المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

تونس ولبنان.. ما بعد الانتخابات؟

الثلاثاء , 08 مايو 2018 - 03:23 مساءٍ

حسن نصر الله والغنوشي
حسن نصر الله والغنوشي

على الرغم من أن النتائج الرسمية للانتخابات النيابية الجارية في لبنان لم تفرز بعد، إلا أن التقديرات الأولية بينت فوز أربع مجموعات كبيرة، أبرزها الثنائي الشيعي، حزب الله وحركة أمل بزعامة رئيس مجلس النواب نبيه بري، مما اعتبره حزب الله انتصارًا كبيرًا له ما من شأنه أن يكرس نفوذه في المعادلة السياسية في لبنان، فيما أقر رئيس الحكومة سعد الحريري بخسارة ثلث المقاعد التي كان يشغلها في البرلمان المنتهية ولايته.

 

ولم يعلن حسن نصرالله الأمين العام لحزب الله، عدد المقاعد التي حصدها حزبه، إلا أنه رأى في خطاب متلفز أن النتائج بمثابة “انتصار سياسي ومعنوي كبير لخيار المقاومة الذي يحمي سيادة لبنان”، وقال نصرالله “يوجد الآن كما كان في السابق، ولكن بشكل أفضل قوة، حضور نيابي كبير ووازن وحقيقي لقوى المقاومة وحلفائها واصدقائها”.

 

وحصد حزب الله  14 مقعداً وحركة أمل 16 مقعداً وحزب "القوات اللبنانية" 15 مقعداً وتيار المستقبل 21 مقعداً.

 

وقبل ساعة من خطاب نصرالله، أعلن سعد الحريري خلال مؤتمر صحافي عقده في دارته في وسط بيروت، فوز تياره بـ21 مقعداً مقابل 33 في آخر انتخابات في العام 2009، وقال "كنا نراهن على نتيجة أفضل وعلى كتلة أوسع”، مؤكداً في الوقت ذاته أنه “سعيد” بالنتيجة، وربط الحريري تراجع عدد مقاعده بطبيعة قانون الانتخاب الجديد، مقللاً من تداعيات ذلك على مستقبل تياره السياسي الذي يؤخذ عليه تقديمه العديد من التنازلات لصالح حزب الله في السنوات الأخيرة.

 

وفي لبنان، لا يمكن تشكيل الحكومة من دون توافق القوى السياسية الكبرى وأبرزها حزب الله، فالتوازنات في لبنان لا تسمح بسيطرة فئة على فئة، أو طائفة على أخرى، وستبقى المحصصات القائمة وفق معادلة الطائف هي الحاكمة (الرئيس مسيحي ماروني، ورئيس الوزراء مسلم سني، ورئيس البرلمان مسلم شيعي)، وسيكلف ميشال عون بتشكيل الحكومة الأولى بعد الانتخابات؛ حيث سيبدأ جولة من المشاورات النيابية لتشكيل الحكومة وتوزيع الحقائب الوزارية، ويتوقع أنّ التحالفات البرلمانية بعد الانتخابات ستكون شبيهة بالتحالفات الانتخابية الحاصلة اليوم، بمعنى أنّها ليس لها طابع أيديولوجي محدد بقدر ما هي قائمة على أساس المصلحة والمنفعة المتبادلة.

 

وكانت نسبة المشاركة في الانتخابات قد سجلت تراجعاً؛ حيث وصلت النسبة النهائية إلى 49.2%، ووصل عدد المقترعين نحو 1.8 مليون من أصل 3.7 مليون لبناني يحق لهم التصويت، لتتراجع بذلك عما كانت عليه في الانتخابات الأخيرة عام 2009، حين وصلت النسبة إلى 54%، وتفاوتت نسب الانتخاب بين الدوائر الانتخابية المختلفة، فسجلت دائرة "بيروت الأولى" النسبة الأقل بنسبة مشاركة وصلت إلى 33%، في حين سجلت "الشمال الثانية"، النسبة الأعلى، بنسبة تصويت تجاوزت الـ 63%.

