المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

ماذا عن توقعات الانتخابات التركية.. الرئاسية والبرلمانية؟

الأربعاء , 30 مايو 2018 - 10:00 مساءٍ

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان

بعد موافقة البرلمان التركي على المشروع، الذي دعا إليه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في إبريل الماضي، بتقديم موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وإجراءها في 24 يونيو المقبل، بدلًا من 3 نوفمبر 2019، دخلت البلاد في حالة تأهب انتخابي مشدودة، تجاوزت التنافس بين الأحزاب إلى التنافس بين تحالفات حزبية أوسع، إذ تستمد هذه الانتخابات أهميتها من كونها محصلة لمعركة طويلة، كان من ضمنها الاستفتاء الدستوري لمشروع انتقال البلاد من نظام برلماني إلى نظام رئاسي، فهل تستطيع المعارضة إجهاض مشروع (تحالف الشعب)، الذي يبدو أنه بات أكثر انسجاماً في ملفات كثيرة.
 

فبحسب إعلان اللجنة العليا للانتخابات التركية من المفترض أن يخوض الانتخابات الرئاسية، في 24 يونيو 7 مرشحين؛ هم: رجب طيب أردوغان، ومحرم إينجة، وميرال أكتشينير، وصلاح الدين دميرطاش، وتمل قره مُلا أوغلو، ودوغو برينشيك، ونجدت أوز: مرشح حزب "العدالة" التركي،  ولما كان كل حزب تقدم بمرشحه عدا أحزاب (تحالف الشعب) المؤيدة للرئيس أردوغان، وهامش المستقلين من الناخبين الأتراك نحو 13%.
 

شهدت التركيبة السياسية التركية في الفترة الأخيرة تقلبات غير مألوفة، إذ باتت التحالفات تتحرك وفق المصلحة السياسية، متجاوزة  إطارها الأيديولوجي، غير أن هذه التحالفات لم تدخل هيكلها الاستراتيجي بعدُ، فبعد سنوات من الصراع السياسي تحالف الحزبان القوميان؛ حزب الحركة القومية وحزب الاتحاد الكبير، مع حزب العدالة والتنمية الحاكم، تحت إطار ما سمي بــ "تحالف الشعب"، وقد بدأ التقارب بين الحزبين؛ العدالة والتنمية والحركة القومية، منذ ما بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2016، وتعزز التقارب بالتصويت معاً تأييداً للاستفتاء على النظام الرئاسي، في أبريل 2017.
 

أما عن المعارضة فأعلنت أربعة من أحزاب تشكيل تحالف انتخابي أسمته (تحالف الأمة)، ويضم حزب الشعب الجمهوري (العلماني)، وهو أكبر أحزاب المعارضة التركية، إلى جانب نقيضه الفكري حزب السعادة (الإسلامي)، وحزب الجيد (حزب جديد)، وكذلك الحزب الديمقراطي (اليساري)، في حين يغيب عن التحالفات الانتخابية حزب الشعوب الديمقراطي (الكردي).
 

في المقابل، يتهم- مؤيدو أردوغان تحالف المعارضة الطارئ أنه لا يمتلك مشروعاً استراتيجياً مشتركاً يمكن التعويل عليه، فضلاً عن سعيه لإفشال أردوغان، وعزز هذا الاتهام دعوة زعيم الحزب الجمهوري، كمال كليتشدار أوغلو، جميع الأحزاب التركية للتحالف ضد أردوغان، قائلاً: "هذه المرحلة ليست مرحلة حزب معين، وإنما هي مرحلة إنقاذ الوطن، وأخاطب قادة جميع الأحزاب، نحن مستعدون للتفاني في هذا الأمر". وتحقيقاً لذلك تحمل الحزب الجمهوري الديمقراطي على ظهره أحزاباً صغيرة وحديثة قد تقاسمه حصته النيابية؛ بغية حرمان حزب العدالة والتنمية، صاحب الأغلبية، من الأصوات التي يأخذها عادة من حصة الأحزاب التي تعجز عن تخطي عتبة البرلمان 10%.
 

ومع ذلك فإن هذا الاتحاد المفترض ضد قوى أردوغان، معرض لضغوط شعبية، وربما لانشقاقات مستقبلية، نتيجة للاختلافات الفكرية والتاريخية بين قواعد وأدبيات تلك الأحزاب، ولعل إصرار قيادة حزب السعادة على معاقبة أردوغان بالتحالف مع خصومه خلال السنوات الماضية انعكس سلباً على شعبية الحزب الآخذة في التلاشي مع كل تحالفٍ يدخله مع أحزاب تحمل مشاريع مضادة لتوجهات جماهير الحزب (الإسلامية).

