المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

ظلال أردوغان الثقيلة.. 10 تحديات تواجه حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا

الاثنين , 17 يوليو 2017 - 02:10 مساءٍ

اردوغان
اردوغان

مشكلات عديدة باتت تواجهها حكومة حزب العدالة والتنمية على الصعيدين الداخلي والخارجي، بما يجعلها أقرب ما تكون إلى "التحديات المركبة"، التي باتت تلقى بظلالها على الساحة السياسية والاقتصادية في تركيا، والقاسم المشترك لهذه التحديات الدور السلبي الذي يلعبه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والذي تحول إلى عبء على النظام السياسي التركي، وذلك بعد أن تنامت نزعته السلطوية ورغبته التحكمية حيال مؤسسات الدولة سواء كانت سياسية أو اقتصادية، هذا بالإضافة إلى نزعته للسيطرة على مؤسسات وسلطات حيوية كالمؤسسة العسكرية والسلطة القضائية.

وعلى الرغم من أنه استخدم الانتخابات الدورية للسيطرة ومد النفوذ على تلك المؤسسات، مستغلا تنامي النزعة المحافظة في المجتمع، وارتفاع حدة الاستقطاب السياسي والمجتمعي، غير أنه بات في ذات الوقت يجابه العديد من المشكلات التي ترتبط بقضايا فساد عديدة وتحديات تتعلق بتحالفاته الداخلية التي باتت تتسم بكونها "تحالفات قلقة"، وذلك بعد "الإبعاد القسري" لعبد الله جول عن المشهد السياسي وتوتر العلاقة مع حركة الخدمة، هذا فضلا عن المشكلات المتنامية فيما يخص قضايا حرية الصحافة وتنامي القبضة الأمنية، وتصاعد المشكلة الكردية داخليا وإقليميا، فضلا عن تزايد مظاهر توتر علاقات تركيا مع العديد من القوى الإقليمية والدولية.

التحدي الأول- "العلاقة القلقة" مع مختلف مؤسسات الدولة:

استخدم أردوغان الديمقراطية التي تتجسد وفق نمطه الإدراكي في العملية الانتخابية وحسب لتغدو أقرب إلى "الصندوقراطية"، والوسيلة للسيطرة على مؤسسات الدولة، فبعد وصوله للسلطة عمل على السيطرة على البرلمان ومن بعده على منصب رئاسة الجمهورية وبعد ذلك شهدت محاولات تدريجية من قبل حزب العدالة لإبعاد المؤسسة العسكرية عن الحياة السياسية.

وقد ألقى ذلك بتداعيات وخيمة على الديمقراطية التركية، التي واجهت مشكلات وتحديات دفعت مؤخرا مجلة الايكونوميست البريطانية لأن تضع تركيا ضمن الأنظمة الهجينة ذات الديمقراطيات المعيبة، مشيرة إلى أن الحكومة التركية لم تعد تختلف كثيرا عن حكومات نيكارجوا وهايتي وسيراليون وباكستان. هذا في وقت صنفت فيه مؤسسة فريدم هاوس (Freedom House) المهتمة بشؤون حقوق الإنسان والحريات تركيا ضمن "الدول الحرة جزئياً" في تقريرها الأخير المسمى بـ"الحرية في العالم 2015".

وأوضحت فريدم هاوس، وهي مؤسسة فكرية غير حكومية أمريكية، أن تركيا تبتعد عن المبادئ الديمقراطية في الفترة الأخيرة, ولفتت إلى أن الرئيس رجب طيب أردوغان يقود حملة ضد التعددية الديمقراطية في البلاد. وتناولت فريدم هاوس التي تحظى باحترام كبير بين مؤسسات المجتمع المدني في العالم التدني والتراجع الحادث في موضوع الحقوق الأساسية في الفترة الأخيرة في تركيا.

وأكد تقرير فريدم هاوس، الذي يتناول 195 دولة، أن تركيا آخذة في الابتعاد عن المبادئ الديمقراطية. ونوه إلى أن الرئيس أردوغان هو المسئول عن ذلك وأنه عزز قدمه وموقفه في السلطة خلال العام الماضي، بعد الانتقال إلى منصب الرئاسة، ومن ثم شن حملة عنيفة ضد التعددية الديمقراطية. وأكد التقرير أن المؤسسات الإعلامية قد واجهت تدخلات كبيرة للسلطة التنفيذية والتشريعية، وظهر ذلك عبر شن سلطات الأمن سلسلة من المداهمات والاعتقالات في وسائل الإعلام التي أصبحت تنعت بـ "العدو السياسي لأردوغان".

وعلى مستوى المؤسسة العسكرية، فقد حاول رجب طيب أردوغان إبعاد المؤسسة العسكرية عن العملية السياسية، من خلال من مجموعة من التشريعات والتعديلات الدستورية، التي حولت مجلس الأمن القومي من صيغته العسكرية إلى صبغة مدنية، ترافق ذلك وأعقبه الاستمرار في السياسات الهادفة إلى السيطرة على كافة وسائل الإعلام والسلطة القضائية والأجهزة الأمنية والرقابية.

وأدعى أردوغان أن ذلك يأتي في إطار رغبة حزب العدالة والتنمية تلبية معايير العضوية الأوروبية، ثم أكمل هذه العملية من خلال إصلاحات قانونية، جاء آخرها بعد الثورة الشعبية في مصر في الثلاثين من يونيو، على نحو من شأنه أن يضمن قانونيا عدم وجود أي دور للمؤسسة العسكرية في التأثير على مسار ومجريات العملية السياسية، وذلك تخوفا من حدوث احتجاجات شعبية، على غرار احتجاجات ميدان تقسيم، تفضي إلى تدخل المؤسسة العسكرية في العملية السياسية، لحفظ أمن الاستقرار البلاد.

وعلى مستوى المؤسسة القضائية: فقد باتت الهيئات القضائية المفترض تمتعها بالاستقلالية في مواجهة السلطة القضائية، خاضعة على نحو شبه كامل للحكومة التركية ورئيس الدولة رجب طيب أردوغان، والذي يعمد على توظيف القانون والدستور لتطويع مؤسسات الدولة القضائية، وفي هذا السياق جاء إقرار البرلمان التركي، في منتصف نوفمبر الماضي، مشروع قانون يهدف إلى تعزيز السيطرة السياسية على تعيين القضاة، مما ينذر بتصاعد حملة المعارضة ضد الحكومة التي يقودها حزب العدالة والتنمية الإسلامي.

ويضع مشروع القانون، الذي وافق عليه 238 نائبا، قرارات المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين تحت الرقابة القضائية، ويعيد قراراته النهائية إلى وزير العدل، بما يعني عمليا إلحاق المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العموم الذي ينبغي أن يكون مستقلا بوزارة العدل، الأمر الذي اعتبرته المعارضة تجريدا للقضاء من استقلاليته. وكان رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، أعلن قبل التصويت تجميد المواد الأكثر إثارة للجدل في النص الذي يتضمن إصلاحات في مجلس القضاء الأعلى والقضاة، بعد توتر دام أياما بين الأغلبية وخصومها.

وقد سمحت التعديلات المتلاحقة على التشريعات التركية، بأن يكون لأردوغان اليد العليا في اختيار أغلب عناصر مجلس القضاء الأعلى، حيث عين مؤخرا بشكل علني 144 عضوا في مجلس القضاء و33 عضوا في مجلس الدولة. وقد جعل ذلك مجلس القضاء الأعلى ومجلس الدولة مرتبطين فعليا برئيس الجمهورية. وآخر حزمة من القوانين القضائية أسفرت عن تشريع "الاشتباه المعقول"، ليكون من الممكن اعتقال أي شخص بقرار من المحكمة. كما يمكن مصادرة أموالهم غير المنقولة (العقارات) وحقوقهم وودائعهم.

