المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

"بوتفليقة" بين آمال "حمس" وغضب المعارضة

الأحد , 13 مايو 2018 - 04:55 مساءٍ

عبد العزيز بوتفليقة
عبد العزيز بوتفليقة

وسط تصاعد الغضب الشعبي، وتعالي أصوات المعارضة ضد ولاية بوتفليقة الخامسة، يسعى تنظيم الإخوان في الجزائر، عبر ذراعه السياسي حركة مجتمع السلم "حمس"، إلى الولوج من الحصار الذي بات يطارده دوليًا، والعودة إلى الحكم واعتلاء السلطة، خاصةً في ظل تفاقم الأزمة متعددة الجوانب داخل البلاد، فضلًا عن توالي الهجمات الدبلوماسية على الجزائر، والتي أرجعها البعض لغياب رئيس البلاد عن تسيير الشأن العام، بسبب تدهور حضور بوتفليقة جسديًا وذهنيًا عن كل المحطات والأحداث.

 

حيث هاجمت المعارضة الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة، والبالغ من العمر 81 عامًا من العمر، ويواجه متاعب صحية منذ سنوات بشدة، وقالت إن الدولة بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى رئيس يحدد المسار ويفتح الآفاق، وليس إلى رئيس يعرض من فترة لأخرى لتضليل الرأي العام بشأن صحته، وإن الجزائريين ينتظرون بشغفٍ فرصة جادة للتغيير، وانتخابات تفضي إلى رئيس يوجه حكومته لتنفيذ الإصلاحات الكبرى في مختلف المجالات، ورئيس قادر على إقناع الجزائريين بالأهداف التي يجب عليهم أن يسعوا إلى بلوغها معًا، ورئيس يخاطبهم بلسانه لا عن طريق رسائل يقرأها أشخاص آخرون.

 

تفشي موجة الاعتراضات على تولي الرئيس الحالي ولاية خامسة، بسبب التدهور والتراجع السياسي والاقتصادي والاجتماعي للجزائر على الصعيدين المحلي والدولي، فرض على الساحة السياسية طرح احتمالية عودة تنظيم الإخوان للحكم، استنادًا على تلك العوامل التي جعلت عدد من المراقبين والمتابعين السياسيين يعتقدون أن نسبة تقبل المجتمع الجزائري لتولي رئيس ينتمي لحركة حمس يتنامى ويتزايد يومًا بعد الأخر.

 

والتقرير التالي يستعرض عددًا من المؤشرات والتكهنات التي قدمت عبر قراءات إعلامية للمشهد الجزائري، وتلقي الضوء على نقاط الضعف التي باتت تهدد عرش الرئيس الجزائري، بتصاعد المعارضة السياسية والشعبية لتوليه فترة رئاسية خامسة، خاصةً في ظل التدهور الصحي للرئيس، كما تشير إلى تصاعد آمال حركة حمس بعودة التيار الإسلامي للحكم، في ظل انتهاج عبد الرزاق مقري، رئيس حركة مجتمع السلم، الحالي، للتيار الراديكالي، الذي يدفع بإبقاء الحركة في صف المعارضة.

 

هجوم شرس

هاجم رئيس حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الجزائري المعارض، محسن بلعباس، الرئيس بوتفليقة قائلًا: إن توالي الهجمات الدبلوماسية على الجزائر، مرتبط بغياب رئيس البلاد عن تسيير الشأن العام، مع أن بلدًا بحجم قارة يتطلب حضورًا جسديًا وذهنيًا لرئيسه في كل المحطات والأحداث.

 

وأدان توجهات السلطة الحاكمة بسبب مساعي فرض خيار ترشيح بوتفليقة في انتخابات الربيع المقبل، مع تجاهل تردي وضعه الصحي منذ إصابته بجلطة دماغية في ربيع 2013، متابعًا: أن الجزائر بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى رئيس يحدد المسار ويفتح الآفاق، وليس إلى رئيس يعرض من فترة لأخرى لتضليل الرأي العام بشأن صحته.

 

وشدد على أن الجزائريين ينتظرون بشغف فرصة جادة للتغيير، وانتخابات تُفضي إلى رئيس يوجّه حكومته لتنفيذ الإصلاحات الكبرى في مختلف المجالات، ورئيس قادر على إقناع الجزائريين بالأهداف التي يجب عليهم أن يسعوا إلى بلوغها معًا، ورئيس يخاطبهم بلسانه لا عن طريق رسائل يقرأها أشخاص آخرون.