 

وعُزيَ تراجع نسبة الاقتراع إلى القانون الانتخابي الجديد الذي تم اعتماده، والذي يعتمد نظام القوائم النسبي، مع الصوت التفضيلي؛ حيث تم تشكيل 77 لائحة انتخابية، توزعت على 15 دائرة انتخابية. وجرت العادة أن يساهم قانون الانتخاب النسبي برفع نسبة الاقتراع، وهو ما كانت المفاجأة عدم حدوثه في الانتخابات اللبنانية الحالية. ويؤشر تراجع نسبة المشاركة على "عدم ثقة" جانب كبير من المواطنين اللبنانين بقدرة الانتخابات على إحداث تغيير حقيقي، إضافة إلى "ضعف الثقة" بالقيادات والطبقة السياسية الحاكمة.

 

وتعبر فئات واسعة من اللبنانيين عن خيبة أمل من تكرار الوجوه ذاتها وخوض القوى التقليدية نفسها المعركة، علما انها لم تنجح على مدى عقود في تقديم حلول للانقسامات السياسية والمشاكل الاقتصادية والمعيشية التي يعانيها لبنان.

 

إشادة إيرانية

وعقب التقديرات الأولية التي بينت فوز "حزب الله"، أشاد علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الاعلى للجمهورية الاسلامية علي خامنئي، بما وصفه بـ "الانتصار"، "خلافا لمزاعم الصهاينة ومؤامرات السعودية"، بحسب ما أورد موقع التلفزيون الرسمي الثلاثاء، مضيفًا: "هذا الانتصار وتصويت الشعب اللبناني للائحة المقاومة... ناتج عن تأثير السياسات اللبنانية الراهنة في الحفاظ على استقلال ودعم سوريا امام الإرهابيين، وان الفوز في الانتخابات "جاء استكمالا للانتصارات العسكرية اللبنانية بقيادة حزب الله في مواجهة الكيان الصهيوني"، بحسب الموقع.

 

تهديد إسرائيلي

وتعقيبًا على تقدم حزب الله وحلفائه في الانتخابات اللبنانية، كتب وزير التعليم الإسرائيلي، نفتالي بينيت، على حسابه على "تويتر" أنّ "حزب الله يساوي لبنان"، متابعاً: "دولة إسرائيل لن تفرق بين دولة لبنان ذات السيادة وبين حزب الله وستعتبر لبنان مسؤولاً عن أي عمل داخل أراضيه".

 

وقال بينيت، العضو في مجلس الوزراء الأمني المصغر، إنّ "مكاسب حزب الله في الانتخابات اللبنانية تظهر أنه لا فرق بين الدولة والحزب المدعوم من إيران"، فيما تعكس هذه التصريحات، حمّى الصراع بين إسرائيل وحزب الله، والذي أضحت الساحة السورية ميدانه.

 

وإزاء تصاعد التوتر، بين إسرائيل وحزب الله؛ الذي يعد أحد الفاعلين الرئيسيين، في الحرب السورية إلى جانب نظام "الأسد"، مدعوماً بآلاف المقاتلين؛ تنبعث مخاوف من الوجود الميداني، لميلشيات حزب الله، في دمشق، والتطوير النوعي لتسليح عناصرها، من قبل الدولة الراعية "إيران"، حيث يمتلك "حزب الله" ترسانة صاروخية ضخمة، يسعى إلى تطويرها، لتصبح أكثر قدرة، على إصابة أهداف طويلة المدى، بدقة عالية، وهو ما يرشح الوضع للانزلاق، نحو مواجهة عسكرية مع تل أبيب، فقط، لو توافرت موافقة أمريكية.

 

وبالرغم من الاعتبارات السياسية والإستراتيجية والأمنية، التي تتحكم في تطور الأحداث على الأراضي السورية، وتجعلها محل التنفيذ أو الاختبار، يبقى الخيار منوطاً بسيناريو المواجهة، بين حزب الله وإسرائيل، الذي تعتبره الأخيرة، القوة العسكرية التي تستخدمها إيران في المنطقة، وتشكل تهديداً مباشراً عليها، ينبغي مواجهته، واستئصاله تماماً.