وتواجه العلاقة بين حزب العدالة وأردوغان من جانب والمحكمة الدستورية العليا من جانب آخر صراعات مريرة، بسبب التعديلات على القوانين التي يجريها الجانب الأول، على نحو كان قد دفع بارتفاع بعض الأصوات داخل الحكومة لإسناد مهمة الوساطة بين الحكومة والمحكمة الدستورية للرئيس السابق عبد الله جول لتسوية الأزمة المستعرة بين الطرفين. فقد رأى البعض أن عبد الله جول من الممكن أن يساهم في التوصل إلى حل مع رئيس المحكمة الدستورية هاشم كيليتش بعد الانتقادات المستمرة التي توجهها المحكمة للحكومة ورفضها العديد من التعديلات التي تمررها الحكومة. وذلك انطلاقا من كون جول هو من عين نحو 10 من أعضاء المحكمة من أصل 17، واستنادا إلى قوله: "لقد عينت أغلب أعضاء المحكمة بنفسي. وأفتخر بذلك. فهم يتخذون قرارات تتوافق مع الحقوق العالمية". إلا أن أردوغان رفض هذا الاقتراح أيضا وأغلق كل الأبواب في وجه عبد الله جول .

هذا إلى أن أعلنت المحكمة الدستورية اجتماعها في الرابع من فبراير 2015، لاختيار رئيس جديد لها بعد أن أقدم أردوغان على إحالة رئيسها الحالي هاشم كيليتش إلى التقاعد، وذلك بسبب إقدامه مؤخرا على توجيه انتقادات إلى سياسات الرئيس التركي وقيادات حزب العدالة والتنمية الحاكم، معتبرا أنهم أقاموا بتأسيس شكل من أشكال الوصاية الخطيرة على الجهاز القضائي في الدولية.

وعلى جانب آخر، كانت نتائج انتخابات الهيئة القضائية العليا بالبلاد في أكتوبر الماضي قد أفضت إلى فوز مرشحين تدعمهم حكومة حزب العدالة والتنمية بغالبية المقاعد، حيث فاز مرشحون يدعمهم الرئيس التركي أردوغان بثمانية من بين عشرة مقاعد، وأثارت نتائج الانتخابات اتهامات من المعارضة بأن مبدأ الفصل بين السلطات في تركيا بات مهددا، وهو ما أكده أيضا الانتقادات التي وجهها الاتحاد الأوروبي لتركيا عقب الانتخابات التي شارك فيها 14 ألف فرد من رجال القضاء والنيابة العامة لاختيار عشرة أعضاء في المجلس الذي يبلغ أعضاءه 22 عضوا.

وعلى مستوى الأجهزة الأمنية: عمل الحزب على السيطرة شبه الكاملة على المؤسسات والأجهزة الأمنية التركية، وذلك بدعوى مواجهة المؤامرات التي تحاك ضد استقرار تركيا، وبدافع القضاء على ما أسماه "الكيان الموازي"، قاصدا جماعة فتح الله كولن، والتي يتهمها بأنها تقف وراء عمليات الكشف عن ملفات الفساد التي تورط فيه أردوغان وبعض أفراد عائلته، فضلا عن بعض الوزراء الأتراك وأبنائهم، وقد كان الغرض من ذلك إفشال تحقيقات أعمال الفساد التي بدأت في 17 ديسمبر 2013. وتم نقل قرابة 40 ألفا من رجال الأمن إلى أماكن أخرى، كما تم إقالة بعضهم فيما بعد. وتم عزل 161 نائبا عاما من مناصبهم ونقلهم إلى محافظات أخرى مع خفض رتبهم.

وبينما يبدو ذلك يحقق مصالح حزب العدالة، وفق النمط الإدراكي لأردوغان، غير أنه يضر بمستقبل هذا الحزب، في واقع الأمر، كونه من ناحية يضر بمسار الديمقراطية التركية، بما يجعل وسائل معارضة النظام القائم ليست من داخل النظام ذاته، وإنما من خارجه، كما أنه يعرض تماسك مؤسسات الدولة لإشكاليات تتعلق بتنامي الصراعات الداخلية في هذه المؤسسات، وهى أوضاع حال تفجرها قد تدفع المؤسسة العسكرية إلى القفز على حواجز القوانين من أجل حماية تماسك واستقرار الدولة، حال ما نضجت الظروف الموضوعية لذلك، خصوصا أن تحركات المؤسسة العسكرية وفق الخبرة التاريخية السابقة لم تأتي مدفوعة بمواقف قياداته، في مختلف الحالات، وإنما جاءت في ظروف معينة وفق تحركات فجائية من بعض عناصر الرتب الدنيا في المؤسسة العسكرية التركية.

التحدي الثاني- استمرار تماسك الحزب الحاكم:

أصبح رجب طيب أردوغان عبء على حزب العدالة وذلك بسبب سيطرته على الحزب وتصعيد المقربين منه بعيدا عن معايير الكفاءة والنزاهة، هذا بالإضافة إلى تحول رئيس الوزراء المفترض، أحمد داوود أوغلو، إلى ما يشبه مدير مكتب أردوغان. هذا على الرغم من أن علاقات زعيم الحزب الفعلي، (أردوغان) بزعيم الحزب الرسمي (أوغلو)، بالإضافة إلى بقية العناصر الفاعلة داخل الحزب، تعتبر أحد العوامل التي ساهمت في تماسك الحزب رغم ما كان يمكن مواجهته من تأثيرات بفعل خروج أردوغان من الحزب، بفعل المقتضيات القانونية لمنصبه الجديد، غير أن هذا لا يعني أن التحديات التي تواجه تماسك الحزب قد انتهت.

ذلك أن الانتخابات المقبلة المقرر إجراؤها في السابع من يونيو القادم تثير العديد من التحديات، خصوصا في ظل تهميش رئيس الوزراء ورئيس الحزب رسميا، وذلك في ظل استئثار رجب طيب أردوغان ومجموعة من مستشاريه بعمليات اختيار مرشحيه في الانتخابات المقبلة، سيما أن الحزب يعتزم تغيير نحو ثلثي أعضائه الحاليين بالبرلمان في الانتخابات المقبلة.

يرتبط ذلك بكون نحو 72 من نواب حزب العدالة والتنمية بالبرلمان سيضطرون إلى ترك مقاعدهم بعد أن استمروا بها ثلاث دورات برلمانية متتالية، وذلك بسبب لائحة الحزب الداخلية التي لا تجيز خوض الانتخابات لأكثر من ثلاث مرات. بينما لن يتم إعادة ترشيح بعض الشخصيات المقربة من رئيس الجمهورية السابق عبد الله جول وبعض الأسماء المقربة من الجماعات الدينية (جماعة الخدمة- كولن). والنواب الذي يعتبرهم الحزب أنهم لم يساندوه داخل البرلمان بعد الكشف عن فضائح الفساد والرشوة التي طالت أردوغان ورجاله بالإضافة إلى الوزراء الأربعة المتهمين بالفساد.

ومع ذلك تبدو التحديات الحقيقة المحتمل مواجهتها، أن تنتهي عملية تهميش الرئيس التركي السابق، عبد الله جول، بإقدامه على الانضمام إلى أحد الأحزاب السياسية التي تشكلت خلال الفترة القليلة الماضية، والتي يبدو أن أحدها لم يكن ببعيد عنه، وقد ينضم إليه في ذلك العشرات من نواب حزب العدالة المخضرمين، والذين يحول دون خوضهم الانتخابات المقبلة، لائحة الحزب، خصوصا أن أغلبهم من مؤسسي الحزب، ويعترض الكثير منهم على تولي قيادة الحزب من قبل شخصية (أحمد داوود أوغلو) لم تكن من مؤسسيه، فضلا عن طريقة إخراج عبد الله جول من المشهد السياسي، خصوصا أنه كان أول رئيس للحزب، وأول رئيس للوزراء وأول رئيس للدولة عن الحزب.

