المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

هل الفرصة سانحة لتشكيل حكومة "تكنوقراط" في العراق؟

الأربعاء , 16 مايو 2018 - 02:39 مساءٍ

العبادي ومقتدى الصدر
العبادي ومقتدى الصدر

بعد مشهد وصف بالعودة المفاجئة للساحة السياسية، فاز تحالف "سائرون"، الذي يدعمه زعيم التيار الصدري ورجل الدين الشيعي البارز مقتدى الصدر، بالمرتبة الاولى بين القوائم الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية، بحسب ما أعلنته المفوضية العليا المستقلة للإنتخابات، الاثنين 14 مايو الجاري، في الوقت الذي حل فيه تحالف الفتح بزعامة هادي العامري بالمرتبة الثانية، يليه تحالف النصر بزعامة العبادي.

 

وتصدر تحالف “سائرون” بزعامة الصدر عدد مقاعد البرلمان بحصوله على 54 مقعدًا، يليه تحالف “الفتح” الذي حصل على 47 مقعدًا، ثم “النصر” بـ43 مقعدًا.

 

كتب "الصدر" في تغريدة له على حسابه الشخصي على موقع تويتر، انه "لن تكون هناك (خلطة عطار) مقبلون على تشكيل حكومة تكنوقراط تكون بابًا لرزق الشعب ولا تكون منالًا لسرقة الأحزاب"، رافضا ما اسماه "الهيئات الاقتصادية" للأحزاب قائلا "كلا" لتلك الهيئات، ليضع بذلك الخطوط العريضة في التحالفات مع الكتل والائتلافات السياسية الفائزة بالانتخابات التشريعية من اجل تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، التي من المفترض أن يتم تشكيلها  خلال 90 يوماً من إعلان النتائج الرسمية.

 

"الهيئات الاقتصادية"، التي أشار إليها مقتدى الصدر في تغريدته، كما هو شائع في الأواسط السياسية العراقية، هي مجاميع سرية تشكلها بعض الأحزاب للتفاوض على صفقات المناصب "المهمة"، في دوائر الدولة ومؤسساتها، والحصول على المشاريع والمقاولات الحكومية مما يدر عليها بأرباح مالية "خيالية".

 

وقاد مقتدى الصدر انتفاضتين ضد القوات الأميركية في العراق وهو من الزعماء الشيعة القلائل الذين نأوا بأنفسهم عن إيران، كما أنه يقدم نفسه على أنه وطني عراقي ويحظى بشعبية كبيرة بين الشباب والفقراء والمعدمين، لكنه تعرض للتهميش من قبل شخصيات نافذة مدعومة من إيران.

 

ويشكل فوز قائمة سائرون، ضربة لإيران، حيث قبل أشهر قال علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، إن إيران “لن تسمح بعودة الشيوعيين والليبراليين إلى الحكم في العراق”، في إشارة إلى قائمة الصدر التي تضم أعضاء عن الحزب الشيوعي العراقي”.

 

وللقضاء من ما وصفها بـ "خلطة العار"، أوضح زعيم التيار الصدري في تغريدته، أن العراق الجديد مقبل على تشكيل حكومة "تكنوقراط"، وذلك بعدما كتب أيضًا في يوم الاثنين، 14 مايو 2018، :"إننا (سائرون) بـ(حكمة) و(وطنية) لتكون (إرادة) الشعب مطلبنا ونبني (جيلا جديدا) ولنشهد (تغييرا) نحو الاصلاح وليكون (القرار) عراقيا فنرفع (بيارق) (النصر) ولتكون (بغداد) العاصمة وليكون (حراكنا) (الديمقراطي) نحو تأسيس حكومة أبوية من (كوادر) تكنوقراط لا تحزب فيها".

 

ما هي التكنوقراطية؟

 

وتعد التكنوقراطية شكلاً من أشكال الحكومات، يتم اختيار صانعي القرار فيها لمكاتب الحكم على أساس خبرتهم وخلفياتهم التقنية، وتستند التكنوقراطية إلى القرارات المتخذة على أساس المنهج التقني، لا على أساس الآراء، وتختلف التكنوقراطية عن الديمقراطية التقليدية بأن اختيار المنتخبين للمناصب الحكومية القيادية يتم من خلال عملية تؤكد على مهاراتهم المناسبة، وأدائهم المؤكد، بدلاً من لما هو متفق عليه من قبل غالبية السكان، وعرفت على أنها نظرية وحركة برزت نحو عام 1932م؛ حيث دعت إلى السيطرة على الموارد الصناعية، وإعادة هيكلة النظام الاجتماعي، وإصلاح المؤسسات المالية، استناداً إلى النتائج التي توصل إليها التكنولوجييون والمهندسون.

 

ومن الانتقادات التي وُجّهت للحكومة التكنوقراطية أنها غير ديمقراطية؛ لأنّها تفضل من لديهم الخبرة الفنية والتقنية على إرادة واختيار السكان، كما أنها تُعد نظاماً اقتصادياً رأسمالي يدعم الموارد المالية لأغنى المواطنين، على حساب الطبقة العاملة، كما يمكن من خلالها التعدّي على حريات الأخرين؛ لأنّ الحكومة والموارد تُستخدم لخدمة القوانين التي وضعها التكنوقراطيين، والأهم أنها تُركّز على العلوم والمبادئ التقنية في الحكم، التي قد يُنظر إليها على أنّها منفصلة عن الإنسانية وطبيعة المجتمع.