 

وساهم انخراط حزب الله في سوريا، في تدريب عناصره المسلحة، والاستحواذ على أسلحة نوعية، حتى لو أفقدته هذه الحرب، الشعبية والحاضنة الاجتماعية، لدى العديد من العناصر المحلية، في لبنان، نتيجة فقدان أبنائهم في حرب، جرى التورط بها لحسابات لا تخصهم، إلا أنّ الحزب، أضحى يملك نحو 150 ألف صاروخ، أي تضاعفت قدراته التسليحية والعسكرية، عدة مرات، عن العام 2006، والتي كانت تبلغ في حينها، نحو 33 ألف صاروخ.

 

ويملك الحزب، مصانع في لبنان وسوريا، تعمل على تحويل القذائف، إلى صواريخ، بالإضافة إلى، كونه يضم منظومة جيش يتكون من نحو200 ألف مقاتل شيعي، جاؤوا من لبنان وباكستان وأفغانستان، بقيادة "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني.

 

وتعد النقطة المفصلية، في الصراع بين إسرائيل وحزب الله، التي تبعت بتوترات دائمة، هي الاتفاقات المبرمة بين الجانبين، التي تقضي بمنع اقتراب الحزب من الحدود الشمالية لإسرائيل، مع سوريا، بينما أعلنت إسرائيل قيامها ببناء جدار حدودي، مع لبنان بارتفاع 6 أمتار، في كانون الأول (ديسمبر) 2017، لعرقلة أي اختراقات برية، واعتراض القذائف قصيرة المدى من إصابة المستوطنات القريبة من لبنان، ناهيك عن منع عمليات الرصد والمراقبة.

 

وتصنف واشنطن حزب الله الذي يمتلك ترسانة كبيرة من السلاح ويقاتل اسرائيل، على قائمة المنظمات الارهابية. كما تتهم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان خمسة أعضاء من الحزب باغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في العام 2005.

 

فوز النهضة "الإخواني" في تونس

على الجانب الآخر، استطاعت حركة النهضة التونسية، الفوز بالأمس في أول انتخابات محلية في تونس منذ سقوط نظام زين العابدين بن علي في 2011، وهو ما مثل عودة الحزب إلى صدارة المشهد السياسي التونسي، بعد أن تمت إزاحته من قبل ومن الخصم ذاته حزب «نداء تونس»، الذي تخلف عن النهضة هذه المرة بخمس في المائة، في مجموع البلديات.

 

وتعدّدت القراءات السياسية للنتائج الأولية المقدمة من قبل هيئة الانتخابات أو بعض شركات سبر الآراء والتي أظهرت فوز حركة النهضة الإسلامية بنسبة 27.2 في المئة من إجمالي الأصوات، فيما حلّت حركة نداء تونس ثانيا بنسبة لم تتخط 22.5 في المئة ولم تحصل بقية الأحزاب والائتلافات الحزبية سوى على 20 في المئة من مجموع أصوات الناخبين.

 

النسخة الإسلاموية التونسية ممثلة في حزب النهضة الأكثر تغييرا لمواقفه السياسية، وطالما تحدث قياديوه عن أنهم أحدثوا قطيعة فكرية مع حركة الإخوان، خصوصا الجماعة الأم المصرية، وإن كان سلوكه السياسي لا يعطي تلك الطمأنينة في اعتباره تطورا نوعيا في كل نسخ الإسلام السياسي الحركي.

 

فوز النهضة في الانتخابات البلدية لا يعني عودة الإسلام السياسي للفاعلية في المشهد السياسي كما يوحي هذا الفوز بفارق 5 في المائة به، فعلى الأرجح أن حزب النهضة استفاد من قواعده الشعبية خصوصا في فئة الكهول الذين أدركوا تأسيس الجماعة ومحنتها السياسية السابقة، ومن ثم صعودها للتقدم في هذه الانتخابات التي أحجم عنها جيل الشباب الناقم على الحكومة والأحزاب السياسية بكل تنويعاتها من اليسار إلى العلمانية والإسلامية على حد سواء.