وعلى جانب آخر بات من الواضح أن أردوغان يريد أن يدفع بابنته سميه إلى الساحة السياسية وذلك من خلال خوض الانتخابات البرلمانية، التي من المقرر أن تجرى في يونيو المقبل، وذلك قوائم حزب العدالة والتنمية، وفي هذا السياق أشار نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض، بولنت تزجان، إلى أن أبن أردوغان بلال أيضا قد يترشح لعضوية البرلمان، مضيفا "أنه عقب الكشف عن وقائع الفساد والرشوة في ديسمبر 2013 أصبحت الحاجة للحصانة أمرا ضروريا، من أجل سيمة أردوغان ومن أجل بلال أيضا".

التحدي الثالث- المشكلات التي تواجه الاستقرار الاقتصادي:

على الرغم من نصيب الفرد من الدخل القومي في تركيا يصل إلى حدود 10 آلاف دولار أمريكي منذ عام 2007، غير أن تركيا تحتل المرتبة الثالثة عالميًا في عدم المساواة في توزيع الدخل بحسب تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). كما تعاني من ارتفاع حدة الديون، حيث ارتفع رصيد ديون القطاع الخاص في عام واحدة بنسبة 25%، فضلا عن أن ما نسبته 63% من هذه الديون هو من النوع قصير الأجل.

هذا بالإضافة إلى أن حصة قطاع الصناعة من الدخل القومي تراجعت من 26.6% عام 1998 إلى 15.3% عام 2013، ولا يصل إجمالي مبيعات أكبر 500 شركة في مؤشر الغرفة الصناعية بإسطنبول، حتى إلى نصف إيرادات عملاق البيع بالتجزئة الأمريكي "وول مارت"، وتبلغ نفقات البحث والتطوير التي تصرفها هذه الشركات التركية فقط 1.8 مليار ليرة (850 مليون دولار)، كما تصل نسبة النفقات المخصصة للبحث والتطوير مقارنة بالمبيعات من إجمالي الإنتاج إلى 0.47%، وبذلك فإن أكبر 500 شركة في تركيا لا تخصص للبحث والتطوير الأموال ذاتها التي تخصصها شركات عالمية مثل "تويوتا" اليابانية أو "إل جي" الكورية.

وعلى جانب آخر فإن تركيا تعاني من تراجع قيمة العملة التركية بسبب رفع سعر الفائدة من قبل البنوك التركية، ويعاني الاقتصاد التركي من نقطتي ضعف جسيمتين، هما: عجز الحساب الجاري (7%) وارتفاع معدل التضخم (9%)، وليس هناك ما يجعل الكثير من الأوساط التركية تأمل في معالجة ذلك سريعا بزيادة الصادرات بسبب الأحداث التي يشهدها العراق، ومؤشرات الركود الاقتصادي في أوروبا، وعدم القدرة حتى الآن على السيطرة على الواردات التي تصل قيمتها ضعف قيمة صادرات تركيا، هذا مع انخفاض مستوى الادخار المحلي.

وعلى الرغم من التقدم الاقتصادي الذي شهدته تركيا خلال سنوات حكم حزب العدالة والتنمية، غير أن ثمة مشكلات باتت ترتبط بتنامي معدلات الفساد في تركيا، وظهور مساحات واسعة للنقاش في المجال العام حول موضوعات من قبيل سيارة رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان وطائرته الخاصة وتكلفة القصر الجديد غير المرخص والمسمى بـ"القصر الأبيض" والتي بلغت عدد غرفه نحو 1150 غرفة.

هذا في وقت علق فيه نائب حزب الشعب الجمهوري عن مدينة إزمير الناطق باسم الحزب عن لجنة الصناعة والتجارة في البرلمان التركي محمد علي صوصام على معدلات البطالة المرتفعة في البلاد قائلا "إن عدد العاطلين عن العمل والذين فقدوا الأمل في إيجاد فرص عمل في تركيا زاد عن تعداد السكان في 170 دولة حول العالم من بينهم اليونان".

وأشار صوصام إلى معطيات وتقارير هيئة الإحصاء التركية التي تكشف عن وصول معدلات البطالة المسجلة رسميا في البلاد إلى 10.5% أي ما يعادل نحو ثلاثة ملايين و64 ألف مواطن تركي قائلا: "إن هذه الأرقام أكبر من تعداد السكان في 105 دول حول العالم من بينها أرمينيا، ألبانيا، ليتوانيا ومقدونيا". وأوضح أن الأرقام التي تكشف عنها سجلات هيئة الإحصاء التركية هي أعداد من عجزوا عن إيجاد فرص عمل وهم ما زالوا يواصلون محاولات البحث عن العمل، بينما هناك نحو 9 ملايين آخرين فقدوا الأمل في العثور على فرص عمل وهم غير مسجلين رسميا، وبالنظر إلى هذه الأرقام مجتمعة نجد أن العدد يرتفع إلى 12 مليون عاطل عن العمل. وهذا الرقم أكثر من تعداد السكان في أكثر من 170 دولة حول العالم. وعلى سبيل المثال يزيد تعداد سكان اليونان أكثر بقليل عن 11 مليون مواطن".

وأكد صوصام أن "معدلات التوظيف في تركيا بدأت تدق ناقوس الخطر قائلا: "إن السياسات الاقتصادية التي يطبقها حزب العدالة والتنمية تشجع الاستيراد بدلا عن الإنتاج. وكان نتيجة ذلك تراجع المشاريع الصناعية الصغيرة والمتوسطة في تركيا. فقد كانت المشاريع الصغيرة والمتوسطة هي مجال التوظيف والعمالة الكثيفة نظرا لإنتاجها الكثيف، ونحن بحاجة إلى توجيه المشاريع الصغيرة والمتوسطة مرة أخرى من خلال اتخاذ إجراءات تحفز الإنتاج المحلي والسلع الفرعية المحلية".

ومع أن الحكومة التركية تروج إلى أنه تركيا ستكون بحلول عام 2013، ضمن أكبر عشرة اقتصاديات على مستوى العالم، غير أن المصاعب التي تواجهها تركيا على الصعيد الاقتصادي توضح استحالة ذلك، ارتباطا بأن هذا الأمر يتطلب أن تكون نسبة نمو الاقتصاد السنوية 15% للوصول إلى الهدف المنشود، خصوصا أن توقعات الحكومة المتفائلة في برامجها تشير إلى أن هذه النسبة تمثل نحو 4% في الواقع. ما يفيد ببطلان تلك التوقعات، سيما أن معدل الادخار أيضا منخفض في تركيا التي تحتاج إلى الموارد الخارجية. ويبدو من المستحيل أن يتحقيق ذلك في ظل مخاطر الانكماش التضخمي العالمي والأزمات السياسية، التي باتت تواجهها أنقرة.

وتعاني تركيا أيضا من مشكلات اقتصادية قد يكون لها تداعيات وخيمة، حال استمرارها، مثل كارثة انهيار منجم الفحم في بلدة سوما التابعة لمحافظة مانيسا غرب تركيا، ومصرع 301 عامل بداخله في شهر مايو 2014 . هذا على الرغم من أن النائب البرلماني عن حزب الشعب الجمهوري من محافظة مانيسا أوزجور أوزيل كان قد تقدم بطلب يتعلق بمناجم بلدة سوما قبل 15 يومًا من وقوع الكارثة وتناول الحوادث التي وقعت في السابق. غير أن البرلمان المسيطر عليه من قبل حزب أردوغان، رفض طلب أوزيل.