 

وعزز هذا الاحتمال تراجع (عبد الله غُل) عن الترشح –"لعدم تهيئة المناخ السياسي، وغياب الإجماع الكافي"، حسب قوله- وأرجع عدم الترشح إلى أمرين: أولهما عدم ثقته بقدرات المعارضة، سواء من حيث الحشد الشعبي أو من حيث استمرار التوافق فيما بينها حتى نهاية الانتخابات، وثانيهما أن أردوغان، الذي بات يعرف في الإعلام التركي بــ(عبقري الصناديق)، لا يزال يتمتع بعوامل نجاح تؤهله للفوز حتى على عبد الله غُل نفسه، وهذا مؤشر يدعم فكرة أن فرصة أحزاب المعارضة قد تضاءلت في السباق الرئاسي، ومن ثم ستكثف جهودها نحو الفوز بأغلبية مقاعد البرلمان.
 

قرار تبكير الانتخابات

ويراهن حزب العدالة والتنمية، ومعه حزبا الحركة القومية والاتحاد الكبير، على مجموعة عوامل أساسية في معركته الانتخابية؛ أولها قوة المرشح وتاريخه، بالإضافة إلى قدرته الخطابية والتأثير في مزاج الجماهير، كما أن أردوغان سيحاول استثمار افتتاح المشاريع الداخلية في خدمة ذلك، فضلاً عن أنه قد دشن حملته الانتخابية بجولة خارجية تاريخية، شملت أوزبكستان وكوريا الجنوبية، وتوقيع اتفاقيات تعاونية وتشكيل المجلس الاستراتيجي رفيع المستوى مع أوزبكستان، ليقول بذلك إن الوقت الذي أنفقته أحزاب المعارضة على تحديد مرشحيها للانتخابات، كان هو منشغلاً بفتح مشاريع وتعاقدات خارجية جديدة، وتعزيز حضور بلاده الخارجي.
 

فمن أجل تطبيق النظام الرئاسي خسر أردوغان قرابة عام ونصف مما تبقى له من مدته القانونية للبقاء في منصب الرئاسة فيما لو تم الالتزام بالمواعيد المقررة سلفاً، وذلك لعدة اعتبارات؛ أهمها: قطع الطرق أمام استمرار الإرهاصات الاقتصادية، فبالرغم من تحقيق تركيا خلال العام 2017 أعلى معدل نمو ضمن مجموعة الدول العشرين، والذي بلغ 7.4%، إلا أن التراجع المستمر للعملة التركية (الليرة) أمام العملات الأجنبية (الدولار واليورو..) أثار الكثير من القلق، خاصة بعد تجاوزه حاجز أربع ليرات مقابل الدولار الواحد، وقد أرجع بعض الخبراء ذلك إلى الوضع الانتقالي الذي تعيشه البلاد بين النظامين البرلماني والرئاسي، وهو ما دفع أردوغان لاتخاذ قرار تبكير الانتخابات.
 

الأمر الآخر يتعلق بالنجاح الذي حققته عمليات الجيش التركي في سوريا، وتحديداً عملية غصن الزيتون، التي توافق الأتراك على نجاحها وتأييدها، وخوفاً من أي حدث، لا سيما بعد الضربة الثلاثية (الأمريكية البريطانية الفرنسية) لسوريا، التي أعطت مؤشراً على دخول المواجهات طوراً جديداً أكثر صعوبة من ذي قبل، وعليه؛ حاول أردوغان وحزبه استثمار حالة النجاح والتأييد الشعبي في معركة السباق الانتخابي.
 

ويسعى حزب الحركة القومية من خلال تحالفه مع الحزب الحاكم للانتقال من الحضور البرلماني فقط إلى تقاسم حزب العدالة والتنمية السلطة التنفيذية (على مستوى الوزارات)، مستفيداً من تجربة العام 2014 حين تلقت أحزاب المعارضة مجتمعة ضربة بفوز أردوغان في الجولة الأولى، بفارق 12% عن مرشحها التوافقي (كمال الدين إحسان أوغلو)، الذي حصل على 38%.
 

