المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

اللواء خيرت يكتب: مصر.. وابتزاز المعونة الأمريكية

الأربعاء , 30 اغسطس 2017 - 12:51 مساءٍ

اللواء عبدالحميد خيرت
اللواء عبدالحميد خيرت

جاء القرار الأمريكي بوقف أو تجميد جزءٍ من معونتها السنوية بموجب اتفاقات كامب ديفيد لمصر، بمزاعم ملفات حقوق الإنسان وغيرها، ليكشف عن لعبة «شدِّ الحبل» التي تواجهها مصر ما بعد ثورة ٣٠ يونيو بشكل عام، ليس هذا فقط، بل يفضح كيفية أسلوب استخدام المعونات المقررة وفق اتفاقات دولية معلنة ومعترف بها، لتحقيق أجندة سياسية خاصة بعيدة عن مجمل وأهداف هذه الاتفاقات.

 

ربما كان الاستياء المصري، من طريقة الضغط الأمريكي هذه غير المتوقعة بالذات في مرحلة إدارة الرئيس دونالد ترامب، مؤشرًا على وجود تناقضات كبيرة، ورواسب في إدارة الخارجية الأمريكية من بقايا الإدارة الديمقراطية السابقة، التي تتضاد بشكل معلن مع توجهات الرئيس ترامب ذاته، في قضايا كثيرة وقطر مثال واضح على هذا التناقض الفاضح ولكن عودة النغمة «الأمريكية» بربط المساعدات وقيمتها ٩٥.٧ مليون دولار وتأجيل صرف ١٩٥ مليون دولار أخرى، بما تسميه «إحراز تقدم على صعيد احترام حقوق الإنسان والمعايير الديمقراطية» ما هو إلا ابتزاز ردئ وتدخل فاضح في الشأن الداخلي المصري، واستخدام هذه المعونة كذراع سياسية يتماشى مع ادعاءات جماعة الإخوان الإرهابية وكل أعداء الدولة المصرية.

 

لذا، لا أميل كثيرًا لما برّرت به صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، قرار وقف المساعدات إلى مصر، بأنه رسالة ضمنية موجهة إلى كوريا الشمالية، وليست مصر هي المقصود المباشر منها، وأن الضغط على مصر بكارت المساعدات هو جزء من خطة واشنطن لتضييق الخناق على بيونج يانج، والتأكيد على فكرة كون النزاع معها دوليًا وليس مختصًا بأمريكا فقط، فهذا هروب غير مقبول وعجز أمريكي عن مواجهة كوريا الشمالية مباشرة.! خاصة أن الصحيفة أشارت بخبث إلى تاريخ العلاقات بين مصر وكوريا الشمالية منذ الحرب الباردة، حيث أسهم طياروها في تدريب نظرائهم المصريين قبل حرب أكتوبر ١٩٧٣ وتعززت العلاقات حديثًا بعد إنشاء شركة أوراسكوم المصرية شبكة للهاتف المحمول هناك.. وإذا كان هذا صحيحًا فلماذا لا تقوله الخارجية الأمريكية.

 

صحيح أن ردَّة الفعل المصرية، شعبيًا وإعلاميًا، كانت قوية للغاية، وكلها تؤكد أن الشعب الذى يتحمل ضغوطات اقتصادية هائلة، بوطنية عالية، ليس على استعداد لما يمكن اعتباره «إذلالًا» سياسيًا أو اقتصاديًا للتحكم فى قراراته، وأن هذا المبلغ «التافه» في قيمته قد يوازى قليلًا ثمن «ما يفرقعه الأطفال من بمب فى العيد»، ولكن رمزيته تكمن في أنه نتاج اتفاق دولي كانت واشنطن ضامنًا له منذ عهد الرئيس الأسبق كارتر وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد، وليس لها أن تخرقه بادعاءات ومزاعم سياسية لا تتعلق بذات الاتفاق!.

 

وهنا، أعتقد أن إدارة ترامب، أخطأت كثيرًا فى قرارها بما اعتبرته «إعادة برمجة» مساعدات عسكرية بقيمة ٦٥.٧ مليون دولار في العام المالي ٢٠١٧ ومعونات اقتصادية بقيمة ٣٠ مليونًا في العام المالي ٢٠١٦، حتى لا تذهب لمصر.. وأخطأت أكثر بهذا التبرير الساذج جدًا، ومع ذلك فإن قرارًا كهذا يضعنا، كشعب وحكومة، أمام مفترق طرق، علينا أن نكون صريحين للغاية مع أنفسنا وواضحين في خطواتنا المقبلة.. وأهمها الإجابة عن السؤال الحاسم: متى ننتهى من سياسة الاعتماد على المعونات الأجنبية، ولو كانت وفق اتفاقات دولية، ولا نعتمد إلا على أنفسنا وسواعدنا.. بدلًا من أن نكون ضحية لابتزاز «اللى يسوى.. واللى ما يسواش»؟.