المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

اللواء خيرت يكتب.. أمريكا ونقل السفارة.. نحو السلام بـ"الإكراه".!

الأربعاء , 16 مايو 2018 - 10:48 صباحاً

اللواء عبدالحميد خيرت
اللواء عبدالحميد خيرت

معلوم نظرياً وعبر كل التاريخ، أن كل الحروب تنتهي بطاولة المفاوضات، وأن الحرب أداة لتغيير الشروط أو تحسينها حسب مواقع الهزيمة والنصر.
 

معلوم أيضاً، أن السلام كحالة مجردة يأتي تبعاً لهذه التبادلية.. قد يكون رغبة مشتركة من الطرفين اللدودين (فرنسا وبريطانيا قديماً، وبين مصر والأردن وإسرائيل حديثاً)، بمثل ما قد يكون فرضاً لسلامٍ بصيغة استسلام (مثلما حدث بين الحلفاء والمحور عقب الحرب العالمية الثانية).
 

إذا حاولنا تمعن الحالة العربية في صراعها مع إسرائيل بخصوص القضية الفلسطينية، على ضوء المجريات الأخيرة، نجد تناقضات وتقاطعات حادة في هذه الحالة، منها ما هو دولي، ومنها ما هو إقليمي، ومنها ما هو فلسطيني، وهو الأكثر خطورة.
 

فالتراجع الدولي بالاهتمام بالقضية الفلسطينية، يضعنا أمام حالات اختزال متعددة، تراجع فيها الاهتمام تبعاً لتطورات عالمية أخرى تتعلق بصراع النفوذ بين القوى الكبرى، أو تبعاً لمستجدات حازت الانتباه، كالتطرف والإرهاب والمخاوف النووية (إيران وكوريا الشمالية) ونشوء بؤر توتر جديدة، كلها ساهمت في تراجع القرار الدولي منذ قرار التقسيم عام 1948، إلى قرار 242 عام 1967، إلى ما فرضته حرب أكتوبر 1973، إلى نتائج مؤتمر أوسلو ومعه شعار الضفة وغزة أولاً، ثم أخيراً ـ وليس آخراً ـ انقلاب حماس في غزة 2007، لتصبح غزة هي فلسطين التاريخية.!
 

هذا الاختزال، بالتالي تزامن مع انشغالات إقليمية وعربية تحديداً في صراعاتها الداخلية منذ الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، وغزو الكويت وسقوط العراق واحتلاله، ثم حقبة التضليل الكبرى باسم "الربيع العربي" والتي ساهمت في إشعال النار في العالم العربي وخاصة دوله التاريخية (مصر/ سوريا/ العراق) وامتدادتها في ليبيا واليمن وتونس، خلق حالة انكفاء على الذات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، نجح الأمر في مصر مع ثورة 30 يونيو 2013، بينما لا تزال توابع الهزات الزلزالية تضرب بعنف في أجزاء أخرى، بدعم إقليمي من تركيا وإيران وقطر.!
 

لم يكن هذا هو الاختزال الوحيد حتى على المستوى السياسي، إذ بعد كامب ديفيد (1979) فوَّت العرب جميعاً رؤية الرئيس الراحل أنور السادات، واجتمعوا على معاقبة مصر وقاطعوها، ورغم اتفاقية السلام التي أبرمها العاهل الأردني الراحل الملك عبد الله مع إسرائيل، لم يتغير الوضع، ومنذ مبادرة الأمير فهد في قمة فاس بالمغرب (1981) وحتى مبادرة الأمير عبد الله (2005) ارتفع فيها شعار "السلام خيار استراتيجي" و"سلام الشجعان".. وأن 99% من أوراق اللعبة بيد أمريكا، لم يحدث تطور حقيقي من قبل الدولة العبرية، بل تبعته المأساة الأكبر، وكانت فلسطينية/ فلسطينية، بالانقسام الداخلي منذ انقلاب حماس وتأسيس إمارة غزة لتكون بديلاً (بتشجيع إسرائيلي خفي) لمفهوم الدولة الفلسطينية المنتظرة، ضد سلطة رام الله ورئيسها محمود عباس فيما يشبه الحرب الأهلية.
 