وفي أثناء زيارة رئيس الوزراء، في ذلك الوقت، رجب طيب أردوغان لموقع حادث المنجم ركل مستشاره أحد أقارب أحد عمال المنجم الذين راحوا ضحية للحادث. وعلى الرغم من انتشار مقاطع مصورة تثبت الواقعة، غير أن السلطة أنكرتها جميعا. كما شهدت تركيا واقعة مماثلة لكارثة منجم سوما لكن هذه المرة في منجم أرمينيك الواقع في ولاية كارامان جنوب البلاد، ما أظهر عدم واقعية تصريحات الحكومة بشأن مراقبة أعمال هذه المناجم. وقد استمرت أعمال استخراج جثث 18 عاملا لقوا حتفهم طيلة 38 يوما.

التحدي الرابع- انتشار مظاهر الفساد في كافة مؤسسات الدولة:

بحسب المعطيات التي أعلنها وزير العدل التركي في أوائل فبراير الماضي، فإن عدد القضايا التي تم البت فيها فيما يخص جرائم الفساد خلال عام 2012 وصلت إلى 84 ألف قضية، بعد أن كانت 50 ألف قضية خلال عام 2009. وأشار بوزداج إلى أن جرائم التهريب وصلت إلى 29 ألف قضية، بعد أن كانت 13 ألف، خلال ثلاثة أعوام فقط، منوها بالزيادة الملحوظة التي شهدتها جرائم الرشوة والتزوير والاختلاس خلال الفترة نفسها.

هذا فيما صدر تقرير عن مؤسسة الدراسات الاقتصادية والاجتماعية التركية في الفترة الأخيرة، أكد أن نحو 20 مليون تركي يتقاضون الرشوة سنويا، وأن 53% ممن يشتغلون كأفراد شرطة مرور يتقاضون الرشوة، و49% من العاملين في مجال الجمارك يرتشون أيضا، وكذلك 33% من أفراد الشرطة العامة، و11% من العاملين في السلك القضائي، و59% من العاملين في شركات الكهرباء العامة.

وأضاف التقرير أن هيئات ومصالح الجمارك بتركيا احتلت المرتبة الأولي في إجمالي حجم المبالغ المتقاضاة سنويا على سبيل الرشوة، بنحو 634 مليون دولار سنويا، يليها المديريات والبلديات العامة بنحو 380 مليون دولار سنويا، ثم السلك القضائي بنحو 350 مليون دولار سنويا، ثم الهيئات الضريبية بنحو 137 مليون دولار سنويا.

هذا وقد سجلت الجرائم المالية والتزوير والنصب والاحتيال والرشوة والتهريب وغيرها من جرائم الفساد في أخر ثلاث سنوات، تزايدا بنسبة 68%، وقالت تقارير صادرة عن وزارة العدل التركية إن ممارسات الفساد والرشوة، أصبحت حديث الساعة في البلاد عقب تحقيقات الفساد في ديسمبر 2013، وبدأت تتزايد يوما بعد يوم وتتحول إلى معضلة كبيرة في المجتمع.

وعلى جانب آخر، فقد نجح حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا في الحيلولة دون صدور قرار من البرلمان لإحالة الوزراء الأربعة المتهمين بممارسات الفساد والرشوة إلى محكمة الديوان العليا، كما كان متوقعا، خلال جلسة البرلمان في 20 يناير 2015، ووقفت حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا حائلا دون إحالة الوزراء الأربعة المتهمين بممارسات الفساد والرشوة إلى محكمة الديوان العليا رغم أنها سبق وأحالت رئيس الوزراء الأسبق مسعود يلماز وسبعة من الوزراء السابقين للمحكمة عقب وصولها مباشرة لسدة الحكم في 2002.

وعلق الاتحاد الأوروبي على تصويت البرلمان التركي بعدم إرسال ملف التحقيق مع الوزراء الأربعة السابقين الذين طالتهم تهم الفساد والرشوة، قائلا: "سنستمر في متابعة آخر التطورات في هذا الملف عن كثب". وأشارت الناطقة باسم المفوضية الأوروبية ماجا كوسيانسيك، ردا على سؤال لأحد الصحفيين، إلى إعلان الاتحاد الأوروبي عن مخاوفه تجاه ملف الفساد والرشوة التي تم الكشف عنها في تركيا قي ديسمبر 2013 من قبل، مذكرة بالتقرير الذي أُعلن عنه في الثامن أكتوبر الماضي بشأن التقدم في المفاوضات بين تركيا والاتحاد الأوروبي.

وأوضحت ماجا كوسيانسيك أن التقرير أكد ضرورة أن تتم تحقيقات الفساد في إطار من الشفافية والنزاهة لأهميتها. وأكدت زيادة المخاوف لدى الاتحاد الأوروبي من إمكانية أن تجري التحقيقات حول وقائع الفساد التي تم الكشف عنها في شهر ديسمبر 2013 بشكل شفاف ومحايد دون النظر لأي اعتبارات أو امتيازات.هذا فيما ذكرت مجلة نيويوركر الأمريكية، الأوسع انتشارا بين أوساط المثقفين في الولايات المتحدة، في مقال لها بعنوان "الفساد والتمرد" اسم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بجانب رئيس دولة هايتي الديكتاتور جين-كلود دوفالر ورئيس بيرو الهارب ألبرتو فوجيموري.

هذا فيما كشف مجلس القضاء المالي التركي مؤخرا عن أن بعض المستشارين الذين يتقاضون رواتبهم من مؤسسات عدة بالدولة يحصلون على رواتب من هيئة الأقمار الاصطناعية التركية (تركسات) TÜRKSAT أيضا إلى جانب رواتبهم من رئاسة الجمهورية. وبحسب تقارير المجلس تبين أن المسئولين المنطوين بمجلس إدارة هيئة "تركسات" إلى جانب مستشاري الرئيس التركي أردوغان يتقاضون رواتب عالية جدا تفوق رواتب العاملين بالمؤسسات الأخرى بثلاثة أو أربعة أضعاف.

وكان لطفي إلوان وزير النقل والملاحة البحرية والاتصالات أصدر تعليمات بوقف هذه الرواتب خاصة بعد ردود الفعل والضغوط التي أبداها الرأي العام عقب الكشف عن أعمال الفساد التي طفت على السطح في 17 ديسمبر 2013. وأوضح تقرير مجلس القضاء المالي أن الرواتب المدفوعة لأعضاء مجلس الإدارة تخالف القوانين المنصوص عليها. كما طالب بإعادة المدفوعات الزائدة التي قدمت منذ عام 2005 حتى اليوم من الأعضاء بمجلس الإدارة والرقابة بفوائدها القانونية. والأمر اللافت للانتباه هو وجود الكثير من المستشارين المقربين لأردوغان في مجلس إدارة “تركسات”. كما أن كبار المستشارين بدأوا يتقاضون رواتب قرابة 10 آلاف ليرة شهريًا مع علاوات من “تركسات” إلى جانب الرواتب التي يحصلون عليها من رئاسة الوزراء.

هذا في حين كشفت عدد من الصحف التركية عن العديد من عمليات الفساد، حيث شهد عطاء خط مترو “مجيديه كوي-محمود بك" أعمال فساد، حيث قام رجال الأعمال المقربون من أردوغان المشاركون في العطاء بتحديد سعر للمشروع ورسى عليهم العطاء بالسعر الذي طلبوه. كما أوضحت بعض التقارير قيام وزير المواصلات التركي بن علي يلدرم بالتقدم للحصول على مناقصة تشغيل البوفيه والكافيهات التي سيتم إلحاقها بمحطة "يني كابي" ضمن مشروع مترو مرمراي الذي يربط الشطرين الأوروبي والأسيوي لمدينة إسطنبول. كما أوضحت الإفادات الواردة في تقارير الشرطة أن رجل الأعمال التركي المعروف علي أغا أوغلو منح قطعة أرض مساحتها 20 فدانا إلى وقف خدمة الشباب والتعليم الذي يرأسه بلال نجل أردوغان، وذلك في مقابل تقديم بلال الدعم لحل المشاكل التي يواجهها مشروع 1453 السكني الفاخر الذي تنفذه شركة أغا أوغلو للمقاولات في إسطنبول.

