المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

"الشرعية اليمنية".. علامات استفهام بشأن المستقبل

الاثنين , 17 يوليو 2017 - 01:57 مساءٍ

مقاتلين في اليمن
مقاتلين في اليمن

المبادرات الأممية والدولية حول اليمن، لم تعد تمنح – منذ عدة أشهر – أي دور للرئيس اليمني "الشرعي" عبد ربه منصور هادي في مستقبل البلاد، بعضها يقترح عليه دوراً رمزياً انتقالياً، بعضها يطلب إليه تفويض صلاحياته لنائب رئيس توافقي وحكومة وفاق وطني موسعة، وجميعها، يُخرج نائبه الحالي، "الشرعي" أيضاً، علي محسن الأحمر، من التداول السياسي، وهو المعروف بدوره كجزء من المشكلة لا كجزء من الحل، ويعطي الحوثي وصالح أكثر مما حلموا به وتطلعوا إليه.
 

وهذه المبادرات، التي تكاثرت بعد اجتماع لندن للرباعية الدولية الخاصة باليمن أواسط أكتوبر الماضى، لم تعد تستند إلا شكلاً إلى مرجعية القرار الدولي 2216، وتتجاهل فعلياً لمطلب "الشرعية" وشرطها الأساس لأي حل سياسي، والمتمثل في انسحاب الحوثي / صالح من المدن وتسليم السلاح للسلطة "الشرعية"، ومن بعدها يأتي وقت الحديث عن تسوية سياسية إلى ما هنالك... المبادرات ذاتها، أعطت الأولوية للسياسي على الأمني، بخلاف ما كان يريد هادي وداعميه فى الإقليم، بأولوية الأمني على السياسي.
 

من هذا المنطلق، يبدو الرئيس و"الشرعية" في موقع لا يحسدان عليه، فالمطلوب منهما على وجه التحديد هو تيسير عملية سياسية والانخراط فيها، مع إدراكهما المسبق والعميق، بأن رأسي الرئيس ونائبه، مطلوبان كشرط لإنجاح هذه العملية، منذ بدايتها أو في سياقها ... وهذه وضعية غريبة عجيبة، تفسر إلى حد كبير، حالة "النرفزة" و"العصبية" التي طبعت مواقف هادي وحكومته في الآونة الأخيرة، وتعاملهما مع مبادرة ولد الشيخ ابتداءً، وجون كيري في المقام الأخير.
 

"هادي" يدرك بلا شك، أن تطورات الأزمة اليمنية السياسية قبل الميدانية، تخط الصفحة الأخيرة في سيرته السياسية ... لكنه مع ذلك، يجاهد في سبيل إطالة أمد حكمه وحكومته ودوره ... وهو يعرف أن حلفائه وداعميه، قد تخلوا عنه منذ أن توافقوا مع لندن وواشنطن على مبادرة ولد الشيخ، ومنذ أن وقعت السعودية اتفاق مسقط مع الحوثيين ... هو يدرك، أن دولة الإمارات، أصبح لديها مقاربة مختلفة... بيد أنه ما زال "يقاوم"، علّ التطورات في الميدان، تُحدث تغييراً في السياسية وأولوياتها وأجنداتها ... لكن هامش الوقت المتبقي للرجل يضيق باطراد.
 

رفض استلام مبادرة ولد الشيخ، قبل أن ينصحه أحدهم بالإعلان عن "قبولها شكلاً ورفضها مضموناً" ... رفض اتفاق مسقط ومبادرة جون كيري الأخيرة، وقال على لسان وزير خارجيته "إننا لا نعلم بها، وهي لا تعنينا" ... لكن الرجل وجد نفسه متورطاً في التراجع عن أقواله، والعودة للقبول بوقف إطلاق النار، مع فاصل زمني لا يتعدى الساعات الثماني والأربعين عن الموعد الأول المقرر لصمت المدافع ... رهان هادي أن المدافع لن تصمت، وأن وقف النار السابع، ليست لديه حظوظ أفضل من سابقاته الست... نجح تكتيكياً بيد أنه لم يبدد مأزقه ولم يغير في مسار العملية السياسية قيد أنملة.
آخر طلقة في جعبة هادي، على ما أظن، هي قراره بالانتقال من الرياض إلى عدن، العاصمة المؤقتة لملكه غير السعيد .... هنا لا ندري إن كان الانتقال قراراً يمنياً اتخذه هادي وصحبه، أم أن الرجل قد طُلب إليه المغادرة لكيلا تُتهم الدولة الراعية والداعمة، بـ "نكث" تعهداتها والتراجع عن التزاماتها من جهة، ولكيلا تتحمل وزر قرارات حليفها، المتعارضة مع نص وروح مبادرتي ولد الشيخ وكيري من جهة ثانية.

 

الأرجح، وهنا نفتح قوسين للحديث عن "سيناريو متخيّل"، أن الرجل وعد المملكة بأنه سيحدث خرقاً عسكرياً نوعياً على جبهة تعز، وأنه سيستغل الوقت المتبقي لكيري وأوباما في الخارجية والبيت الأبيض لتحقيق اختراق عسكري نوعي، بانتظار مجيء ترامب وإدارته بأجندتهما المعادية لإيران، وبما يعيد ترتيب سلم الأولويات ويحسن شروطه التفاوضية، ويعطي المملكة ما تحتاجه من مكاسب ميدانية، تبرر قرار الحرب وتعطي "عاصفة الحزم" بعضاً من بريقها المتآكل ... مثل هذا الطلب، يداعب مخيلة القادة السعوديين، الذين رفعوا سقف التوقعات عالياً عندما شرعوا في حربهم على تحالف الحوثي/صالح.
 

لكن الأسئلة التي تتكاثر في الأذهان، تضفي علامات استفهام كبرى حول جدية هذا الرهان وجدواه ... فما الذي تبدل حتى تأتي جولة التصعيد الجديدة، بالذات في مناطق التماس الساخنة، وبالأخص حول تعز، بثمار ونتائج أخفقت جولات عديدة سابقة في توفيرها؟ ... وكيف يمكن بعد 20 شهراً على الحرب، المضي في إعادة انتاج ما سبق، بل وبناء خطط وسياسات على هذا الأساس؟ ... ومن قال إن حظوظ هادي وحلفائه مع دونالد ترامب ستكون أفضل من حظوظهما مع أوباما – كيري؟
 

مرة أخرى، في ظني أن الرجل يلعب بآخر أوراقه على الأطلاق، لم يعد لديه ما يخشاه أو يخشى عليه ... وفي ظني أن انتقاله إلى عدن، إنما يعني شيئاً واحداً فقط: لا أحد مسؤولاً بعد اليوم عن قرارات هادي وتصرفاته، أو بالأحرى عن القرار الأخير لهادي، فإن نجح شاركناه النصر ونسبناه لحربنا ودعمنا، وإن أخفق، فهو وحده من سيتحمل المسؤولية والتبعات ... !!