المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

مستقبل الصراع.. ماذا بعد هلسنكي؟

الأربعاء , 18 يوليو 2018 - 06:36 مساءٍ

بوتين وترمب في قمة هلسنكي
بوتين وترمب في قمة هلسنكي

طرحت قمة هلسنكي بين الرئيسين الأمريكي والروسي بعض التساؤلات الهامة حول مستقبل العلاقات بين الدولتين ومعهما الاتحاد الأوربي، وتأثير ذلك على الشرق الأوسط ومناطق الصراع الملتهب.

كان إعلان بوتين صراحة أن الحرب الباردة انتهت، وإعلان ترامب أن اللقاء "نقطة انعطاف" في العلاقة بين البلدين دافعاً لكي يتساءل كثيرون عن مستقبل العلاقات الأمريكية والتوازنات القديمة التي كانت تعتمد في الأساس على التحالف الكامل بين الولايات المتحدة ودول أوربا مترجماً في حلف الناتو، في مقابل تباين المصالح ومناطق النفوذ مع روسيا وريثة الاتحاد السوفيتي العدو الأول للولايات المتحدة منذ زمن القطبين والحرب الباردة وسباق التسلح.

خاصة وأن حالة الاتفاق شبه الكامل بين الرئيسين والثناء المتبادل سببت قلقاً لكثير من المراقبين، حتى إن السناتور الأمريكي جون ماكين اضطر للقول إن "القمة في هلسنكي كانت خطأ مأساويا" ، كما تعرض ترامب لعاصفة من الانتقادات اللاذعة في الكونجرس.

وتخطت “قمة الخطوة الأولى” الوقت المحدد لها في تعبير عن رغبة الرئيسين التعمق في مناقشة ملفات جدول الأعمال. وبعد مباحثات دامت 3 ساعات و 50 دقيقة وصفها بوتين بالناجحة وجرت في جو عملي وصريح على حد تعبيره ، أمل أن يتم التوصل مع الولايات المتحدة لتفاهم يؤدي لتسويات المشاكل القائمة ضمن معادلات دقيقة تجنب الولايات المتحدة وروسيا الصدام خلال موازنتهما آليات تحقيق الأمن الدولي ومواجهة زحف التهديد الإرهابي. ورأى بوتين عدم وجود أسباب موضوعية لتوتر العلاقة القائم بين الدولتين.  من ناحيته عبَّرَ ترامب عن انفراج أحدثته القمة في العلاقات  بين البلدين بعد أن وصلت مستوياته إلى حدها الأدنى و الأسوأ.

فهل يكون لهذا التقارب المُعلن أثر ملموس على أرض الواقع في منطقة الشرق الأوسط، وتغيير طرق التعاطي الأمريكي وبالتالي الروسي مع الملف السوري واللبناني والإيراني واليمني، وقبل كل هذا وذاك قضية الأرض الفلسطينية المحتلة وباقي الملفات التي اعتمدت خلال السنوات السابقة على وجود توازن ما بين موقفين أحدهما أمريكي والآخر روسي؟

الربح والخسارة

الحقيقة أن معايير الربح والخسارة لا يمكن قياسها اعتماداً فقط على ما قيل في المؤتمر الصحافي المشترك للرئيسين. المحك الأساسي، هنا، لقياس الربح والخسارة قد لا يكون واضحاً للعين المجردة، لأنه يعتمد، في جزء منه، على ما حصل في خلوة ترمب وبوتين والتي دامت ساعتين (ضعف موعدها المحدد). لا يعرف فحوى هذه الخلوة سوى الرئيسين ومترجميهما، وفيها يمكن قياس الربح والخسارة بناء على ما قدّم هذا الطرف أو ذاك للآخر من تنازلات ووعود، في كل الملفات المعروضة على طاولتهما مثل سوريا وإيران وأوكرانيا وتدخلات روسيا في دول غربية، مثل بريطانيا. والأرجح أن الرئيسين، في خلوتهما، قدّما تنازلات، وحصلا على تنازلات مقابلة. فقواعد البيع والشراء والتفاوض تحتم ذلك.

 

فقد كان لقاء ناجحا باعتراف الطرفين اللذين خرجا بانطباعات إيجابية ومريحة. وفي حين وصف ترامب المحادثات بـ«المثمرة» وأنها أسفرت عن تجاوز مرحلة حرجة في العلاقات بين البلدين، بدا بوتين راضيا تماما عن القمة التي وصفها بـ«الناجحة والمثمرة»، فيما وصفها وزير خارجيته سيرغي لافروف بأنها «أكثر من ممتازة».