تقسيم العملية الانتخابية

أما عن (تحالف الأمة) المعارض؛ بقيادة حزب الشعب الجمهوري، فيسعى إلى تقسيم العملية الانتخابية إلى مرحلتين؛ الأولى تهدف إلى منع أردوغان من حسم المعركة من الجولة الأولى؛ وذلك بزيادة عدد المرشحين لمنصب الرئاسة؛ بغرض تشتيت الجمهور وضمان أصوات الأحزاب المتحالفة بمختلف توجهاتهم (علماني يساري، قومي يساري، إسلامي محافظ)، وبناء على ذلك فقد رُشِّح (محرم إينجة) عن حزب الشعب الجمهوري، و(ميرال أكتشينير) عن حزب الجيد، وعن السعادة (تمل قره مُلا أوغلو)، وبنجاح هذه الخطة في منع أردوغان من حسم النتيجة منذ الجولة الأولى تبدأ المرحلة الثانية بالتوافق على توحيد كل الأصوات لدعم مرشح توافقي من بين هذه الأسماء.

 

 

نتائج متوقعة

 

رجب طيب أردوغان

ويعد رجب طيب أردوغان؛ المرشح الوحيد من بين منافسيه الذي يقف خلفه أكثر من حزب، حيث تحالف معه حزبا الحركة القومية والاتحاد الكبير، بالإضافة إلى أن فلسفة حزب العدالة والتنمية منذ بداية تأسيسه تدور حول الحفاظ على خط الوسط، فلا هو يسار ولا هو يمين، كما أنه ليس قومياً متشدداً ولا معادياً للقومية، وهذا البعد منحه ثقة أطياف شعبية متنوعة من أول انتخابات يخوضها في العام 2002، ويتمتع بأغلبية برلمانية مريحة، وهذه المعادلة لا تزال قائمة، ولم يدخل على الساحة السياسية حزب مماثل، وهو ما يجعل فرص الفوز لا تزال قائمة، وذاك ما دفع أحزاب المعارضة، المختلفة أساساً، للتحالف من أجل صناعة خطاب مماثل لحزب العدالة والتنمية، لكن ذلك وإن حصل على مستوى النخب فقد لا يحظى بقبول شعبي، وعليه فإن إمكانية فوز أردوغان منذ الجولة الأولى واردة، ويتوقع أن يحصل على نسبة مماثلة لنسبة الاستفتاء على الدستور 50% فما فوق.

 

محرم إينجة

أما محرم إينجة؛ فيعد أحد صقور التيار الكمالي، وهو عضو برلماني منذ 16 عاماً، ويتمتع بمهارات خطابية قد تجعل الانتخابات أكثر حدة على مستوى التصريحات من قبل، وأظهر من خلال أول خطاب له حرصه على تضمين مفاهيم دقيقة وشاملة، وقد علقت على ذلك الصحفية التركية (ناغيهان آلتشي) بقولها: "ألقى محرم إينجة خطاباً طويلاً، تطرق فيه إلى أتاتورك وفكره والقيم اليسارية من جهة، وتحدث عن الشاعر ناظم حكمت الذي سُجن ظلماً في عهد أتاتورك 12 عاماً من جهة أخرى، كما قرأ قصائد للشاعر الكردي أحمد عارف الذي تعرض لظلم الدولة الكمالية، وسعى أيضاً إلى توجيه رسائل إلى أنصار الكمالية من جهة، وإلى اليساريين والأكراد العلمانيين من جهة أخرى".

بيد أن هناك من يشكك في قدراته؛ استناداً إلى هزيمته أمام رئيس الحزب الجمهوري في انتخابات داخلية على قيادة الحزب، وأنه لم يحصل على أكثر من ثلث الأصوات. وعلى كل حال فإن نسبة حزب الشعب الجمهوري أكثر ثباتاً من غيرها خلال السنوات الأخيرة، وهي تتراوح عادة بين 24 -26، وهذه النسبة المتوقعة للمرشح الحالي.

 

ميرال أكتشينير

أما ميرال أكتشينير؛ زعيمة حزب (الجيد) الجديد، المنشقة عن الحركة القومية بسبب معارضتها لنهج زعيم الحزب في تأييد أردوغان وأعلنت تأسيس حزبها الجديد، الذي يعتقد أنه سحب البساط من الحركة القومية، لكن حجم النسبة التي قد يتحصل عليها يظل قيد التخمينات، لكنها -وفق مؤشرات غير ثابتة- ستقترب من مستوى صلاح الدين دميرطاش، بيد أن تلميح زعيم الحركة القومية الذي انشقت عنه أكتشينير قد تؤثر في إقبال الناخبين عليها، حيث قال بهتشلي- بحسب مراسل الجزيرة في أنقرة-: "إنه من المفيد البحث عمن هو المرشح الذي ستدعمه قاعدة (فتح الله غولن)"، وطالب وزارة الداخلية بالتحري.

