المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

الانتخابات التركية... صراع محسوم لـ "شرعية زائفة"

الخميس , 10 مايو 2018 - 02:37 مساءٍ

رجب طيب أردوغان
رجب طيب أردوغان

فيما سعى الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، للاستفادة من التطورات المتسارعة عالميًا، على الصعيدين السياسي والاقتصادي، وعدد من العوامل الداخلية، واغتنام فرصة ثانية لتولي مقاليد السلطة في تركيا، مقررًا تقديم موعد الاستحقاق الانتخابي والذي كان محددًا له 3 نوفمبر 2019، للاستفادة من صلاحيات النظام الرئاسي التي وافق عليها الشعب التركي في تصويت الاستفتاء على التعديلات الدستورية، خاصةً بعد فشل محاولة الإطاحة به، وإحكام قبضته الأمنية بشن حملة اعتقالات لأنصار الداعية المعارض، فتح الله غولن، الذي اتهم بتدبير محاولة الانقلاب على الحكم، والتي جعلته يشعر بالقوة والقدرة على الفوز بولاية رئاسة ثانية.

 

إلا أن المشهد السياسي التركي يشير إلى أن فرض حالة الطوارئ التي أعلنتها الحكومة على إثر فشل الإطاحة بنظام أردوغان من الحكم، والتوسع في حملات الاعتقال، وما تبعه من تخوفات في تراجع سعر صرف الليرة التركية مقابل العملات الأجنبية، وارتفاع معدلات التضخم، وزيادة نسب البطالة، وتأثير ذلك كله على شعبية أردوغان وحزبه الحاكم، في ظل تصاعد شعبية المعارضة، كانت الأسباب الخفية، وراء قرار الانتخابات المبكرة، بالرغم من أن بعض الأوساط السياسية أرجعت ذلك إلى رغبة حزبي التحالف المحافظ استغلال ارتفاع شعبيتهما، بعد نجاح عملية "غصن الزيتون" في منطقة عفرين السورية ضد مقاتلي حزب الاتحاد الديمقراطي، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني التركي، وتوجيه الجيش التركي ضربات قوية لمقاتلي الأخير داخل البلاد.

 

وفيما يبدو أن حزب "العدالة والتنمية" بادر إلى الدعوة لانتخابات مبكرة، بعد أن حضر لها جيدًا، بغربلة وتجديد كوادره وقياداته على مستوى الفروع في معظم الولايات التركية، في مؤتمرات عقدها خلال الأشهر الستة الأخيرة، وأفضت إلى إبعاد المشكوك بولائهم للحزب وللرئيس أردوغان، واستغلال ضعف صفوف أحزاب المعارضة، وضعف تنظيمها، حيث تشير عدد من التقارير السياسية أن أحزاب المعارضة تفتقر لوجود شخصية معارضة كارزمية، قادرة على الحشد المليوني وتحقيق الإجماع الشعبي حولها، وهذا ما أدى إلى فشل المعارضة في الالتفاف حول مرشح رئاسي واحد لمجابهة الرئيس الحالي.

 

قائمة مرشحي الرئاسة التركية

أعلنت اللجنة العليا للانتخابات التركية قائمة الأسماء التي ستخوض الانتخابات الرئاسية المبكرة المقررة إجراءها في 24 يوليو المقبل، وهم: -

"ميرال أكشنار"

"دوغو برنتشاك"

"تيميل كرم الله أوغلو"

"رجب طيب أردوغان"

"محرم إنجيه"

"صلاح الدين دميرتاش"

 

مناورات سياسية

زعمت بعض التقارير الإعلامية أن المعارضة التركية لجأت إلى اتباع مناورات سياسية أمام، أردوغان، بترشيح كل حزب لشخصية قوية في محاولة لتفتيت الأصوات خلال الجولة الأولى، ومنع أردوغان من الحصول على نسبة الـ 50% + 1 اللازمة لحسم الانتخابات من الدرجة الأولى، ومن ثم الالتفاف حول المرشح الذي سيصعد للجولة الثانية، وفي تلك الحالة ستتوحد أصوات لم يكن متاحًا توحدها في كفة واحدة خلال الجولة الأولى مثل أصوات "الشعب الجمهوري" و"الشعوب الديمقراطي".

 

واستندت في ذلك على موقفاً مشابهاً شهدته البلاد في الانتخابات السابقة في أغسطس 2014 حيث اتفق حزبا الشعب الجمهوري والحركة القومية على مرشح توافقي هو "أكمل الدين إحسان أوغلو" إلا أنه لم يحصل إلا على 38,4% من الأصوات، وفاز أردوغان حينها من الجولة الأولى بـ 51,79%.