وعلى الرغم من أن هذه الملفات كانت كفيلة بأن يقدم أردوغان استقالته، إلا أنه أعد التحقيقات على إنها محاولة للإطاحة بالحكومة والانقلاب عليها، وبدأت حملة التصفية شملت رجال القضاء والأمن والهيئات الرسمية كافة.

التحدي الخامس- مشكلات التضييق على حرية الرأي والتعبير:

وجهت العديد من التقارير الدولية الكثير من الانتقادات لحكومة حزب العدالة والتنمية بسبب تراجع حرية الصحافة وتحول تركيا لتغدو أكبر "سجن" للصحفيين على المستوى العالمي، بسبب القيام بسجن عدد كبير من الصحفيين في قضايا تتعلق بحرية الرأي والتعبير، وقد أفضى ذلك لأن تعتبر العديد من الاتجاهات التركية عن أن هذه الحكومة باتت تشكل كابوسا بالنسبة للدولة والإعلام. فقد اعتقل أكرم دومانلي رئيس تحرير صحيفة "زمان" لمدة 6 أيام. كما اعتُقل هدايت كاراجا مدير مجموعة "سامان يولو"، وذلك في إطار المحاولات الحكومية لتصفية حركة الخدمة.

وكان أردوغان قد قال أمام اجتماع السفراء الأجانب المعتمدين في تركيا في الخامس من يناير 2015: "أقولها بتحد ليس هناك حرية في الإعلام لا في أوروبا ولا في الدول الغربية الأخرى مثلما لدينا هنا في تركيا"، وذلك ردا على موجة الانتقادات المتواصلة ضده وضد حكومة العدالة والتنمية بسبب حملة المداهمات والتضييق على حرية الصحافة.

وقد استمر المجلس الأعلى للإذاعة والتليفزيون التركي (RTÜK) في سياسة فرض العقوبات على القنوات الإخبارية المعارضة لتناولها أخبار وأقوال الصحف، وأوضح المجلس في حيثيات القرار أنه قرر فرض العقوبة على بعض القنوات لتناولها الأخبار المنشورة في الصحف. 

وانتقد عدد من أعضاء المجلس الذين لا ينتمون للحزب الحاكم العقوبات التي تغرق القنوات المعارضة بالعقوبات المالية الباهظة. وقال أسعد تشيبلاك أحد أعضاء المجلس: "لقد اتخذ المجلس الأعلى للإذاعة والتليفزيون التركي خطوات ضد عدد من القنوات الإخبارية لعرضها أخبارا حول اللجنة البرلمانية لتقصي الحقائق بشأن أعمال الفساد والرشوة التي تم الكشف عنها في تحقيقات 17 و25 ديسمبر 2013، رغم أنها كانت منشورة في الصحف".

هذا في حين وزعت لجنة التضامن مع الصحفيين السجناء بيانا مكتوبا قالت فيه أن حزب العدالة والتنمية أساء استخدام السلطة وتجاوز الصلاحيات الممكن اتخاذها بخصوص قانون مكافحة الإرهاب.‏ ويوجد في تركيا حالياً أكثر من 100 صحفي سجين ولكن حرية التعبير ليست مشكلة الصحفيين فقط في تركيا إذ يوجد أكثر من 600 طالب جامعي و5200 شخص آخرين تم اعتقالهم في سياق ملاحقة كل من له اتصال مع حزب الاتحاد الوطني الكردستاني.

وقد أشار الاتحاد الأوروبي في بيان شديد اللهجة، إلى حملة المداهمات التي شنتها الشرطة في تركيا ضد المؤسسات الإعلامية "لا توافق مع حرية الإعلام وتعد انتهاكا للقيم الأوروبية". وجاء في البيان المشترك الذي أصدره مفوض توسيع الاتحاد يوهانس هان ومسئولة العلاقات الخارجية في الاتحاد فيديريكا موغريني: "إن المداهمات والاعتقالات التي جرت في تركيا لا توافق مع حرية الإعلام التي تعد مبدأ أساسيا من مبادئ الديمقراطية. هذه العملية تعد انتهاكا للمعايير والقيم الأوروبية التي تطمح تركيا لأن تصبح جزءا منها". وكانت الشرطة التركية قد داهمت في محطة تلفزيون سامانيولو وصحيفة زمان المرتبطتين برجل الدين المعارض فتح الله كولن المقيم في الولايات المتحدة. وأدت المداهمات التي جرت في اسطنبول و12 مدينة تركية أخرى إلى إلقاء القبض على 14 شخصا على الأقل منهم مدراء ومخرجون ومسئولو إنتاج.

هذا فيما لفت التقرير السنوي بفريدم هاوس (Freedom House) في تقريرها الأخير المسمى بـ"الحرية في العالم 2015.  إلى أن أردوغان طالب رؤساء وسائل الإعلام بصورة علنية، بوضع رقابة على النشر أو وطرد الصحفيين المعارضين للحكومة، وأنه لم يحترم قرارات المحكمة الدستورية التركية. كما أشار إلى أنه هدد الصحفيين والكتاب ووبخ الصحفيات وأصدر تعليمات بإدخال تعديلات راديكالية وغريبة في المناهج الدراسية. وأكد التقرير أن وسائل الإعلام والقضاء واجهت تدخلات كبيرة للسلطة التنفيذية والتشريعية، وظهر ذلك عبر شن سلطات الأمن سلسلة من المداهمات والاعتقالات في وسائل الإعلام التي أصبحت تنعت بـ "العدو السياسي لأردوغان".

التحدي السادس- الصراع المتجدد مع حزب العمال الكردستاني:

شهدت تركيا صراعا عنيفا، استمر قرابة العام ونصف في الفترة ما بين يونيو 2011 وديسمبر2013. فبعدما باءت مفاوضات "أوسلو" بالفشل، ووصلت إلى طريق مسدود -تلك المفاوضات التي جرت بين حكومة حزب العدالة والتنمية وحزب العمال الكردستاني، عندما أوعز رئيس الوزراء التركي السابق ورئيس الجمهورية الحالي رجب طيب أردوغان لرئيس المخابرات التركي هاكان فيدان بالتفاوض مع عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني ومفوضين عن الحزب؛ رغبة في رأب الصدع وإنقاذ البلاد من أزمة سياسية داخلية-فإن الأزمة الكردية دخلت دوامة جديدة من العنف، وبدأت تشكل معضلة سياسية في البلاد. وارتفعت حدة التوتر السياسي بسبب الاشتباكات العنيفة والاعتقالات الجماعية والإضراب عن الطعام الذي شهدته البلاد. الأمر الذي أفضى إلى أن تسود حالة عامة سيئة، في ظل غضب عارم أوشك على الانفجار، خصوصا فيما بين قاطني محافظة ديار بكر أو ما يجاورها من المحافظات الأخرى ذات الأغلبية الكردية في المنطقة في الأشهر الأخيرة من عام 2012.

