبنان والمشرق العربيّ عموماً، كما أنه نقلة توازي في وزنها قرار دخول دول الخليج العربيّ الحرب في اليمن ضد الحوثيين، أو هي بالأحرى استكمال لذلك القرار، ونقل للمواجهة المباشرة مع إيران وحلفائها في اليمن إلى الساحة اللبنانية.


بحسب الإعلام والدوائر المرتبطة بالمملكة العربية السعودية، يرتبط القرار، على المستوى اللبناني، بنفاد صبر السعودية ودول الخليج العربيّ من تعطيل "حزب الله" للدولة اللبنانية من خلال منعه المتكرّر لانتخاب رئيس للبنان، رغم تراجع السعودية عن ترشيح حليفها في تيّار "14 آذار"، سمير جعجع، قائد حزب "القوّات اللبنانية"، وقبوله مرشح محسوب على تيار "حزب الله" بل ومقرّب من النظام السوري هو سليمان فرنجية.

 

اللبنانيون، وعلى طريقتهم المعروفة، حاولوا امتصاص موجة الغضب والضغط السعودية.. خرجوا ببيان حكومي أقرب للاعتذار، لم تقبل به الرياض، وشرع الفريق المؤيد لها في جمع عرائض الامتنان المليونية، وصدر سيل من التصريحات المؤيدة والمثمنة والشاكرة للمملكة، ولكن من دون جدوى ... الرياض( ومن وراءها دول الخليج) قررت التلويح بسيف العقوبات الجماعية ضد مؤسسات الدولة وجهازها المصرفي والعاملين اللبنانيين في الخليج... فالأنباء تتحدث عن أنّ المملكة العربيّة السعوديّة أصدرت قراراً بإلغاء إقامات أكثر من ألف لبنانيّ، معظمهم من الطائفة الشيعيّة والمسيحيّين، وهذا ما يتطابق مع ما جاء في اكثر من وسيلة اعلامية لبنانية. كذلك، سيطال القرار السعودي أكثر من 250 شركة لبنانيّة تعمل في السعوديّة لتصفية أعمالها خلال 3 أشهر مع الاشارة الى ان السعودية قد أبلغت 90 عائلة بترحليها وصنفت أربع شركات على لائحة الارهاب لعلاقاتها مع حزب الله. وهنا لا بد من الاشارة الى موقف السفير السعودي لدى لبنان "علي عواض عسيري" الذي ربط عدم ترحيل لبنانيين بإجراءات الحكومة اللبنانية داعيا اياها في مقابلة مع وكالة "فرانس برس" إلى معالجة الأخطاء التي ارتكبتها "جهة معينة في الحكومة اللبنانية" تجاه بلاده، "بحكمة وشجاعة".

هذه الإجراءات المتخذة  وغيرها أثارت انقساماً حاداً في لبنان، وخلق "هزة سياسية" لا يبدو أن ارتداداتها ستتوقف قريباً.

 

محددات حاكمة لمسار الأزمة :

 أية محاولة للإجابة على السؤال المتعلق بمآلات الأزمة الراهنة، التى تكاد تعصف بلبنان، لا بد أن تأخذ بعين الإعتبار مواقف ثلاثة أطراف أساسية: 