 

حزب النهضة هو الحزب الأكثر تنظيما في الشريحة التي قررت الانتخابات، كما أنه تقدم في بلدية تونس بترشيح امرأة تفوز بأكبر المقاعد، وهو ما يعني أنه استطاع استقطاب «التقدميين» الذين لديهم تقييمهم الخاص لحزب النهضة وللإسلام السياسي باعتباره أكثر قدرة على التحشيد من الأحزاب الأخرى، وهو ما حدث في هذه الانتخابات حيث كانت كوادر الحزب الأكثر تفاعلاً، ومن ثم احتفالاً بعد ظهور النتائج الأولية.

 

وقاطع ثلثا المصوتين الانتخابات في تسجيل رقمي تونسي أيضا جديد على مستوى «العزلة السياسية» الاختيارية كجزء من فقدان الإيمان بقدرة الحكومة على التغيير، وهو مؤشر يجب أن يقلق الأحزاب السياسية أكثر من نشوتها بالفوز في دورة انتخابية، لا سيما أن «مركزية الدولة» كانت السمة الأبرز لشكل السلطة في تونس.

 

حزب النهضة في تونس سيواجه تحديا أكثر صعوبة مع تنظيم داعش الحاضر بقوة في الداخل ويعمل قياديوه التونسيون من خارج تونس في مناطق التوتر بسوريا والعراق وليبيا بكثافة الآن، وبحسب مجلة «النبأ» الداعشية، فإن جزءا من تناول إعلام «داعش» لتونس يتصل بنقد الديمقراطية، ولكن ليس فقط بأسلوب التكفير والمطالبة بالحاكمية، وإنما من خلال نقد سلوك حركة النهضة بأنها حين فازت في آخر استحقاق لم تقم بتنفيذ المطالب الإسلاموية من تطبيق التشريع والتفريق بين الرجل والمرأة في تشريعات الأحوال الشخصية.

 

حركة النهضة مطالبة أيضًا بالحيلولة دون ارتفاع منسوب التطرف والإرهاب، وتصادم المجتمع التونسي المدني بالتنظيمات المقاتلة والتيارات التكفيرية التي تمارس تكتيك الحشد وإعادة التعبئة في أزمنة الفوضى وحالة اللااستقرار، وضعف اليد الأمنية الذي تبدى في مجموعة من الحوادث الإرهابية الدامية التي شهدتها تونس من قبل.

 

فوز النهضة حق مكتسب للحركة عبر الأدوات الديمقراطية، لكن من المهم أيضاً أن تستمع لنقد وتحفظات المخالفين لها في سلوكها مع نزعات التشدد والتطرف في المجتمع، لا سيما مع التنظيمات الإرهابية التي دعا الحزب إبان فوزه السابق إلى الحوار معها، ليس على سبيل محاولة المراجعات، بل باعتبارها جزءاً من النسيج الوطني وإحدى أدوات اللعبة السياسية. وهي رؤية خطرة للغاية لأن الاعتراف بتلك الجماعات منحها شرعية مجانية مع بقاء آيديولوجيتها المتطرفة وعلى رأسها إقامة دولة الخلافة.

 

وهناك قانون جديد يتصور نقلا تدريجيا لصناعة القرار إلى المستوى المحلي لكن لا يزال من غير الواضح كيف سينفذ ذلك عمليا.

 

وعلى الرغم من أن حركة النهضة مستثناه من القوائم الإرهابية إلا أنها تابعة تنظيميًا إلى التنظيم الدولي للإخوان المسلمين المصنف إرهابيًا في العديد من دول العالم، وحركة النهضة نفسها متهمة بارتكاب جرائم تفجير فنادق في سوسة والمنستير، نفس المدينتين اللتين شهدتا الأحداث الإرهابية اليوم، وذلك في سنة 1987 وكانت الحركة المرتبطة بحركة التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، تسمى آنذاك حركة الاتجاه الاسلامي.

 

وتسعى الحركة بكل ما اوتيت من جهد لتبرئة نفسها من الاتهامات التي توجهها لها اغلبية ساحقة من التونسيين يرون ان الحركة ساهمت خلال سنتين من حكمها في تفشي الظاهرة الإرهابية بشكل غير مسبوق، وكان الغنوشي نفسه قد قال في وقت سابق إن السلفيين المتشددين هم ابناؤه وإنهم يذكرونه بشبابه قبل أن يضطر تحت الضغوطات الى تغيير موقفه منهم واصفا اياهم بالإرهابيين.