 

الصدر ليس أول من دعا للتكنوقراطية.. العبادي حاول

 

مقتدى الصدر لم يكن الشخص الأول الذي دعا لتشكيل حكومة تكنوقراطية عراقية، فقد حاول مسبقًا رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، والمرشح لتشكيل الحكومة العراقية الحالية، في خطاباته المتكررة، طرح فكرة التغيير الجوهري للوزارة، ومن ثم الدعوة إلى تشكيل حكومة من التكنوقراط، بعيدا عن الأحزاب والكتل السياسية.

 

وبعد صراع استمر لعدة أشهر من إعلان الحكومة للتشكيلة الوزارية المستقلة في مارس 2016، والتي ضمت في 18 وزارة، 16 من التكنوقراط، باستثناء وزيري الدفاع والداخلية اللذان استثنيا من الإصلاحات لأسباب الحرب ضد الإرهاب حسب إعلان الحكومة.

 

ثم تراجع بعد ذلك ليكون تشكيل هذه الحكومة من خلال الترشيحات للكتل والأحزاب، بعدما وجد ردود أفعال علنية وخلف الكواليس من قبل الأحزاب المشاركة في السلطة بأنهم لن يقبلوا بحكومة يشكلها العبادي من دون مشاركة الكتل السياسية، وكان بيان المجلس الأعلى المعروف بمواقفه الوسطية أوضح مصداق للغضب السياسي الصادر من هذه الأحزاب ضد تشكيل العبادي لحكومة بمفرده، ومن دون مشاركتهم.

 

وبعد تصويت اغلب النواب على استقالت هيئة رئاسة البرلمان، وبين الرفض والقبول لإجراءات الإقالة، فقد اجتمع البرلمان في إبريل 2016، أعلن رئيس الحكومة العراقية الماضية، عن تعديل وزاري بسيط شمل خمس وزارات، تم التصويت عليهم في البرلمان اغلبهم وحسب السيرة الذاتية لهم ليس تكنوقراط أو مستقلين بل تابعين لكتل وأحزاب سياسية، في عملية كشفت وحسب أراء الشارع العراقي إن انطلاق بعض الكتل للمطالبة بالإصلاح ما هو في الحقيقية إلا عملية تصفية حسابات بين الكتل، وعملية سحب البساط من أقدام الحركات المدنية المطالبة بالإصلاح، وعملية استعادة السلطة وكسب المزيد من الحقائب الوزارية على حساب الكتل الأخرى.

 

ومن المرجح اختيار البرلمان للعبادي لمنصب رئيس الوزراء لفترة ثانية، إذ أنه دعا كل الكتل السياسية إلى احترام نتائج الانتخابات البرلمانية وقال إنه مستعد للعمل مع الكتل الفائزة لتشكيل حكومة.

 

وأضاف العبادي في خطاب تلفزيوني على الهواء إنه مستعد للعمل والتعاون في تشكيل أقوى حكومة للعراق خالية من الفساد.

 

الفرصة سانحة الآن

 

الكتل السياسية الرافضة للإصلاح داخل البرلمان، هي التي كانت تعيق على الدوام فكرة تشكيل حكومة التكنوقراط، إذ أن النظام البرلماني المعمول به في دول العالم، وكما هو مطبق في العراق، ينص على موافقة البرلمان على أية مشاريع قوانين تصدر من الحكومة، والتي هي بالأصل منبثقة عن البرلمان نفسه، كما إن للبرلمان الصلاحيات الكاملة لمراقبة الحكومة واستجوابها والوزراء، إذ يحق لخمسين عضوا من أعضاء البرلمان تقديم طلب استجواب أي وزير في اختصاص وزارته، وسحب الثقة منه إذ كان متلكئ في عمله.

 

وكان زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر، وقتها يمطر أسماع العراقيين بسيل تصريحاته ودعواته للمظاهرات "المليونية"، ساعيا إلى إحداث أقصى قدر ممكن حول عملية الإصلاح، وتعهّد رئيس الوزراء حيدر العبادي وقتها بإنجازها، لكنه انتهى إلى ورطة تتمثّل في استحالة تمرير أي إصلاحات ستطال حتما جوهر النظام القائم وتمسّ كبار رموزه وخصوصا من قادة الأحزاب الكبرى في العراق، بمساندة الكتلة الأكبر في البرلمان، لذا فتجلّى المأزق الإصلاحي عجز السيد العبادي، رئيس الوزراء الأسبق، عن تمرير تعديل حكومي وصف بالجوهري وكان أعلن عنه، وإنّه سيشكّل بموجبه حكومة تكنوقراط، ليعود لاحقا ويعلن صراحة أن مسعاه يصطدم برفض جهات وأحزاب ذات نفوذ كبير في البلاد.

 

أما في المشهد الحالي وبعدما تصدر تحالف “سائرون” بزعامة الصدر عدد مقاعد البرلمان بحصوله على 54 مقعدًا، يليه تحالف “الفتح” الذي حصل على 47 مقعدًا، ثم “النصر” بـ43 مقعدًا، فأصبح الأمر ممكنًا بعد سيطرته على الكلة البرلمانية الأكبر والتي تسمح بتمرير ما يدعوا إليه رئيس التيار.