  • القوى السياسية المحلية فى لبنان، خاصة قوى 14 آزار التى وإن كانت تناصب حزب الله العداء، إلا أنها فى ذات الوقت تتحسب من أن تؤدى الإجراءات والتدابير المتخذة إقليميا فى سياق الحرب على حزب الله ، إلى انزلاق الساحة اللبنانية إلى أتون الاحتراب الداخلى.
  • سقف المطالب السعودية، ومن ورائها دول مجلس التعاون الخليجى، المراد تحصيلها من وراء هذا الضغط على حزب الله. وفى هذا السياق يتعين لفت الإنتباه إلى أن هناك فرق كبير بين شد أطراف المعادلة السياسية فى الداخل اللبنانى، واعتصار حزب الله بغية وقف تغوله على مؤسسات الدولة اللبنانية، والحيلولة دون أن تتحول الدولة اللبنانية إلى ساحة خلفية للنفوذ الإيرانى، من خلال ضمان أن تكون للمملكة العربية السعودية وحلفائها فى داخل لبنان، اليد العليا فى اختيار رئيس الدولة وكذلك رئيس الوزراء ( وهذا الهدف يدخل ضمن الممكنات وليس المستحيلات). وبين أن يكون الهدف، من وراء الضغوط الراهنة، كسب تأييد " لبنان الدولةوضمان انحيازه لمحور معين، وهى مهمة تبدو مستحيلة في ظل توازن القوى الحساس في البلد الموزع على الطوائف والمذاهب والمحاور... بعبارة أخرى، هناك فرق كبير بين أن تسعى السعودية إلى تأمين "حصتها من اللبنايين" ومنع التغول عليها، وبين السعى إلى إخراج حزب الله من مؤسسات الدولة اللبنانية بالكلية.
  • مواقف القوى الدولية، وتحديدا الولايات المتحدة والإتحاد الأوربي، في ظلّ القرار القائم بالمحافظة على استقرار لبنان لأسباب عدّة، أوّلها الحفاظ على بيئة آمنة لمليون ونصف نازح سوريّ الموجودين في لبنان، كي لا يضطرّوا إلى النزوح مجدّداً... لأنّ وجهتهم هذه المرّة ستكون أوروبّا، ومن بعدها أميركا.

 

أولا: خصوصية النظام السياسي اللبناني

 كرّست المعادلة المستحدثة عام 1989 "اتفاق الطائف" لوضع حدّ للحرب الأهلية التي عصفت بالبلاد منذ العام 1975، البعد الطائفي التوافقي للنظام السياسي اللبناني. وينظم هذا الاتفاق كيفية اقتسام السلطة بين المجموعات الإسلامية والمسيحية المختلفة التي تشكّل النسيج السياسي الطائفي للبلاد. ففي ظل هذا الاتفاق، يتم اقتسام أهم المناصب السياسية حسب الديانة؛ حيث يحظى المسيحيون الموارنة بمنصب الرئيس، ويحتفظ السنة بمنصب رئيس الوزراء، ويحصل الشيعة على منصب رئيس مجلس النواب. ورغم أن هذا النظام لا يقدم حلاً لجميع القضايا، ولا يحقق متطلبات وتوقعات جميع الأطراف، إلا أنه استطاع أن يحقق التوازن السياسي نوعًا ما، من خلال بقاء جميع الأطراف غير راضية بطريقة ما أيضا.

من ناحية أخرى، تلعب الطائفة المسيحية اللبنانية دوراً مهماً بصفتها عازل بين الطائفتين السنّية والشيعية؛ وجزءٌ من هذا الدور يعود إلى العامل الجغرافي. فعلى طول الساحل، تتواجد الجماعات السنّية المسلحة بشكل رئيس في الشمال، في حين أن الجماعات المسلحة الشيعية موجودة في بيروت والجنوب. ولعل ما يمنع حدوث مواجهات مباشرة بين الطائفتين هو وجود منطقة مسيحية واسعة تمتد من جنوب طرابلس مباشرة وصولاً إلى شرق بيروت. والعامل الآخر من هذا الدور سياسي، إذ يتولى مسيحيان منصبَي رئيس الجمهورية وقائد الجيش وهما موقعان يتّسمان بأهمية كبيرة في النظام اللبناني، الأمر الذي ساعد الأجهزة السياسية والأمنية للدولة على الحفاظ على موقع وسط في ظل تصاعد التوتر بين السنة والشيعة.

 

* السلام الداخلي البارد:

يعيد الوضع الراهن، فى لبنان، إلى الأذهان أوجه شبه مثيرة للقلق مع الفترة التي سبقت الحرب الأهلية في أواخر ستينيات القرن العشرين ومطلع سبعينياته.

الملمح البارز في هذه المقارنة التاريخية هو وجود مجموعات مسلّحة تعمل بشكل شبه مستقل في قضية هى مبعث انقسام ومرتبطة بصراع إقليمي. عشية الحرب الأهلية، ورغم وجود فصائل أصغر كانت تلعب دوراً معطاً، فإن المجموعة الرئيسية حينذاك كانت منظمة التحرير الفلسطينية. أما معادلها في أيامنا فيتمثل في حزب لله.