بيد أن هذا المشهد بدأ يتغير شيئا فشيئا مع مطلع عام 2013. وظهر ذلك بوضوح مع تدخل عبد الله أوجلان لحل مشكلة الإضراب العام عن الطعام، الذي أقدم عليه مناصرو حزب العمال الكردستاني المعتقلين في سجون البلاد المختلفة. ذلك الإضراب الذي قيل عنه إنه كان مخططا له مسبقــا في إطار خطة وضعتها بؤرة مظلمة داخل المخابرات التركية والعمال الكردستاني بهدف تلميع صورة أوجلان،حيث أقلع عناصر المنظمة عن عملية الإضراب بدعوة زعيمهم أوجلان، وعقبها مباشرة أطلقت الحكومة فترة جديدة لمفاوضات السلام مع العمال الكردستاني، ليعود بذلك أوجلان مرة أخرى إلى المشهد السياسي بعد انقطاع دام لأكثر من خمسة عشر عاما، حيث إنه يقضي عقوبة السجن مدى الحياة في سجن جزيرة إيمرالي غربي تركيا منذ عام 1999.

وعلى الرغم مما قد تشهده المفاوضات من تقدم، غير أن مسار التطورات الإقليمية بات يشكل عاملا سلبيا في إنهاء هذه القضية، خصوصا مع تنامي طموح حزب العمال الكردستاني في تكرار تجربة شمال العراق في تركيا، سيما أن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي BYD ووحدات حماية الشعب YPG في سوريا استطاعت أن تصد هجمات "داعش" على مدينة عين العرب "كوباني"، بما ساهم في تدويل القضية، وجذب مزيد من التعاطف الدولي مع المسألة الكردية، ودفع تركيا بالأخير إلى السماح بتمرير السلاح والمقاتلين الأكراد عبر أراضيها، إلى المناطق الكردية في سوريا، هذا على الرغم من تصنفيها لحزب الاتحاد باعتباره حزب إرهابي، كونه يشكل امتداد لحزب العمال الكردستاني.

هذه التطورات تلقى بظلالها على اتساع نطاق أزمة عدم الثقة بين أطراف عملية السلام داخل تركيا، خصوصا بعد اندلاع المظاهرات الكردية وما ترتب عليها من أحداث عنف وتدمير لعشرات المنشآت الحكومية والخاصة، بعد أن امتدت المظاهرات إلى اسطنبول التي يقطنها ما يتجاوز نحو مليوني كردي.

التحدي السابع- ارتفاع حدة الاستقطاب السياسي والمجتمعي:

لم تشهد تركيا تنامي الاستقطاب العرقي والديني والسياسي في العقد الأخير منذ أن تسلم حزب العدالة والتنمية مقاليد الحكم فحسب، بل إن الاستقطاب شهد الكثير من التطور والتجذر على مدى عقود من الزمان. وغالبا ما كان يستغل من طرف الأحزاب المنافسة أو الأشخاص ذوى النفوذ عندما يدركون بأنه يمكن أن يخدم أغراضهم السياسية.

ولعل الانتقادات المتزايدة التي وجهتها أحزاب المعارضة، ومنظمات المجتمع المدني، وعدد من المفكرين بأن آليات صناعة السياسة لحكومة حزب العدالة والتنمية بدأت تحد من عملية التغيير الديمقراطي في تركيا، جعلت الرأي العالم التركي والمجتمع الدولي يتساءلان عن مستقبل الاستقطاب السياسي والاجتماعي في تركيا في فترة حكم الرئيس التركي الجديد رجب طيب أردوغان.

وفي هذا الإطار صدر تقرير عن "مركز رجال العلم للدراسات الإستراتيجية" في إسطنبول. ويتناول مسألة الاستقطاب العرقي، والديني، والسياسي في تركيا، من خلال دراسة استندت إلى نتائج ومؤشرات علمية، ويقول التقرير إنه عند تقييم نظرة كل من الأتراك والأكراد لبعضهما بعضًا، فإنه يظهر أن تصرفات وانفعالات الأتراك تجاه الأكراد أعلى من تصرفات الأكراد تجاه الأتراك. كما تشير النتائج إلى أن هناك فردا واحدا من بين كل خمسة أفراد أتراك يضمر حالة من التصرف بحدة وردة فعل عنيفة تجاه الأكراد في القطاعين الخاص والعام.

وفيما يتعلق بأعمال التمييز التي تستند إلى مرجعية عرقية، أظهرت نتائج التقرير أن ثمة شخصا واحدا من بين كل ستة أشخاص في تركيا يشهد أعمال تمييز سواء كان في الماضي أو في الوقت الحاضر بسبب انتمائه لعرق آخر. كما رصد التقرير أن أعلى نسبة من الأعراق التي تشهد أعمال تمييز في البلاد هم الأكراد، ثم يليها نسبة المواطنين ذوى الأصول العربيّة. وبتحليل مفهوم التمييز العرقي وفق ناخبي أو مؤيدي الأحزاب السياسية لوحظ أن أعلى نسبة تمييز –في الماضي والوقت الحاضر- موجودة بين ناخبي حزبي السلام والديمقراطية والشعوب الديمقراطي الكرديين، وتراجعت نسبة التمييز لدى حزب العدالة والتنمية الحاكم مقارنة بما كانت عليه في الماضي، بينما شهدت ارتفاعًا لدى حزبي الشعب الجمهوري والحركة القومية أكبر حزبين معارضين في البلاد.

ويشير التقرير إلى أن ثمة شخصا من بين كل ثلاثة أشخاص في تركيا لا يرحب بفكرة الزواج أو عقد صلة قرابة مع العلويين ويرى مشكلة في ذلك. واللافت أن ثمة شخصًا واحدًا من بين كل خمسة أشخاص تقريبًا يشعر بانزعاج واستياء إذا كان رئيس الوزراء أو رئيس الجمهورية من العلويين، ويرجع ذلك لمسألة مذهبيّة.

ولوحظ–حسب التقرير- أن أعلى معدلات في التصرف بطريقة حادة تجاه العلويين في القطاعين العام والخاص موجودة لدى ناخبي حزب العدالة والتنمية الأكثر اعتدالا في تاريخ الأحزاب الإسلامية التي ظهرت في تركيا خلال العقود الأربعة الأخيرة، ثم يليه حزب الحركة القوميّة. بينما يعد ناخبو حزبي السلام والديمقراطية والشعوب الديمقراطي هم الأقل من ناحية ردة الفعل والتصرف بشكل حاد تجاه العلويين. ويُفهم من ذلك أن ثمة شخصا واحدا من بين كل ثلاثة أو أربعة أشخاص من العدالة والتنمية والحركة القومية يرى أن ثمة مشكلة في الزواج من العلويين. كما أن ثمة شخصا من بين كل أربعة أشخاص تقريبًا بين ناخبي هذين الحزبين يشعر بضيق وقلق من أن يكون رئيس الوزراء أو رئيس الجمهورية فى تركيا من العلويين.

كما سلط التقرير الضوء على نظرة فئات المجتمع إلى العلويين وفق الهوية الدينية والسياسية، وأوضح أن أعلى معدل فى التصرفات الحادة أو الاستيائية ضد العلويين موجودة لدى هؤلاء الذين يطالبون بتطبيق الشريعة الإسلامية فى تركيا وكذلك الذين يرون أنفسهم على أنهم محافظين متدينين، بينما لوحظ أن أقل ردة فعل ضد العلويين موجودة بين الاشتراكيين، والماركسيين، والشيوعيين.

كما أشارت نتائج التقرير إلى أن أعلى ردة فعل تجاه الأشخاص المنتمين لأديان أخرى والملحدين داخل القطاعين الخاص والعام موجودة لدى مؤيدي حزب العدالة والتنمية الذي انطلق من فكرة العادات والتقاليد والنزعة الدينية، ويليه حزب الحركة القومية. واللافت أن أقل ردة فعل تجاه هؤلاء كانت لدى مؤيدي حزب الشعب الجمهوري.

