المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

أردوغان.. ومؤتمر التجارة بغزة

الاثنين , 21 مايو 2018 - 10:30 مساءٍ

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان

أزمة دبلوماسية "دعائية" جديدة بين أنقرة وتل أبيب، اشعلتها المجزرة التي ارتكبت على حدود غزة الأسبوع الماضي، وراح ضحيتها قرابة 60 شخصًا، وذلك بعدما طلبت الخارجية التركية من السفير الإسرائيلي بأنقرة إيتان نائيه مغادرة البلاد "لمدة محدودة" لم يتم تعيينها، وهو ما ردت عليه تل أبيب بطرد القنصل التركي بـ"القدس".

 

وكانت الخارجية التركية استدعت السفير الإسرائيلي لمقر الوزارة، وقدمت له احتجاجها إزاء الأحداث على الشريط الحدودي مع قطاع غزة فيما استدعت تركيا سفيريها في تل أبيب وواشنطن للتشاور، ووصفت إسرائيل بأنها إرهابية بعدما ارتكب جيش الاحتلال الإسرائيلي مجزرة بحق المتظاهرين السلميين على حدود قطاع غزة خلال مظاهرات العودة في ذكرى النكبة، استشهد فيها 61 فلسطينيا وجرح أكثر من 2270 آخرين بالرصاص الحي والمطاطي وقنابل الغاز المدمع.

 

وقال وزير الاستخبارات والموصلات الإسرائيلي يسرائيل كاتس في تغريدة له على تويتر "المحرض العظيم أردوغان من جماعة الإخوان المسلمين وشريك لحماس وإيران، أكبر مؤيد للإرهابيين، لقد طرد سفيرنا من تركيا.. لا نهاية للرياء. ستواصل إسرائيل الدفاع عن حدودها من حماس".

 

وردا على نقل السفارة الأميركية إلى القدس والمجزرة التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي على حدود قطاع غزة، أعلنت تركيا الحداد الوطني لمدة ثلاثة أيام، كما دعت منظمة التعاون الإسلامي لاجتماع طارئ عقد الجمعة الماضية.

 

وشكلت هذه الأحداث المتعاقبة هديه إسرائيلية للطيب أردوغان، الذي يستعد لخوض الانتخابات الرئاسية الشهر المقبل، ومنحته فرصة لتقديم نفسه قائدًا للعالم الإسلامي.

 

وعلى الرغم من انحسار اهتمام العالم بالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، إلا أن القضية الفلسطينية سيطرت على الحملات للانتخابات المزمعة في 24 يونيو  المقبل، إذ يأمل أردوغان أن يعاد انتخابه ولكن هذه المرة بصلاحيات واسعة.

 

وقاد أردوغان مظاهرات حاشدة دعمًا للفلسطينيين، كما عُقد اجتماع طارئ لمنظمة المؤتمر الإسلامي في إسطنبول لبحث أحداث غزة، وذلك في اليوم نفسه الذي نقلت فيه الولايات المتحدة سفارتها إلى القدس، وهي الخطوة التي أشعلت غضب العالم الإسلامي.

 

وتحدث أردوغان أمام الحشد الهائل قائلًا: «ما عدنا نحن المسلمون نملك سوى الإدانة والشجب. إن الخطأ الذي ترتكبه الولايات المتحدة اليوم سيعود بالوبال عليها».

 

وقال أردوغان في حفل إفطار أقامه لأسر الجنود الأتراك القتلى في عمليات عسكرية خارجية في القصر الرئاسي بأنقرة: «ها هي الأمم المتحدة، منتهية وضعيفة ومنهارة في وجه كل تلك الحوادث». وأضاف: «إذا ما قوبلت العربدة الإسرائيلية بمزيد من الصمت، فسوف ينجر العالم بسرعة إلى حالة من الفوضى تسود فيها البلطجة».

 

وأوضح أردوغان أن أنقرة تضغط على أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ليكونوا أكثر نشاطًا، لكنه لم يتمكن من الوصول إلى الأمين العام للأمم المتحدة. وقال إن رئيس الأركان التركي ووزارة الخارجية يعملان على إجلاء الجرحى من غزة.