كل هذه المقدمات، أوصلتنا للنتيجة الراهنة وحدثها الأبرز الذي أثار ضجيجاً لم يحدث من قبل، وهو نقل السفارة الأمريكية للقدس المحتلة، والاحتفالات التي جرت الاثنين، بالتزامن مع أعنف رد إسرائيلي على احتجاجات سلمية أوقعت قرابة 60 قتيلاً وحوالي 2500 جريح.
 

القرار الأمريكي "المتهور" الذي لم يجرأ رئيس أمريكي سابق على تنفيذه، كان تلخيصاً لما يمكن اعتباره فرض السلام بالإكراه، بعيداً عن التشدق المعتاد بالانحياز الأمريكي لإسرائيل، وبعيداً عن شعارات الاستهلاك المزعومة بالذهاب للقدس بالملايين، لأن المهم هو أوراق القوة التي نملكها كعرب وكفلسطينيين.!
 

إذا كان معروفاً أن الرئيس الأمريكي ترامب يلجأ لأسلوب الصدمة والرعب في تعاملاته السياسية، إلا أنه رجل "بيزنس" يحسبها بمقاييس أخرى، ويحاول أن يظهر أمام شعبه بأنه الرجل الذي إذا وعد فإنه سيفي بوعوده، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها. وبالتأكيد لديه رؤية ربما راجت أقاويل كثيرة عن "صفقة القرن" وغيرها من توجهات لحل الصراع الفلسطيني، بالتأكيد أيضاً لن تكون وفق ما يريد الفلسطينيون أو العرب.
 

أسلوب الصدمة والرعب الأمريكي هذا، أعتقد أنه ربما يدفع نحو تغير دراماتيكي في الشرق الأوسط، وفق معايير ومعطيات جديدة، أبرزها أن العرب لم يعد لديهم ذلك الحاجز النفسي ـ بتعبير الرئيس السادات ـ في خطوة السلام مع إسرائيل، والأهم أنه لم يعد لديهم مانع في أن تكون إسرائيل جزءاً من خطط أعم وأشمل ـ قد تصل للتحالف ـ لمواجهة التحديات الراهنة عالمياً، وأهمها من وجهة نظر "الأخ الأكبر" الذي يدير العالم حالياً النفوذ الإيراني وإرهاب التنظيمات المتأسلمة.
 

يبقى الرهان على ما يمكن تنفيذه فعلياً وترجمته على الأرض، وليس على ما تفرزه لنا شعارات العاطفة والتأجيج الضعيف الذي تتشدق به تيارات مقاومة متأسلمة أو طائفية تهتف بالموت لأمريكا ولإسرائيل، وتدعو للزحف لتحرير القدس، وتحاول أن تورط دولاً عربية ـ مثل مصر مثلاً ـ في حروب يموت فيها أبناؤها بينما هم يناضلون وراء الكيبوردات وميكروفونات الإذاعات الفارغة، متناسين أننا وعبر تاريخنا دفعنا الفاتورة الباهظة من دمائنا وقوت يومنا واستقرارنا حرباً، وعانينا مقاطعتهم سلماً.

 

أرجو ألا يفهم أحد بأن هذا معناه الاستسلام للأمر الواقع وأن ننفض أيدينا وننكفئ على أنفسنا فقط، ولكن لا بدّ أن نعي أن الأمر أكبر من أي دولة بالمنطقة، ولا بدَّ من البحث عن استراتيجية جديدة تتجاوز الكلام إلى رؤية للحل، نشترك فيها قبل أن تفرض علينا.

للأسف، ستنتهي هوجة رد الفعل المعتادة، وتمر الأمور كما مرت عشرات قبلها، وسننسى مكتفين برفع رايات الحداد، والشجب والندب والإدانة والاستنكار، وسنظل ننتظر باستمرار حتى تقع الفأس في الرأس، حتى يقضي الله أمراً بيد "الأخ الأكبر" لا بيدنا.!