المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

اللواء خيرت يكتب: خطوة "تويتر" والذباب الأليكتروني

الثلاثاء , 17 يوليو 2018 - 07:45 مساءٍ

اللواء عبدالحميد خيرت
اللواء عبدالحميد خيرت

بغض النظر عن حالة السخرية، لدى رواد مواقع التواصل الاجتماعي، من إلغاء شركة تويتر 2.5 مليون متابع وهمي من الحساب الرسمي لأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، ليكون 230 ألفاً فقط، إلا أن القضية برأيي أعمق من هذا الإلغاء، أو هذه الشعبية الوهمية المزورة، لأنها تتعلق بالمصداقية أولاً، ثم بحقيقة حروب الجيل الرابع، وما يسمى بنظرية "الذباب الإليكتروني" وما يتضمنه من كتائب وأذرع وميليشيات أليكترونية لا تقل خطورة عن الميليشيات المسلحة.

خطورة "تويتر" هذه، لم تفضح مهرجان الشعبيوية المزيفة، وشراء الحسابات فقط، ولكنها أعادت للأذهان تعبير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب "Fake News" والذي أطلقه مهاجماً بعض القنوات الفضائية والإعلامية الشهيرة واصفاً إياها بصاحبة الأخبار المزيفة، لنجد أنفسنا مجدداً أمام "تزييف" مخجل للأسف تورط فيه بعض "القادة" ويضعنا أمام حجم هذه الحرب الإليكترونية التي تخوضها جماعات وتنظيمات التطرف والتكفير، وعلى رأسها التنظيم الدولي لجماعة الإخوان الإرهابية.. وداعموها وعلى رأسهم النظام القطري بالطبع، ونافذته التحريضية "الجزيرة".

نظرية "الذباب الإليكتروني" والتي تم تدشينها فعلياً خلال ما عرف بـ"الربيع العربي" وفوضى 25 يناير في مصر، وما بعدها، كوسيلة "مخفية" من وراء مجرد "كيبورد" أو "موبايل" لإثارة الشعوب وإسقاط الأنظمة، وأداة لنشر شائعات الهدم والتفرقة، هي ذاتها التي أصبحت فيما بعد ظاهرة وهمية للحشد على وسائل التواصل الاجتماعي، لإظهار "شعبية" زائفة ومصنوعة عمداً لاستعراض عضلات في الفضاء الوهمي، يتم بمقتضاها إظهار التأثير المصطنع، بالمال وبالأذرع الإعلامية وبمئات الآلاف من الحسابات المزيفة. وربما يكون هذا سبباً كافياً لفهم كيفية لجوء كل ميليشيات الإرهاب والتكفير والعنف للميديا الجديدة كساحة لإبراز العضلات والقدرات، مثلما يفعل تنظيم داعش الإرهابي، وبيقية الجماعات الأخرى.

هنا لب المشكلة، وليست مجرد إلغاء حسابات وهمية لأمير قطر، وغيره، بتحول معركة النفوذ من حالتها الواقعية والمنطقية التي يعرف فيها البعض حجم قدراته وإمكانياته، إلى ساحة الفضاء الإليكتروني غير الخاضع لأي رقيب أو حسيب، والذي يمكن شراؤه بدولارات معدودة، كعادة كل من يبحثون عن شراء الذمم والولاءات.

خطورة هذه المعركة، أنها تبرز الفوضى العارمة في الفراغ الخارج تماماً عن أي سيطرة، والذي يمكن من خلاله إعادة الاعتبار لمفهوم الفوضى الخلاقة، وإن بشكل مختلف تماماً، يستخدم التقنية الحديثة نعم، ولكنه يجعل من الأوهام والأكاذيب وكأنها حقائق معتبرة، مراجعة بسيطة لسجل الفوضى ووسائل التواصل الاجتماعي إبان فوضى الربيع العربي، يظهر للعاقل ـ والمتعقلين فقط ـ حجم السذاجة التي استغفلتنا بخليطها السحري الذي صنع في غرف المخابرات الغربية من أجل ضبابية المشهد في مرحلة ما بعد 2011، وكيف تم استخدام شعارات بلهاء للترويج للأجندة المؤامراتية، والتي لا تختلف كثيراً عما شهده حساب أمير قطر، وذبابه الإليكتروني التابع لجماعة الإخوان الإرهابية الذي شهد تراجعاً غير مسبوق.. لكن المفاجأة أن حرب "تويتر" على الحسابات المزيفة ضمت أيضاً قائمة طويلة، منها الرئيس الأمريكي السابق أوباما الذي خسر أكثر من 2.3 مليون متابع.. وكذلك موقع شبكة CNN الذي فقد أكثر من 1.1 مليون متابع، وأيضاً محمد البرادعي بأكثر من 100 ألف متابع، والداعية السعودي محمد العريفي بحوالي 300 ألف.. وهكذا.. حسب ما نشر موقع قناة "الحرة" الأمريكية.
حسناً فعل موقع التواصل الاجتماعي الشهير "تويتر" في مسعاه للحفاظ على مصداقيته، ولكن متى نجد إرادة دولية حقيقية وحازمة بمواجهة نفوذ ميليشيات الإرهاب وحساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل يجفف منابع أذرعهم الإعلامية المنتشرة في كل عواصم الدنيا، ومتى يوجد لدينا كدول عربية ـ وفي مصر تحديداً ـ استراتيجية واضحة الملامح والآليات لمواجهة انتشار تضليل هذا "الذباب الأليكتروني"، خاصة بعدما عانينا من خسائره على مستوى الأوطان والمقدرات.

ليس مهماً أيها السادة استخدام جرعة من "البف باف" لمواجهة هذا الذباب، المطلوب مبيدات حشرية جماعية أكثر فعالية وأقوى مفعولاً، كي لا نتجرع كأس الفوضى ونصدق الوهم مرة أخرى.!