التحدي الثامن- معدلات تعاطي المخدرات ووتيرة الانضمام لـ"داعش":

بات المجمع التركي يواجه العديد من الظواهر الجديدة التي تشير إلى تحديدات عديدة قد تؤثر سلبا على نمط استقرار المجتمع حيث غدت تمتلئ مدينه اسطنبول التركية بالأحياء والقرى الصغيرة، التي يعيش فيها الكثير من الأتراك معدومي الدخل والذين يتجهون إلي المخدرات والدين هربا من أعباء الحياة وضغوطها، حتى ينضموا في أحيان عديدة إلى جماعات التطرف ليتفاجأ ذووهم أنهم قد غادروا إلي سوريا للقتال بصفوف "داعش".

وقد أشار تقرير لمجله "نيوزويك" الأمريكية، إلي أن الأتراك يشعرون باليأس أمام نجاح "داعش" المستمر في تجنيد الشباب الأتراك. ونوهت المجلة الأمريكية إلي أن أحد أسباب نجاح مهمة "داعش" في تجنيد الشباب التركي يتمثل في تراخي الشرطة وعدم قدرتها علي استعاده ذويهم أو إعادتهم إلي رشدهم. واستطردت المجلة أن التنظيم المتطرف نجح في تجنيد الأتراك في الأحياء السنية المترعة بالفقر وإدمان المخدرات عبر الانترنت وعبر الجمعيات التي تهدف إلي دراسة الدين الإسلامي. وضربت "نيوزويك" المثل بـ19 تركيا من عائله واحده سافروا إلي سوريا للانضمام إلي "داعش" بينما أربعة آخرون علي الأقل من نفس العائلة في طريقهم للحاق بأقاربهم.

وبحسب مسئولين حكوميين أتراك وتقارير إعلامية تركية فإن ما يقارب الألف مقاتل تركي انضموا إلى "داعش". وتشير تقديرات إلى المجندون ينضمون لتنظيم المتطرف بسبب الأموال التي تدفعها من خزائنها للمقاتلين، فيما قدرت "وكالة الاستخبارات المركزية" الأميركية (سي آي إي) الأسبوع الماضي، أعداد التنظيم بما يتراوح بين عشرين وخمسة وثلاثين ألف مقاتل في العراق وسوريا.

وعلى جانب آخر، فقد انتشر في تركيا مؤخراً وبسرعة كبيرة مخدر يطلق عليه "بونساي"، والذي كان سبباً رئيسياً في وفاة عدد كبير من الشبان الأتراك. وتزامن انتشار هذا المخدر مع الارتفاع العالمي والملحوظ في تعاطي المخدرات بين الشباب مثل مخدر "ملح الاستحمام" وأنواع من "الماريغوانا" ذات الشعبية في الولايات المتحدة الأميركية. وانتشر "بونساي" في تركيا، دون وجود أي نوع من القوانين التي تحظر بيعه أو استخدامه. وعندما لفت الأمر الانتباه، كان قد فات الأوان وأحدث هذا المخدر الكثير من الضرر.

التحدي التاسع- الدعم التركي لتنظيم "داعش":

تأكد نمط العلاقة الوثيقة التي تجمع بين الحكومة التركية وتنظيم داعش عبر العديد من التقارير التركية والغربية، وفي هذا الإطار ذكرت صحيفة ديلي ميل في 25 أغسطس 2014 أن العديد من المقاتلين الأجانب انضموا لداعش في سوريا والعراق بعد السفر عبر تركيا، فالمقاتلين الأجانب الذين انضموا لداعش عن طريق تركيا - وخاصة من المملكة المتحدة – كانوا يسمونها "بوابة الجهاد"، وكانت قوات حرس الحدود التركية إما تغض الطرف عن هؤلاء المقاتلين أثناء عبورهم الحدود، أو يسمحوا لهم بالعبور مقابل مبالغ مالية. كما حصلت شبكة سكاي نيوز البريطانية على وثائق تُظهر أن الحكومة التركية قد ختمت جوازات السفر للمقاتلين الأجانب الذين سعوا لعبور الحدود التركية إلى سوريا للانضمام لصفوف داعش.

وذكرت وكالة CNN Turk  أن هناك عدة مناطق في قلب اسطنبول أصبحت بقع تجمع العناصر الجهادية وتدريبها، وهو الأمر الذي يتضح من خلال عدة مقاطع فيديو تم وضعها على موقع دعائي باللغة التركية تابع لداعش "takvahaber.net"، وقد أكدت الوكالة الإخبارية أن قوات الشرطة التركية كان في مقدورها إيقاف هؤلاء المجاهدين، ولكنها لم تفعل. وهو الأمر الذي دفع عدد من نواب البرلمان التركي إلى تقديم أسئلة لوزير الداخلية حول مدى صحة وجود معسكرات للجهاديين تابعة لداعش في قلب اسطنبول، وإذا ما كانت تلك المعسكرات تشهد أعمال تدريبية بالفعل.

وذكرت بعض التقارير تصريحات لـ"دانجير مير محمد فرات"، العضو المؤسس في حزب العدالة والتنمية الحاكم، والذي تقدم باستقالته في يوليو 2014، أن تركيا لازالت تدعم الجماعات الإرهابية وتعالج مقاتليهم في مستشفياتها، وذلك في سبيل إيقاف تقدم الأكراد في سوريا، فوزير الصحة التركي قد أعلن ذات مرة أن معالجة مصابي داعش هو التزام إنساني.

ووفقاً لصحيفة "طرف" التركية فإن واحداً من كبار القادة العسكريين في داعش، واليد اليمنى للبغدادي، كان يُعالج في مستشفى في مدينة "سانليورفا" التركية، جنباً إلى جنب مع مقاتلين أخرين من داعش. وتذكر التقارير أن مقاتلي داعش يُعالجون في جميع أنحاء جنوب شرق تركيا، وقد تزايدت أعدادهم منذ بدء الغارات الجوية الأمريكية على داعش في أغسطس الماضي 2014.

ورغم الحملة التي تقودها إدارة أوباما لتضييق الخناق على شبكات بيع النفط لصالح داعش، يبدو أن تركيا – وفقاً لصحيفة نيويورك تايمز – لا ترغب في إحكام القبضة الدولية على هذه الشبكة، وذلك نتيجة لتورط مسئولين حكوميين في شبكات البيع هذه، والاستفادة من انخفاض أسعار النفط، فتقاريرٌ عدة تؤكد أن داعش تبيع النفط السوري والعراقي بأقل من السعر العالمي بحوالي 75%.

وفي 13 سبتمبر 2014 نشر الصحفي التركي " فهيم تستكين" مقال في صحيفة "راديكال" تحدث فيها عن الأنابيب غير الشرعية التي تنقل النفط من سوريا إلى الحدود التركية، حيث يُباع النفط بأقل من 1.25 ليرة للتر الواحد، وبعد فترة أوضح "تستكين" أن هذه الأنابيب قد تم تفكيكها بعد ثلاث سنوات من عملها وذلك بمجرد نشر مقاله حولها. فضلاً عن تصريحات لأحد مسئولي وزارة العدل التركية حول تورط بعض الشخصيات التركية في بيع النفط لداعش، وهو الأمر الذي أكده أيضاً أحد أعضاء البرلمان الألماني عن حزب الخضر في 14 أكتوبر 2014.

وقد تناول تقرير هام لـ"OdaTV" مدى فاعلية "موقع الدعاية الداعشي" الناطق بالتركية "takvahaber.net" والذي يعتبر أحد أهم مصادر تجنيد الأفراد الناطقين باللغة التركية في تركيا وألمانيا. وقد أكد التقرير أن هذا الموقع يُدار من خلال مدرسة "Irfan Koleji" التابعة لمؤسسة "llim Yayma Koleji"، وهي مؤسسة مختصة في نشر تعاليم الدين الإسلامي، وذكر التقرير أن أردوغان وأحمد داود أوغلو قد ساهموا في إنشاء هذه المؤسسة. كما نشرت القناة شريط فيديو يُظهر بعض مقاتلي داعش وهم يركبون حافلة في إسطنبول.