لقد أحدث الصراع في سورية، الذي نشب في أعقاب المظاهرات الشعبية عام 2011 ، تحوّلا عميقاً في أوساط الطائفتين السنّية والشيعية في لبنان، فأثار الارتباك في الأولى، وفرض على الأخيرة الاندفاع بشراسة للمحافظة على وضع راهن غير قابل للاستمرار. وقد غذى هذا  نزوعاً لدى الطرفين نحو الراديكالية والعنف.

فبمرور الوقت، أدى تصاعد قمع النظام السوري للمعارضة ذات الأغلبية السنّية، وقصف المناطق المدنية واستخدام الأسلحة الكيميائية، والتدخل العسكري لحزب الله  لدعم النظام وانقسام وانعدام قدرة المجتمع الدولي.... أدت كل هذه العوامل إلى تنامي شعور السنّة بالإحباط والاستياء في لبنان والمنطقة بشكل عام. رغم تشتت المجموعات الإسلامية السنّية وضعفها وافتقارها إلى رؤية واضحة، طرحت بعض هذه المجموعات نفسها كقيادات لشرائح مختلفة من الطائفة. ومكنها الصراع في البلد المجاور من التواصل مع أشقائهم السوريين  وصياغة هدف لها يتمثل في تحدّي هيمنة خصومها والدفاع عن طائفتا.

يبقى دور سنة لبنان في الصراع في سورية محدوداً، إلا أن الشبكات الإسلامية السورية-  اللبنانية تتبنى أجندة " جهادية" في لبنان، ما يؤدي إلى موجات من العنف. في عامي 2013 و 2014 استهدفت التفجيرات الانتحارية وغيرها من الهجمات المميتة مقاتلي حزب لله، والأحياء الشيعية، والأصول الإيرانية والجيش اللبناني، الذي أصبح تدريجياً هدفها الرئيسي، سواء كعدو مباشر في أعين مختلف المجموعات المتطرفة أو نتيجة لتصورها بأنه يعمل لصالح حزب لله. ودفع نمط مقلق من المواجهات على الحدود الشرقية إلى اصطدام الجيش وحزب لله بالمعارضين المسلّحين الذين يتسللون عبر الحدود من سورية، وبمساعدة لبنانية على ما يزعم. في يناير 2015 ، فجر لبنانيان سنّيان أنفسهما في حي جبل محسن ذي الأغلبية العلوية في طرابلس، ما أدى إلى مقتل وجرح العشرات. ويمكن القول إن ذلك أتى تعبيراً عن غضب مكبوت أكثر منه تجلياً لعنف منظم.

بالمثل، النزعات السائدة في أوساط الشيعة ليست مبعث تفاؤل أكبر. لقد عزز الصراع في سورية من مكانة حزب الله كحركة مسلّحة ووسع النزعة الميليشياوية داخل الطائفة من خلال تصاعد عمليات التجنيد، بالنظر إلى الحاجة إلى العمل على مسرحي العمليات في لبنان وسورية. ومنحت الهجمات الانتحارية في الأحياء ذات الأغلبية الشيعية في بيروت الشرعية للإجراءات الأمنية المشددة المتخذة من قبل حزب لله وحركة أمل؛ فقد أصبح التدقيق في الهويات، وتفتيش السيارات وتسيير دوريات مسلّحة جزءاً من الحياة اليومية، خصوصاً خلال الفعاليات السياسية والدينية.

وفى هذا السياق، لم تعد المسألة تقتصر على أن الشيعة يعتمدون أكثر من أي وقت مضى على حزب لله في أمنهم بدلاً من الاعتماد على الدولة؛ بل إنهم باتوا ينضمون إلى الحزب بأعداد متزايدة. لقد كثف الحزب من حملات التجنيد والتدريب لتلبية الاحتياجات المتزايدة للقوى البشرية في سورية. كما أنه أعاد تنشيط ما يسمى بـــ "سرايا المقاومة اللبنانية"، وهى  تشكيل شبه عسكري يعتمد على الحشد الشعبي بدلاً من التدقيق في الخلفيات، والتربية العقائدية والتدريبات التي يُخضع حزب لله مقاتليه لها . وباسم محاربة المتطرفين السنّة، تجمع هذه الميليشيا الشيعة وغير الشيعة الذين لا يترتب عليهم الالتزام بالانضباط الديني والعسكري الصارم لحزب لله.