 

وأظهر بلعباس (أبرز قادة تنسيقية الحريات المعارضة) عزوفًا عن الترشح للانتخابات المقررة عمليًّا في أبريل 2019، لاقتناعه بعدم وجود انتخابات رئاسية جادة وحقيقية، وأن كل الانتخابات تتعرض للتزوير ومصادرة الإرادة الشعبية، وفق تعبيره.

 

 وتأمّل مسؤول حزب "الأرسيدي التقدمي" في أن تستدرك السلطة الحاكمة الوضع وتمنح الفرصة لانتخابات شفافة ونزيهة، تنتهي بفوز رئيس قادر بدنيًّا وذهنيًّا على تمثيل الجزائر دوليًّا، والدفاع عن مصالحها أمام الشركاء والمنافسين”.

 

ورأى بلعباس أن بلاده تتأثر بشكلٍ ملحوظٍ بمستجدات الأوضاع الإقليمية، محذرًا من أن السلامة الترابية للبلد في هذه الظروف، مهددة من أطراف عديدة، ولكن الحل هو توحيد الجبهة الداخلية عبر انتخابات رئاسية نزيهة وتنازلات سياسية من نظام الرئيس بوتفليقة.

 

فيما حذر رئيس الحكومة والمرشح الرئاسي السابق، علي بن فليس، من وجود خطر يهدد البلاد جرّاء الولاية الخامسة التي تتزايد مؤشراتها، مع تفاقم الأزمة متعددة الجوانب.

ودعا بن فليس قوى المعارضة إلى البحث عن مخرج للأزمة، يتطلب وضع انتخابات الرئاسة بصدارة جدول أعمال الساسة، لمواجهة مخطط الولاية الخامسة، وتجنيب الجزائر أزمة حادة ومتعددة الأبعاد.

 

تصاعد الآمال

تحدثت عدد من التقارير الإعلامية عن آمال تصدر الإسلاميين المشهد السياسي بالجزائر، وأفادت أن حركة مجتمع السلم، تعيش هذه الأيام، نشوة انتصار نظيرتها بتونس، "حركة النهضة" من خلال نتائجها الإيجابية التي حصدتها في الانتخابات المحلية الأخيرة.

 

 وقال رئيس الحركة، عبد الرزاق مقري بخطاب أمام المؤتمرين لدى إفتاح فعاليات المؤتمر الاستثنائي السابع: "إن ما يحدث في المغرب وتونس بصعود التيار الإسلامي إلى مستوى المشاركة الفاعلة يمكن أن يحدث في الجزائر حين تتوفر شروط نزاهة الانتخابات كما هو حاصل في هذين البلدين الشقيقين".

 

 وتابع مقري: "إن نتيجة الانتخابات في هذين البلدين وآخرها نتيجة الانتخابات المحلية في تونس قبل أيام، هي النتيجة الطبيعية في كل البلاد العربية والإسلامية حين تكون الانتخابات غير مزورة".

 

ويرى مقري أن "التيار الإسلامي والتيار الوطني يكونان في المقدمة، لأنهما اللذان يعبران عن هوية الأمة ويكون التنافس والتشارك والتداول بينهما على البرامج والكفاءة والنزاهة، ثم يأتي بعدهما التيار العلماني بنسبة ضعيفة".

 

 وخاطب مقري مؤتمري الحركة بالقول: "تفاءلوا خيرًا، ولا تخيفنكم تغلب عصب الفساد والعمالة في العالم العربي ولا تؤثرن فيكم أحداث الزمن في محيطكم الإقليمي والدولي، التي يخوفونكم بها ويبتزونكم بها".

 

وكان رئيس الحركة السابق أبو جرة سلطاني، صرح في أكثر من مناسبة لوسائل الإعلام بالجزائر، أن "النهج الطبيعي لحركة مجتمع السلم هو المشاركة"، قاصدا بذلك، العودة إلى الحكومة والمشاركة بالحكم في الجزائر.

 

تراجع شعبي

متغيرات دولية وذاتية دفعت إلى تراجع شعبية الحركة مطلع الألفية الجديدة، فحصلت الحركة في انتخابات 2002 على المركز الرابع بعد أن فقدت جزءًا أكبر من شعبيتها نتيجةً للمتغيرات الدولية بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001. كما كان لوفاة نحناح عام 2003 واختيار الشيخ أبو جرة سلطاني خلفًا له، والذي وعد بالسير على نهج سابقه، تأثيرًا أعمق على الحركة.