وحول استخدام "جبهة النصرة والجماعات الجهادية الأخرى لغاز "السارين" في عملياتها داخل سوريا، تقول الصحفية الأمريكية "سيمور هيرش" أن هجمات غاز السارين في سوريا، قد أثارت قضية مدى تورط دول الجوار في مجريات تطور الأحداث على الساحة السورية، وخاصة تركيا، في ضوء التعاطف والتأييد الذي يبديه أردوغان لتنظيم "جبهة النصرة". وعلى هذا يؤكد أحد مسئولي الاستخبارات الأمريكية تورط تركيا في تزويد الجماعات الجهادية في سوريا بغاز السارين، وذلك من أجل الإيحاء لأوباما بأن الوضع في سوريا قد تخطى الخط الأحمر، مما يوجب تدخل عسكري أمريكي عاجل. وفي ذات السياق، ادعى "ديمير سيليك" عضو البرلمان التركي عن حزب الشعب الديمقراطي، في 20 سبتمبر عام 2014، أن هناك قوات تركية خاصة تحارب في صفوف داعش.

ووفقاً لصحيفة "Nuhaber" التركية، هناك شرائط فيديو تُظهر قوافل عسكرية تركية – عليها كتابات باللغة التركية - تحمل دبابات وذخائر تتحرك بحرية تحت أعلام داعش في منطقة "جرابلس" السورية ومنطقة "كاركاميس" الحدودية، وذلك في 25 سبتمبر 2014. كما ادعى "صالح مسلم"، رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي، أن 120 متشدداً عبروا إلى سوريا من تركيا بين 20 و24 أكتوبر 2014. وهو ذات الأمر الذي أكدته مقالة رأي نُشرت في صحيفة نيويورك تايمز في 29 أكتوبر عام 2014.

كما أكد أحد القادة الأكراد في كوباني أن جوازات سفر مقاتلي داعش تحمل أختام تركية. وهو الأمر الذي أكده منع الشرطة التركية للعديد من الأكراد من عبور الحدود التركية-السورية للقتال في صفوف الأكراد في معارك كوباني.

وفي الختام، يمكن القول أن هذه التقارير والمعلومات التي تفيد تورط تركي في دعم داعش، تأتي لتعزز المشهد المواقف السياسية التركية المعلنة، بداية من رفضها الانخراط في الحرب الدولية ضد داعش، مروراً برفضها لتسليح الأكراد في كوباني واستيائها من تنامي قوتهم العسكرية.

التحدي العاشر- توتر علاقات تركيا مع العديد من القوى الدولية والإقليمية:

ارتبط نجاح سياسات تركيا الإقليمية بمبدأ "صفر  مشاكل" Zero- Problems مع دول الجوار في ضوء الانفتاح على دول الجوار القريب والبعيد، والابتعاد عن سياسات المحاور والاستقطابات، والاضطلاع بدور الوسيط وصانع السلام في المنطقة. إلا أنه منذ عام 2011، اشتعل الصراع بين تركيا وعدد من الأطراف الإقليمية، في إطار سعى النظام التركي إلى إحداث تغيير في الإقليم من خلال دعم بعض الأنظمة الإسلامية، بما يصب في مصلحة تركيا.

وعليه، فقد تحولت تركيا من سياسة تصفير المشكلات إلى سياسة خلق المشكلات وصفر أصدقاء، وهو ما تسبب في إحاطة تركيا بحلقة من العداءات، ومن أبرز الأمثلة على ذلك؛ توتر العلاقات مع مصر نتيجة المواقف التركية الداعمة لجماعة الإخوان المسلمين، والمناهضة لنظام ما بعد 30 يونيو، واستياء السلطات في بغداد من تنامي التقارب بين أنقرة وأكراد العراق، وفتح جبهة صراع جديدة على الحدود الجنوبية التركية – السورية، انطلاقًا من مواقفها وسياساتها الداعمة للمقاومة السورية التي استضافت أنشطتهم على أراضيها وزودتهم بالمعدات والأسلحة، وكذلك دعم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) لفترة من الزمن ثم الانحياز بعد ذلك لشعار مكافحة الإرهاب دون محاولة جادة فئ مقاومته. الأمر الذي انعكس سلبا على صورة تركيا في كلٍ من العالمين الإسلامي والتركي، حيث سقطت هالة الجاذبية التي أحاطت بالنموذج التركي وبالأفكار العثمانية الجديدة التي يتضمنها.

وقد أخذ النفوذ التركي والدور الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط بالتراجع، على نحو واضح، نتيجة انحسار الأنظمة ذات التوجهات الإسلامية التي كانت تدعمها تركيا بشكل مطلق، فقد سقطت جماعة الإخوان المسلمين في مصر في عام 2013، وفى الانتخابات التشريعية التونسية الأخيرة فشل حزب النهضة الإسلامي في الاحتفاظ بأغلبية الأصوات حيث جاء في المرتبة الثانية بنسبة 32% من إجمالي الأصوات، وقد تسببت السياسات الطموحة لتركيا والمبالغة فى دعم الإسلام السياسي في جعلها دولة منبوذة من بلدان كثيرة في المنطقة، مما أدى إلى نفور قطاع عريض من الجماهير العربية من سياساتها ومواقفها وما يرتبط بها من أفكار عثمانية جديدة.

وفي هذا السياق لجأ خصوم تركيا إلى التركيز على الخلفيات السلبية في التاريخ التركي لتشويه الصورة التي  رسمتها نخبة الحزب علاوة على ذلك، تم شن حملة عنيفة للتشهير بالحزب من قبل خصومه في ضوء  ردود الفعل العنيفة له إزاء الأزمات الداخلية التي تشهدها تركيا؛ بداية من النهج السلطوي المستخدم في التعامل مع التظاهرات التي اجتاحت الشارع التركي والتي تم قمعها باستخدام العصا الأمنية، وكذلك قضايا الفساد التي طالت أعضاء الحزب وقياداته، إلى جانب التسريبات التي ارتبطت بملفات الأمن القومي التركي وتعلق بعضها بمحاولة البحث عن أسباب تدفع تركيا إلى القيام بعمليات عسكرية في سوريا، وكذلك قيام حكومة العدالة والتنمية بالتضييق على المعارضة التركية سياسيا وإعلاميا وإلكترونيا.

وقد ترتب على ذلك أن تضررت الصورة النمطية لتركيا على مستوى الإقليم، بفعل سياسات الدعم والمساندة لجماعة الإخوان المسلمين في مصر وعلى مستوى الإقليم، وهو الأمر الذي جعل تركيا وفق بعض الاتجاهات لا تختلف عن إيران كونها تدعم تنظيمات محلية داخل العديد من الدول العربية، بغرض تمديد النفوذ والسيطرة على بعض الجماعات داخل الدول العربية.

وقد ساهم في تضرر صورة تركيا الخارجية موقفها الداعم للتيارات الإرهابية على الساحة السورية وفي العراق، وتسهيل عملية عبور المقاتلين عبر حدودها مع الدولتين، والتلكؤ في دعم التحالف الإقليمي – الدولي لمحاربة تنظيم "داعش". هذه العوامل ساهمت في تراجع الحديث عن "النموذج  التركي" على المستوى الأكاديمي والإعلامي والشعبي، ولم تعد تركيا على المستوى الرسمي تشكل فرصة بالنسبة لدول المنطقة وإنما في أغلب الأحيان تمثل عبء إقليمي ودولي.