 

ليست هذه هي المرة الأولى التي تقطع فيها تركيا علاقاتها بإسرائيل،  ففي عام 2010، اقتحمت قوات كوماندوز إسرائيلية أسطولًا أرسلته جمعية خيرية تركية لمحاولة كسر الحصار الإسرائيلي على غزة، مما أسفر عن مقتل تسعة ركاب في المياه الدولية. ولكن عادت العلاقات بين البلدين في العامين الماضيين، وتحسنت التجارة والسياحة المتبادلة بعض الشيء.

 

لكن تركيا كانت أول دولة تستدعي سفراءها من الولايات المتحدة وإسرائيل لإجراء مشاورات بعد احتجاجات غزة. ثم اقترحت وزارة الخارجية التركية على السفير الإسرائيلي العودة إلى بلاده لفترة من الوقت. فردت إسرائيل باستدعاء سفيرها، وطلبت من القنصل التركي المغادرة. لترد تركيا بطلبها من القنصل الإسرائيلي أن يغادر.

 

وكان وزير الخارجية التركي قد طالب في مقابلة له مع قناة تلفزيونية تركية بتحويل ملف أحداث غزة إلى المحكمة الجنائية الدولية؛ قائلًا: «إننا ندرس نوع الإجراءات القانونية التي يمكننا اتخاذها. فلا بد من محاسبة إسرائيل على تصرفاتها».

 

أثارت هذه التصريحات غضب تل أبيب ليرد وزير السياحة الإسرائيلي بإصدار تحذير إلى مواطنيه من السفر إلى تركيا. قال الوزير ياريف ليفين: «كان حريًا بي أن أصدر هذا التحذير من قبل»، وأضاف: «طالما تعاملنا تركيا بهذا الشكل، فلا سبب لزيارتها».

 

كل هذا.. في الوقت الذي يشير فيه منتقدي أردوغان إلى العلاقات الاقتصادية القوية بين الدولتين، بما في ذلك 2.5 مليار دولار من الصادرات التركية إلى إسرائيل، وفقًا للتقارير الإخبارية التركية، وربما كان هذا جديرًا برفض حزب أردوغان -الذي يشغل أغلبية المقاعد-، مناقشة مقترح قدمه مرشح المعارضة البارز، محرم إينس من حزب الشعب الجمهوري، أحد أحزاب المعارضة، وهو قرار بإلغاء جميع الاتفاقات الأمنية والاقتصادية والسياسية مع إسرائيل هذا الأسبوع.

 

وقال إينس في كلمه وجهها إلى أردوغان في تجمع حاشد في أماسيا بوسط تركيا: «لا يمكنك قطع العلاقات التجارية مع إسرائيل، أنت فقط تتحدث عن ذلك»، وأضاف: «الشيء الوحيد الذي يستطيع القيام به هو عقد اجتماع حاشد، ودعوني أخبركم بأن هذا هو الشيء الوحيد الذي يمكنه القيام به؛ لأنه لا يهتم بالمسلمين في فلسطين، فهو يهتم فقط بالانتخابات المقبلة».

 

تطور العلاقات التركية ــ الإسرائيلية، لا تضره تصريحات إعلامية تصدر بين الحين والآخر عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يهاجم فيها إسرائيل وسياساتها، وإذا كانت أنقرة تصدر تصريحات شاجبة لإسرائيل، إلا أنّها ترسل في الموازاة، وفداً اقتصادياً رفيع المستوى، لتأكيد الشراكة وتطويرها، على مختلف المستويات.

 

ففي مايو الماضي، هاجم أردوغان تل أبيب ووصفها بالعنصرية والمنتهكة لحقوق الإنسان الفلسطيني. حينها، علّقت إسرائيل عبر عضو المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية، يؤاف غالنت، أن «لا شيء حقيقياً» في هجوم أردوغان الكلامي، لأنه «يخرج من حين لآخر بتصريحات انطلاقاً من مصالح سياسية (داخلية)، لكن عندما يصل الأمر إلى حدود التطبيق العملي، فأعتقد أن لتركيا مصالح أخرى».

 

لم يخطئ الوزير الإسرائيلي. فقد وصل حينها وفد اقتصادي تركي، يُعَدّ الأرفع والأكبر منذ عشر سنوات، إلى إسرائيل، وضمّ أكثر من 120 من رجال الأعمال، من بينهم مصدّرون ومديرون عامون لشركات تركية كبرى، في مجالات الطاقة والبناء والطيران والغذاء والزراعة، الأمر الذي يشير، كما يؤكد الإعلام العبري، تعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية، على نحو متزايد.