 

حاول أبو جرة سلطاني السير على نهج نحناح، وهو ما توج بمشاركة الحركة كعضو رئيسي في التحالف الرئاسي المكون عام 2004، لكن كان لنهج أبو جرة الأثر المعكوس على الحركة، فبدأت الحركة تشهد حالة من الانقسام والانشقاقات الداخلية. دعْم أبو جرة ترشح بوتفليقة في انتخابات 2004، والعمل على دعم التعديلات الدستورية التي سمحت لبوتفليقة بتمديد فترته في 2008 دفع عبدالمجيد مناصرة إلى الانسحاب من حمس وتأسيس حزب جديد تحت اسم «الدعوة والتغيير» عام 2009.

 

راهنت حمس على فراشة الربيع العربي وأملت في أن يصيبها بعض من نفحاتها، لكن أتت نتائج انتخابات 2012 بما لا تشتهي الحركة. نزيف تراجع وانحسار الحركة يتزايد؛ حصلت حمس على 48 مقعدًا من أصل 462 في الانتخابات التشريعية، ولم تفز إلا بـ 10 بلديات من أصل 1541 بلدية في الانتخابات المحلية من العام نفسه.

 

أدركت حمس حجم تراجعها الشعبي، فسعت إلى إحداث مراجعة لمنهجها السياسي. تلاقت تلك المساعي مع وصول عبدالرزاق مقري إلى رئاسة الحركة في 2013. فمنذ توليه رئاسة حمس رفض مقري نهج نحناح ومن بعده أبو جرة وفضل خط المعارضة على خط المشاركة. عمل مقري على الانضمام إلى «التنسيقية من أجل الحريات والانتقال الديمقراطي»، كما قرر مقاطعة الانتخابات الرئاسية في 2014 داعيًا إلى عدم ترشح بوتفليقة لفترة رئاسية رابعة.

 

تبنت الحركة منهجًا للإصلاح والتغيير في 2014 وأصدرت في ذلك وثيقة معنونه بـ «خطوات إصلاح الوضع السياسي والاقتصادي في البلاد لتجاوز الأزمة الراهنة ومخاطرها»، دعت فيها إلى حل الحكومة الجزائرية وتشكيل حكومة وفاق وإجراء انتخابات رئاسية. وبالرغم من أن خط المعارضة قد هدأت حدته منذ عام 2015 وتبنى مقري الحوار مع النظام للخروج من الأزمة السياسية، فإنه مازال يراهن على العودة إلى السلطة بالتوافق في 2022 لا بالمشاركة المشهديه والتزيين.

 

تصدع حمس

تبني نهج المعارضة بقيادة مقري سرع من تصدع حمس، ويتنازع الحركة جناحان رئيسيان هما جناح الحمائم بقيادة أبو جرة سلطاني المؤيد لمبدأ المشاركة والانخراط في تشكيل الحكومة والرئاسات الجزائرية، وجناح الصقور يقوده عبدالرزاق مقري، وهو يميل إلى نهج المعارضة والبحث عن توافق وطني وليس المشاركة، ونتيجة لصراع الجناحين ظهر تيار جديد مستقل بقيادة الدكتور نعمان لعور في محاولة للخروج من ثنائية مقري وسلطاني.

 

ووفقًا للتقارير الإعلامية فأن نجاح مقري في إتمام عودة اللحمة لبيت الشيخ نحناح، وذلك بتحقيق الوحدة مع جبهة التغيير ممثلة في عبدالمجيد مناصرة مع الحركة الأم حمس بعد أن انشق عنها في 2009، كما يسعى مقري لإعادة الطرف الآخر «حركة البناء الوطني».

 

بعودة جبهة التغيير إلى بيت الشيخ نحناح قطع مقري شوطًا كبيرًا لترجيح سيناريو استمراره في قيادة حمس، ومن ثم استمرار خط المعارضة للنظام.

 

توافق وطني

 سيناريو المعارضة يتبعه آخر بعدم القطيعة، فالدعوة إلى حوار وتوافق وطني لا مشاركة يزيد من القواعد الجماهيرية للحركة ولا يجعلها تتصادم مع النظام.

 

السيناريو الثاني مرتبط بالعودة إلى المشاركة والاندماج مع النظام في صورة توافقية، وهو ما يمكن أن يتم إذا ما استطاع سلطاني الوصول إلى قيادة الحركة، لكن هذا سيتوقف على طبيعة النظام آنذاك ودرجة مرونته لاحتواء قوى الإسلام السياسي.