ستثير تصريحات بهتشلي هذه الكثير من الجدل في الأروقة السياسية، فهي تدخل في سياق زيادة إشارات الاستفهام حول أكتشينير بالتلميح إلى أنها مدعومة من الغرب ومن تنظيم غولن، وربما ستثير أيضاً بعض المخاوف لدى المواطنين الذين يرغبون في توقيع طلبات ترشيح أكتشينير، خشية أن يكونوا عرضة للاشتباه بانتمائهم إلى تنظيم (فتح الله غولن) المصنف محلياً بأنه تنظيم إرهابي.

 

صلاح الدين دميرطاش

وعن صلاح الدين دميرطاش؛ على الرغم من أنه لا يزال معتقلاً على خلفية إدانته بدعم حزب العمال الكردستاني والمسلحين الأكراد، فإن حزب الشعوب الديمقراطي (الكردي) قد اختاره مرشحاً رئاسياً له، وقد حصل الحزب في الانتخابات الماضية عام 2015 على 13%، أي بواقع 79 مقعداً، ويعد ترشيحه رسالة سياسية أكثر منها منافسة على الرئاسة، ويتوقع حصوله على 10% تقريباً، كما أنه قد يوجه ضربة غير محسوبة لأردوغان؛ وذلك بالتحالف مع أحزاب المعارضة في حال كانت هناك جولة ثانية.

 

 

مُلا أوغلو

تمل قره مُلا أوغلو؛ بعيد انتخابه رئيساً لحزب السعادة الإسلامي، في أكتوبر/تشرين الأول 2016، تعهد (قره أوغلو) بتحقيق نتائج مفاجئة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية القادمة، وقد حاول مؤخراً دفع الرئيس التركي السابق (عبد الله غُل) لمنافسة الرئيس أردوغان، وبعد فشله في ذلك تقدم للترشح للحفاظ على أصوات الحزب من التسرب تجاه أردوغان، ويتوقع أن يحصل على نسبة لا تتجاوز 2%؛ نظراً لحجم الحزب أولاً، وتحالفاته الخطرة مع الأحزاب اليسارية ثانياً. ووفق آخر إحصاء رسمي فإن عدد أعضاء حزب السعادة يبلغ 244.213.

 

دوغو برينشيك

دوغو برينشيك؛ لا يبدو برينشيك، وهو رئيس حزب الوطن ومرشحه للرئاسة، حاضراً في المعادلة الانتخابية، ولا يشكل رقماً وازناً فيها، ويبلغ عدد أعضاء حزبه المسجلين رسمياً 25868 عضواً، ويتوقع حصوله على 05% من الأصوات على أفضل تقدير.

أما على المستوى البرلماني فإن ثمة شواهد تشير إلى أن المعارضة ستكثف من جهدها للفوز بأغلبية مقاعد البرلمان من أجل تعويض خسارتها المتوقعة في الانتخابات الرئاسية، ومن ثم موازنة القوة وتقاسم النفوذ مع الرئيس أردوغان، وتوقع أن تتجاوز حصة المعارضة 48% من مقاعد البرلمان.

 

ومما سبق فيمكن تلخيص الصورة الكلية للانتخابات التركية المزدوجة في ثلاث نقاط أساسية؛ أولها فتتعلق بخصوصية المزاج الشعبي وقراءة الشعب (الذاتية) لمرحلة ما بعد الاختيار، وقياس أضرار التناقضات التي قد تنجم عن ذلك، وهذا بطبيعة الحال يدفع عادة نحو اختيار النظام الأكثر استقراراً وتناغماً، ويدرك كثيرون أنه في حال فاز أردوغان وأُسند بأغلبية برلمانية مريحة، فستُحرر تركيا من عبء التوافقات وهواجس الانتخابات المتكررة، وستدخل مؤسسات الدولة في مرحلة استقرار خلال المرحلة المقبلة.

أما النقطة الثانية أن المعارضة التركية ستعمل على تعظيم حضورها في البرلمان للضغط على أردوغان ومؤسسة الرئاسة من أجل إثبات عدم صلاحية النظام الرئاسي، وهو ما قد يدخل البلاد في أزمات سياسية واقتصادية، ويؤثر في حضورها في ملفات دولية، ويضطرها إلى انتخابات مبكرة ثانية.

ثالثًا وأخيرًا أن هذه الانتخابات مختلفة كلياً عن سابقاتها من حيث التكتيكات أو الأهداف، إذ إنها تجاوزت الصراع من أجل الحصول على الأغلبية البرلمانية أو الفوز بمنصب الرئاسة فحسب إلى التكتل والتحالف من أجل تثبيت أو إعاقة (النظام الرئاسي)، الذي يؤسس لحقبة جديدة في تاريخ البلاد.