مقارنة بحزب لله، فإن هذه السرايا لا تُظهر الكثير من ضبط النفس، كنتيجة رئيسية للافتقار للتدريب والانضباط. لقد انخرطت في مواجهات شوارع، بما في ذلك ضد حلفاء حزب لله. منتقدو هذه السرايا بين أعداء حزب لله ومؤيديه يقولون بأنها تقوم بالأعمال القذرة للحزب. " إنهم بلطجية حزب لله"، على حد تعبير صحفي مقرّب من الحركة الشيعية. كما أن تجنيد غير الشيعة أثار الشكوك بين منتقدي الحزب الذين يرون في ذلك محاولة من قبل حزب لله لاختراق، واستمالة وتقسيم الطوائف الأخرى.

وأخيراً، فإن لبنان، اليوم كما في الماضي، عرضة لآثار لعبة شد الحبل الإقليمية. إن تسلل مسلّحي المعارضة وتدفق اللاجئين من سورية يعكسان السياق الذي ساد قبل الحرب الأهلية، عندما أدت المواقف اللبنانية المتعارضة حيال اللاجئين والمقاتلين الفلسطينيين إلى شلل الآليات السياسية، وفاقمت المظالم وحالة الاستقطاب. على هذه الخلفية، من غير الواضح كيف وإلى متى سيتمكن لبنان من مقاومة الضغوط الناشئة من الصراع في البلد الجار.

 

* مواقف السعودية ودول الخليج : 

من المهم الإشارة – فى خضم الأزمة الراهنة – إلى أن  موضوع الهبة السعوديّة ( للجيش والأجهزة الأمنية اللبنانية) كان محاطاً بالشكوك مراراً، وكثر تردّد المعلومات عن تجميدها مرّات عدّة آخرها في يونيو 2015. كذلك، لم يتردّد قائد الجيش العماد جان قهوجي في نوفمبر 2015 في القول إنّ الهبة لا تزال حبراً على ورق، وإنّ الجيش لم يتسلّم منها إلا ( 47 صاروخ ميلان فرنسيّاً) فى حين أنها تشمل 250 آلية عسكرية وسبع مروحيات،  وثلاثة زوارق سريعة، والعديد من معدات الاستطلاع والاعتراض والاتصال. كذلك أشار  قهوجى إلى أن  فرنسا تتصرّف وكأنّ الهبة قد تبخّرت.

أما بخصوص أهداف التصعيد السعودى والخليجى الراهن، فالواضح أن أول الأهداف: توجيه ضربة إلى حزب الله في معقله، من خلال الضغط عليه من فرقاء الداخل، خصوصا قوى 14 آذار الفريق السياسي الخصم لحزب الله، وتأليب الرأي العام ضدّه وضدّ حلفائه، وفي مقدّمتهم التيّار الوطنيّ الحرّ، من خلال الحملة السياسيّة التي تشنّ عليه، وكذلك الإجراءات الاقتصادية.

وفى هذا السياق يبدو واضحا أن تقدير القيادة السعودية يتأسس على أن عدم الاستقرار السياسيّ والأمنيّ فى لبنان، يشكل عامل ضغط على حزب الله المنشغل في الحرب الدائرة في سوريا... وأن حصول أيّ فتنة في لبنان لن يكون فى مصلحته، خصوصاً أنّه مصنّف – جزئيا - كمنظمة ارهابية من قبل فئة من المجتمع الدوليّ، منها حكومات الاتحادالاوروبي التي وافقت في العام 2013 على إدراج الجناح العسكري لحزب الله اللبناني على قائمة الاتحاد للمنظمات الإرهابية.

من ناحية أخرى، تحدثت بعض التقارير الصحافية اللبنانية عن 10 اجراءات تنوي السعودية والدول الخليجية تنفيذها وهي: سحب الودائع المودعة في مصرف لبنان، الطلب من السعوديين سحب ودائعهم في البنوك اللبنانية، الطلب من السعوديين وقف الاستثمارات في لبنان والانسحاب من الاستثمارات القائمة، وقف اعطاء تأشيرات دخول جديدة الى لبنانيين، وقف التعاملات المصرفية والتحويلات بين البلدين، وقف الرحلات الجوية، الغاء اقامات اللبنانيين المقيمين في المملكة وطردهم جماعيا، اغلاق السوق السعودي في وجه الصادرات اللبنانية ووقف التصدير الى السوق اللبناني، قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين واغلاق السفارة السعودية في بيروت، في موازاة طرد السفير اللبناني في المملكة، واغلاق السفارة اللبنانية هناك. مع تعميم هذه الاجراءات على كل دول مجلس التعاون الخليجي، بحيث تحذو دول الخليج العربي حذو المملكة.