 

فربما يمكن القول إنّ أردوغان  يخاطب ود الناخبين الأتراك بمجوعة طرق، منها الخطاب العثماني القومي، والواجهات الإسلامية، ومن ضمنها تبني موقف سياسي وإعلامي مؤازر للحقوق الفلسطينية، لكن أيضاً بتحسين الاقتصاد وتشجيع التجارة والسياحة، ومن هنا يمكن فهم كيفية الجمع بين الأمرين (الخطاب السياسي المناهض للسياسات الإسرائيلية، ونمو التجارة)، خصوصاً إذا كان القطاع الخاص هو الذي يتولى هذه التجارة، وهذا القطاع الخاص يشكل أحد دعائم الحزب الحاكم في تركيا.

 

وحتى عندما كانت العلاقات التركية الإسرائيلية في الحضيض، استمر التعاون العسكري والتجاري بين الدولتين، فالتوترات الظاهرية لا تفسر طبيعة العلاقة الاستراتيجية بينهما التي تمتد إلى نحو 60 عاما.

وفيما يلي نقاط تشرح العلاقة بين إسرائيل وتركيا:

 

1. تعد تركيا أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل عام 1949، وظلت كذلك لعقود عدة تالية.

2. عقدت تركيا وإسرائيل اتفاقا سريا واستراتيجيا عرف بـ" الميثاق الشبح" في خمسينيات القرن الماضي، الذي ظل طي الكتمان عقودا من الزمن، ويتضمن تعاونا عسكريا واستخباريا ودبلوماسيا، وكانت وظيفته الأساسية موجهة ضد العرب.

3. اعتمدت تركيا طويلا على اللوبي الإسرائيلي في أميركا لعرقلة إقرار أي تشريع يعترف بإبادة الأرمن، واستمر الأمر مع تولي حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه رجب طيب أردوغان.

4. ساعدت إسرائيل الأتراك في عملية اعتقال زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان عام 1999 في كينيا.

5. أول مرة سحبت تركيا سفيرها عام 1982 بعد غزو لبنان، وأعيدت العلاقات الدبلوماسية الكاملة بينهما عام 1991.

6. عام 1996 وقعت أنقرة وتل أبيب اتفاق الشراكة الاستراتيجية، وكانت علنية هذه المرة. وشمل الاتفاق بنود عدة تتراوح بين تبادل المعلومات الاستخبارية والتعاون العسكري والتدريب.

7. بعد تولي حكومة العدالة والتنمية مقاليد الحكم في تركيا عام 2002، استمر الحزب بالاتفاقات السابقة مع إسرائيل، على الرغم من بعض الانتقادات الإعلامية خاصة مع اندلاع الانتفاضة الثانية.

8. بدأ التوتر في العلاقات بين أنقرة وتل أبيب عام 2009، إثر الحرب الإسرائيلية على غزة وبلغ التوتر ذروته عام 2010، مع الهجوم الإسرائيلي على سفينة "مافي مرمرة"، لكن هذا التوتر  لم يمتد إلى اتفاقات بيع الأسلحة والتبادل التجاري.

9. تدخل الرئيس الأميركي باراك أوباما عام 2013 لوقف التوتر بين البلدين، لكن هذه المحاولة لم تنه التوتر بينهما، إلا أنها أسست للمصالحة لاحقا.

10. يبلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا وإسرائيل ما معدله 3 مليارات دولار سنويا، وازداد في السنوات الخمسة الأخيرة رغم التوتر السياسي.

 

لذا، فما وراء الحرب الكلامية التي يخوضها الرئيس التركي ضد إسرائيل، تبدو العلاقات الاقتصادية بين البلدين أكثر قوة من غيرها، فأرودغان الذي وصف إسرائيل بأنها “دولة إرهاب” على إثر قيامها بقتل عشرات الفلسطينيين على حدود قطاع غزة الأسبوع الفائت، وقيامه بعقد لقاء جماهيري في منطقة “يني كابي” تضامنًا مع الفلسطينيين الذين واجهوا مذبحة على حدود القطاع، لم يذكر أن في ذلك اليوم بالتحديد كانت ناقلات النفط التركية تفرغ حمولتها من النفط في ميناء عسقلان الإسرائيلي!

ونقل موقع Tanker Trackers المختص والمتابع للملاحة النفطية حول العالم ونوعها، بتحديد ناقلات نفط تركية تقوم بالانطلاق من ميناء “جيهان” التركي، وتذهب إلى ميناء “عسقلان” الإسرائيلي لإفراغ حمولتها من النفط.
 