 

انتخابات محسومة

تمكن الرئيس التركي، طيب أردوغان، من إسكات جميع فصائل المعارضة من أجل ضمان الفوز في الانتخابات المقبلة، حيث لم يكتفي بالسخرية من المعارضة في خطاباته، وتوجيه تهديدات لمن أسماهم "بقية الضالعين في محاولة الانقلاب التي أفشلت عام 2016"، واستغلال الحملة العسكرية التي شنها الجيش التركي في شمالي سوريا، وعملية إبعاد أتباع فتح الله غولن من هياكل الدولة.

 

وتشير التقارير الإعلامية إلى أن أردوغان، الذي قضى 15 عامًا في الحكم، ما بين رئيس للوزراء ورئيس للدولة، سيفوز بهذه الانتخابات، ثم يقوم بتعزيز السلطات الواسعة التي منحها له التعديل الدستوري، وتوسيع سلطاته قبل الركود الاقتصادي، بسبب مخاوف المستثمرين الأجانب من "التوجه الاستبدادي" للرئيس، الذي أكد الحلفاء الأوروبيين على أن باب الاتحاد الأوروبي سيبقى موصدًا دون تركيا، ما لم تتوقف عن "تقويض الديمقراطية"، خاصةً وأنه يصور نفسه كــ "حامي تركيا" من أعدائها سواء كانوا من الانفصاليين في حزب العمال الكردستاني أو في الاتحاد الأوروبي، أو من العلمانيين الذين يتطاولون على عقيدة الأتراك وتاريخهم، ويتبنى التاريخ العثماني والالتزام بالمبادئ الإسلامية، ومن ثم الابتعاد عن الناتو والاتحاد الأوروبي.

 

ملاحقة 60 ألف شخص

تشير التقارير إلى أن الحكومة التركية تشن حملة قمع شديدة ضد كافة معارضيها منذ يوليو عام 2016، طالت عشرات الآلاف من الأشخاص من صحافيين وأكاديميين ونشطاء حقوق الإنسان، وذلك بزعم صلاتهم بالإرهاب، وباتت سيادة القانون منتهكة إلى حد بعيد، خاصةً في ظل ملاحقة المعارضين حتى خارج تركيا؛ إذ تتعاون أنقرة مع هيئات مثل الشرطة الدولية «الإنتربول» لملاحقة اللاجئين السياسيين في الخارج.

 

وتفيد التقارير إلى أنه في عام 2017، راسلت الحكومة التركية الإنتربول لطلب المساعدة في ملاحقة حوالي 60 ألفًا، يشتبه في أن معظمهم من أتباع فتح الله كولن، رجل الدين الذي تتهمه أنقرة بأنه مسؤول عن المحاولة الانقلابية الفاشلة، وبصلاته بالإرهاب، ومن المفترض أن تتعاون كافة الدول المنضمة إلى الإنتربول في ملاحقة هؤلاء الأشخاص، وعلى الرغم من أن الإنتربول يتفحص مثل هذه الطلبات بدقة للتأكد من أن دافعها ليس سياسيًا إلا أنه لا يتم فحص تلك القوائم التي تضم آلاف الملاحقين.

 

وتصعد تركيا حاليًا قبيل الانتخابات التضييق الأمني على المعارضة، وتتخذ من محاولة الانقلاب والانضمام لجماعات إرهابية ذريعة لفرض الخوف والرعب في الشارع التركي وتغليظ العصى الأمنية وتوسيع دائرة القمع، وهو الأمر الذي يستغله أردوغان للنيل من خصومه السياسيين والمعارضين، لتمرير الانتخابات المقبلة لصالحه.

 

تحالف مهترئ

تحالفت أربع أحزاب في الانتخابات المقبلة هم: حزب الشعب الجمهوري "حزب علماني"، ويُعد أكبر أحزاب المعارضة التركية وثاني أكبر حزب في البرلمان التركي بعد الحزب العدالة والتنمية الحاكم، وحزب "جيد" وهو حزب قومي يمين وسط حديث أسسته "ميرال أكشنار" في أكتوبر الماضي، بعدما انشّقت ميرال عن حزبها القديم "الحركة القومية"، بعدما فشلت في عقد مؤتمر لانتخاب رئيس جديد للحزب بدلًا من دولت بهتلشي؛ نتيجة لمعارضتها تأييد بهتلشي للتعديلات الدستورية.

 

بالإضافة لحزب "السعادة" التركي ذي الطابع الإسلامي المحافظ، وحزب "الشعوب الديموقراطي" الكردي، الذي يمتلك رابع أكبر حصة في البرلمان التركي بعد العدالة والتنمية والحزب الجمهوري والحركة القومية، ويقبع العديد من قياداته الآن خلف القضبان.

 

وبالرغم من ذلك إلا أن هذا التحالف غير قادر على التصدي لأردوغان، وفقًا للتقارير الإعلامية المهتمة بالشأن التركي، في ظل سيطرة وهيمنة أردوغان وتصاعد نفوذه وقوته الأمنية واستغلاله للأوضاع الراهنة التي تشير بكل قوة إلى أن الانتخابات محسومة لصالح الرئيس الحالي والحزب الحاكم.