وفى هذا السياق، ذكرت بعض التقارير الصحفية أنّ هذه الدول قرّرت وقف أنشطتها المصرفيّة ومساهماتها كشريك في المصارف اللبنانيّة أو المصارف الوطنيّة التي لها فروع في لبنان، إضافة إلى تجميد الأرصدة والحسابات المصرفيّة لرجال الأعمال اللبنانيّين المسيحيّين والشيعة على أراضيها.

ومن ناحية ثالثة، فإن الأسباب الأخرى غير المعلنة للحملة السعوديّة، وفقا لبعض المصادر، هو الوضع في سوريا مع انطلاق وقف إطلاق النار في 27 فبراير 2016 برعاية أميركيّة-روسيّة، حيث يحاول السعوديّون تحقيق مكاسب ميدانيّة قبل الشروع في المفاوضات السوريّة–السوريّة المتوقعة ، يستطيع من خلالها الطرف السوريّ المعارض المدعوم من السعوديّة، تحقيق مكاسب تحسّن شروط التفاوض لصالحه. ولذلك، تسعى السعوديّة إلى تشكيل قوّات تحالف عربيّة-تركيّة للمشاركة في العمليّات البريّة التي تنوي تنفيذها في سوريا، وتحديداً في الشمال. وقد بدأت استعداداتها، وأوّلها وضع قاعدة "انجرليك" التركيّة في تصرّف هذه القوّات. وفي هذا الإطار، تقول المصادر إنّ الدخول البريّ إلى سوريا من قبل السعودية وحلفائها يفرض إعادة النظر في الإجراءات العسكريّة اللبنانيّة على الحدود، نظراً إلى أنّ تطوّر المعارك في الشمال السوريّ سيولّد ضغطاً على الجانب اللبنانيّ، بسبب النزوح وانتقال المسلّحين. وهنا يفترض السعوديّون أنّه تحت شعار "الإجماع العربيّ"، سيتوجّب على الجيش والحكومة اللبنانيّين التنسيق مع قوّات التحالف، وهو ما سيؤدّي إلى إحراجهما، لأنّ حزب الله ينتشر على هذه الحدود السوريّة، أقلّه الشرقيّة منها.

وفي إطار متّصل، كشفت تقارير غربية أنّ السفير السعوديّ في لبنان علي عواض عسيري طلب من الخلايا السنيّة تنظيم اجتماعات في المخيّمات الفلسطينيّة، وخصوصاً في عين الحلوة، حيث وضعت الفصائل الفلسطينيّة في حال تأهّب في جنوب لبنان وبيروت والشمال استعداداً لأيّ تحرّك شعبيّ أو عسكريّ قد يطلب منها في وجه سياسة الحكومة اللبنانيّة وأيّ انتشار مسلّح محتمل لحزب الله.

 

* المواقف الأمريكية والأوربية:

خلال زيارة الوفد البرلمانى اللبنانى ( فى الفترة من 23 : 27 فبراير الماضى) إلى واشنطن تسربت معلومات بأن المسؤولين الأميركيّين الذين التقاهم الوفد اللبنانى، "بدوا منزعجين جدّاً من القرار السعوديّ الذي اتّخذته الرياض في 19 فبراير 2016، لوقف هبات ماليّة كانت مقرّرة من قبلها لتسليح الجيش اللبنانيّ". وشرحت بعض التقارير أنّ الاستياء الأميركيّ من الخطوة السعوديّة عائد إلى أكثر من سبب: "أوّلاً حرص واشنطن على دعم الجيش اللبنانيّ، خصوصاً في هذه المرحلة، في مواجهة أيّ تهديدات إرهابيّة للبنان، ثانياً الولايات المتّحدة الأميركيّة كانت معنيّة بقسم من العقود التجاريّة المنبثقة من تلك الهبة السعوديّة، لشراء أسلحة أميركيّة لصالح الجيش اللبنانيّ، علماً أنّ هذه العقود الضائعة على واشنطن، كانت تقدّر بنحو مليار دولار من أصل مجموع الهبة السعوديّة المقدّر بأربعة مليارات، وأخيراً لأنّ هذا النقص في تسليح الجيش اللبنانيّ، سيفرض على واشنطن رفع مساعداتها لهذا الجيش، تعويضاً له عن جزء ممّا خسره بوقف الهبة السعوديّة، وحرصاً على بقاء جهوزيّته في مواجهة الإرهاب".