وكان الموقع الذي تابع ناقلة النفط منذ خروجها من ميناء جيهان، قد اعتقد في البداية أن الناقلة ذاهبة إلى ميناء بورسعيد المصري، وذلك بسبب تراشق الاتهامات والحرب الإعلامية بين إسرائيل وتركيا، إلّا أن صدمة القائمين على الموقع كانت في قيام الناقلة بالانعطاف جهة الشرق، أي نحو ميناء عسقلان الواقع على سواحل دولة الاحتلال!
 

ويبلغ حجم الشحنة النفطية التي صدرّتها تركيا في ذلك اليوم فقط، مليون برميل، بحسب الموقع، وبحسب وكالة سبوتنيك الروسية!
 

وبرزت أهمية تلك الشحنة إخباريًا، لأنها تمت بالتزامن مع قيام أردوغان بمهاجمة إسرائيل عبر وسائل الإعلام، وبالتزامن مع انعقاد القمة الإسلامية الطارئة التي عقدت في إسطنبول للرد على قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة!
 

تركيا تنقل النفط من شمال العراق لإسرائيل
وتبدو العلاقات النفطية بين إسرائيل وتركيا غير جديدة، إذ نشرت جريدة هآرتس الإسرائيلية، يوم 10 إبريل/نيسان الفائت، أن إسرائيل تشتري سرًا النفط من شمال العراق الذي يسيطر عليه الأكراد عبر ميناء جيهان التركي.

 

وكانت عمليات تفريغ الشحنات القادمة من جيهان إلى عسقلان بحسب هآرتس، تتم بطريقة سرية وغير مسجلة في سجلات النقل الإسرائيلية الرسمية؛ إذ يتم استخراج النفط من حقل “بابا كركر” في شمال العراق، وهو أحد أكبر حقول النفط في العالم، ثم ينقل عبر خط أنابيب من كركوك إلى جيهان.
 

وتتم بعدها عملية نقل النفط بطريقة سرية، وغير مسجلة، عبر ناقلات نفط، تقوم بتغيير اسمها للتخفي، ثم تبحر في البحر المتوسط متجهة إلى إسرائيل.
 

وتقول هآرتس في تقريرها، أن ناقلة نفط اسمها Kriti Diamond تقوم بتحويل اسمها إلى kiton، وتنطلق من ميناء جيهان إلى عسقلان، وبعد أن تقوم بإفراغ حمولتها من النفط، تستعيد اسمها الحقيقي أثناء عودتها فارغة إلى ميناء جيهان!

كما لاحظت الصحيفة العبرية، أن هناك ناقلة أخرى اسمها “مبروك”، غادرت جيهان، وغيّرت اسمها إلى “مارو” ثم اقتربت من الشواطىء الإسرائيلية، واختفت لبضعة أيام، وبعدها عادت فارغة إلى جيهان ودخلت الميناء التركي باسمها الأصلي “مبروك”!
 

وعندما سألت الصحيفة شركة مصافي النفط في حيفا وشركة خط أنابيب إسرائيل، أجابوا بأنهم “لا يعلّقون على الأمور التجارية”!

 

ليتضح أن عمليات النقل تتم بسرية كاملة بين تركيا وإسرائيل، لتبدو كأنها عمليات تهريب!

 

جدير بالذكر أن البرلمان التركي وافق في إبريل الماضي،  على إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة في الرابع والعشرين من يونيو المقبل، قبل أكثر من عام على موعدها المقرر، وذلك بطلب من الرئيس رجب طيب أردوغان.

وانسحب نواب من حزب "حزب الشعوب الديمقراطي" المؤيد للأكراد من جلسة البرلمان احتجاجًا على التصويت، بينما أيد كل من بقي من النواب الاقتراح.

وأعلن أردوغان، تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة، من شأنها تشكيل علامة فارقة في التاريخ التركي لأنه من المقرر بعدها البدء في منح رئيس الدولة المزيد من السلطات، بحسب استفتاء أبريل 2017.

وقالت الولايات المتحدة إن لديها مخاوف بشأن قدرة تركيا على إجراء انتخابات حرة ونزيهة بالنظر إلى حالة الطوارئ المفروضة هناك بعد يوم من دعوة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لانتخابات مبكرة في 24 يونيو.