المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

اللواء خيرت يكتب: أزمة قطر والدرس الأمريكى

الثلاثاء , 18 يوليو 2017 - 01:27 مساءٍ

اللواء عبد الحميد خيرت
اللواء عبد الحميد خيرت

كشف التعامل الغربي، والأمريكي بالذات، مع الأزمة القطرية، عن الجانب الخفي في العلاقات الدولية، خاصة فيما يتعلق بالقضايا العالمية المصيرية والأكثر خطورة وحساسية.

 

الموقف الأمريكي، وما يبدو من تضارب أو تناقض بين البيت الأبيض ووزارة الخارجية تحديدًا، بدا جليًّا وتبلور في الأيام الأخيرة، بما يشبه عكس الاتجاه تمامًا، فالرئيس ترامب، الذي غرَّد بصرامة ضد قطر، بل اعتبر أن لها سجلًا حافلًا في تمويل الإرهاب، خالفه وزير خارجيته تيلرسون، الذي صرح في الدوحة بأن الموقف القطري في التعامل مع الأزمة «منطقي»، وهو ما أثار استغراب البعض. لكنى أعتقد أن هذا ليس تناقضًا بين أركان الحكم في الإدارة الأمريكية، بقدر ما هو توزيع أدوار ربما يكون متفقًا عليه.

 

وإذا كانت دول الخليج الرئيسية بقيادة السعودية محور اهتمام كبير لإدارة ترامب، بدليل الصفقات الضخمة التي أبرمت، إلا أن قطر، هي طفل واشنطن المدلل، وأداتها الرئيسية لتنفيذ المخطط الأمريكي في الشرق الأوسط، منذ إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، وبالتالي فإن واشنطن لا يمكن أن تتخلى فجأة عن «عملائها» بشكل صارخ، لأن هؤلاء العملاء يملكون من الأوراق ما يدين هذه الإدارات، ويضعها في حرج بالغ.. وهو الأمر ذاته الذي ينطبق على دول غربية أخرى، أهمها بريطانيا وفرنسا اللتان تعجَّان بإمبراطورية استثمارات قطرية و«إخوانية» هائلة مع نفوذ وشبكة علاقات تتغلغل داخل شراينهما المالية والاقتصادية والسياسية أيضًا.

 

وهنا نستطيع أن نفهم، هذا التدافع الغربي المحموم على قطر، والذي يضرب مصداقية هذه الدول في مكافحة الإرهاب، إن كانوا جادين فعلًا، وليس مجرد حملة ابتزاز وعلاقات عامة كما نشهد الآن على المسرح السياسي.

 

الحقيقة المريرة، أن ترامب لا يختلف كثيرًا عن سلفه أوباما، وإن تباينت اللغة والشعارات، لأن أمريكا محكومة بنظام مؤسسي يتوحد في الرؤى والاستراتيجيات، ويختلف في الأدوات والتوجهات، والرئيس، أي رئيس، لا يملك سوى هامش بسيط من الحركة، والهدف النهائي هو المصلحة الأمريكية العليا فقط.

 

الملف الإيراني مثال صارخ، فترامب الذي أزبد وتوعَّد، لم ينفذ شيئًا فعليًا من سياساته المعلنة ضد إيران التي يعتبرها نظامًا إرهابيًا، وهي نفس سياسة بوش الابن، الذي سمح بمشاركة إيران في السيطرة على العراق بعد إسقاطه واحتلاله لتصبح لها اليد الطولي في شأنه، رغم عدائه المعلن، كلينتون وبعده أوباما تعاملا بذات المنطق، حتى ترامب شديد العداء لإيران، يقبل بوجود عناصر من الحرس الثوري الإيراني لحماية النظام القطري، في ذات الوقت الذي توجد له في الدوحة أكبر قاعدة عسكرية خارج الولايات المتحدة.

 

ترامب يدين قطر «إعلاميًا» ويدينها بالتورط في الإرهاب، بينما وزير خارجيته يغض الطرف عن التحالف الإيراني- القطري، ويوقع اتفاقًا مشتركًا معها، باعتباره مقدمة لحلحلة الأزمة القطرية مع جيرانها ومحيطها الخليجي والعربي، الولايات المتحدة تعتبر «حماس» و«طالبان» تنظيمات إرهابية، ومع ذلك لا تفتح فمها بشأن احتضان قطر وتمويلها لهم رسميًا، إضافة لعناصر جماعة الإخوان وكل المتطرفين من أنحاء العالم، بل إن قائمة الـ٥٧ الإرهابية من قبل الرباعي العربي، تضمُّ أسماء تصنفها الولايات المتحدة «إرهابية» ومع ذلك لا حسَّ ولا خبر؟!.

 

نحنُ إذن أمام حالة فريدة، ربما لم تغب عن أذهان «الفاهمين»، مفادها أن قطر وإن كانت لا تملك من أمرها شيئًا، إلا أنها رأس الحربة «الغربية» ضد عالمنا العربي واستقراره وأمنه، وهذا التهافت على «حفظ ماء وجهها» مقابل الاتهامات الموجهة لها، ما هو إلا محاولة لإبعاد الشبهة عن المتسبب الرئيسي في كل ما يحيق بعالمنا، وهذا ما تحاول غالبية النظم الغربية التلاعب به.. وبنا!

 

هذا كله، يوضح لنا ما تحاول الخارجية الأمريكية تمريره من «خروج آمن» للنظام القطري من الأزمة، وبما لا يفتح ملفات الدفاتر الأمريكية والغربية القديمة، وما أكثرها.. والتي تكشف التورط الغربي المباشر في استثمار تيارات الإسلام السياسي لتنفيذ الأجندة الفوضوية وبتمويل قطري مباشر.

باختصار ودون الدخول في تفاصيل أخرى.. يتصرفون كالمثل البلدي «اللي على راسه بطحة يحسس عليها»!.