صحيح أن الإدارة الأمريكية تؤيد الضغط – فى الوقت الراهن – على حزب الله ، لكن ذلك مشروط بعدم الإخلال بالسياق الأمنى الهش فى لبنان .

 

* سيناريوهات الأزمة:  

من الملاحظ أن الإجراءات التي اتخذت مؤخراً بحق لبنان، تبدو شديدة التناقض، فإذا كان المقصود بها إضعاف حزب الله، فإن نتائجها الفعلية، تمس قدرات الجيش والأجهزة الأمنية اللبنانية، والاقتصاد الوطني اللبناني ... حزب الله سيكون أقل المتضررين من هذه الإجراءات التي تضعف الدولة وتصيب أساسا حلفاء الرياض ... وإذا ما شرعت دول خليجية في إبعاد العاملين اللبنانيين عن أراضيها، فهناك مخاوف من أن  مشاعر النقمة لن تصيب الحزب بالقدر الذي ستصيب هذه الدول ذاتها.

وفى هذا السياق، يتعين الإلتفات إلى أنه، وباستثناء بعض دول الخليج، لم تحظ الإجراءات السعودية بأي تأييد دولي أو إقليمي، حتى فرنسا والولايات المتحدة، عبرتا عن"القلق" من إضعاف الجيش اللبناني، وتعهدتا الاستمرار بتقديم المساعدات له، فيما وجدت إيران في الموقف السعودي، فرصتها لمد يد العون، وربما عملاً بنظرية “ملء الفراغ”، وهو أمر ستترتب عليه تداعيات هامة، إن وجد الجيش اللبناني نفسه مضطراً لقبول "السلاح والعتاد" من إيران.

بعبارة أخرى، إن استمرت الضغوط و"العقوبات "على لبنان واللبنانيين لإجباره على الالتحاق بمحور في مواجهة آخر، وإن جرى فعلاً ترحيل أعداد كبيرة من اللبنانيين من دول الخليج، فإن لبنان سيكون مقبلاً على “انفجار كبير”، سيما إن تعذر بقاء حكومة تمام سلام، وانتشر “الفراغ” من رئاسة الجمهورية إلى الحكومة والبرلمان المُمدد له والمعطل.

المقصد أن لبنان لا يؤخذ كله إلى محور دون آخر، والنأي بالنفس هو الترجمة الفعلية لهذه الحقيقة، وعلى اللاعبين الكبار في الإقليم أن يكتفوا بـ “حصتهم” من اللبنانيين، إذا هم أرادوا للبنان ألا يستعيد فصول الحرب الأهلية الدامية، وبخلاف ذلك، فإنهم يغامرون بتفجير لبنان وإحراقه، أو بالأحرى "سورنته".

لهذا كله، يبدو أن تسوية تلك الأزمة محصورة فى احتمالين:

الأول: إدخال لبنان في مهلة الاستحقاق الرئاسيّ، بحيث يكون للمملكة كلمتها في اختيار رئيس الجمهورية، ومن بعده رئيس الحكومة السنّي الجديد، ويكونان "محسوبين عليها"، وهذا  سيزيد من نفوذها في الساحة اللبنانيّة من جهّة، ويخفّف من نفوذ حزب الله الداخليّ من جهّة أخرى.

والثانى:  أن ينجح الولايات المتّحدة الأميركيّة والمجتمع الدوليّ في ممارسة ضغوط فعليّة على المملكة تدفعها إلى العدول عن قرارها الذي أثار قلقا دوليّاً، في ظلّ القرار القائم بالمحافظة على استقرار لبنان لأسباب عدّة، أوّلها الحفاظ على بيئة آمنة لمليون ونصف نازح سوريّ الموجودين في لبنان كي لا يضطرّوا إلى النزوح مجدّداً... لأنّ وجهتهم هذه المرّة ستكون أوروبّا، ومن بعدها أميركا.