 

سوريا نقطة التلاقي

سورية بدت مركز التلاقي الأوضح بين الجانبين اللذين التقيا عند نقاط عدة مهمة:

- الاتفاق على توفير «أمن إسرائيل» (في إشارة الى الأخذ بالاعتبار مخاوف ومطالب إسرائيل بشأن التواجد العسكري الإيراني قرب حدودها).

- التنسيق العسكري بين الجيشين الأميركي والروسي (في إشارة الى خط التنسيق الذي تستخدمه القوات الأميركية والروسية لتجنب وقوع مواجهة غير مقصودة على أرض سورية أو في أجوائها).

- العودة الى التطبيق الكامل لاتفاق فصل القوات (السورية والإسرائيلية) في الجولان (في تأكيد لعودة الوضع في الجولان الى ما كان عليه قبل الحرب السورية، وعدم انطلاق أي نشاطات أو عمليات ضد إسرائيل عبر الحدود السورية في الجولان).

- توافر الشروط لتعاون جدي حول سورية تدور بعض فصوله حاليا في الجنوب السوري، وحيث أبدى بوتين استعداده لدور في بناء سلام سوري ـ إسرائيلي بعد استعادة الجنوب. وبدا واضحا أن هناك تفاهما على عودة النظام، من خلال «عملية الجنوب»، الى خطوط وقف إطلاق النار بموجب اتفاق أيار ١٩٧٤، وأن «كلام هلسنكي» عن هذه العودة يكشف وجود تفاهم مبدئي بين ترامب وبوتين حول الملف السوري، وتحديدا الجزء المتعلق بأمن إسرائيل.

- إيران هي مركز التنافر والمجال الأقل وضوحا في المساحة المشتركة التي رسمتها قمة هلسنكي فقد ظهر اختلاف بين الزعيمين حول موضوع الاتفاق النووي الإيراني، وكرر بوتين اعتراضه المعروف على نقض الولايات المتحد للاتفاق النووي وانسحابها الأحادي منه... أما في شأن وجود إيران ودورها في سورية، فكان الغموض سيد الموقف الذي اختصره ترامب بهذه الكلمات «سورية مشكلة معقدة. ستتعاون أميركا وروسيا في إيجاد حل لها، ولقاء اليوم هو بداية لعملية أطول. ولن نسمح لإيران بأن تستفيد من حملتنا الناجحة ضد «داعش».

- حصل اتفاق على مواجهة الإرهاب والتطرف، وعلى أن تتعاون أجهزة استخبارات البلدين في هذا المجال.

- ترامب الذي أظهر ودا تجاه بوتين ومرونة لامست حدود الضعف، دافع عن روسيا في موضوع تدخلها في الانتخابات الرئاسية الأميركية، وقال: «لا أرى أي سبب يدفع الى الاعتقاد بأن الروس تدخلوا في الانتخابات الرئاسية عام ٢٠١٦ ».

هذا الموقف أثار عاصفة من الانتقادات في الولايات المتحدة وفتح الباب أمام هجوم سياسي عنيف من قادة الحزب الديموقراطي الذين وصفوا أداء ترامب في المؤتمر الصحافي المشترك مع بوتين بأنه معيب، وأنه قام بتقوية خصومنا وإضعاف دفاعاتنا ودفاعات حلفائنا، وقالوا إنه لم يحصل في تاريخ أميركا أن قام رئيس للولايات المتحدة بتأييد خصم لها كما فعل ترامب مع بوتين.

ووصل الأمر في وسائل إعلامية الى وصف تصرف ترامب بأنه كان خاطئا جدا ومعاكسا للمصالح والقيم الأميركية، وموقفه يرقى الى درجة الخيانة ويعزز الشكوك في أنه «عميل للاستخبارات الروسية»! الاستنتاج الرئيسي أن بوتين هو الرابح من قمة هلسنكي التي كرسته لاعبا دوليا أساسيا، وأحيت الندية في العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة، وأطلقت مسار شراكة روسية ـ أميركية في المنطقة والعالم، الى درجة يمكن القول إن ما بعد قمة هلسنكي لن يكون كما قبلها.. فلننتظر ونر.

الاتفاق حول سوريا

كانت سوريا من بين نقاط الاتفاق الأوضح بين الرئيسين، فيما يخص منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً فيما يخص نشاط إيران وميليشياتها في الجنوب السوري. فقد كشف الرئيس الأميركي أن نظيره الروسي يأخذ في الاعتبار أمن إسرائيل فيما يخص الوضع في سوريا، وهو ما أكده بوتين نفسه عندما شدد على ضرورة إعادة تطبيق اتفاق الهدنة وسحب القوات السورية من المنطقة الفاصلة في الجولان.

وعلى الرغم من أن الرئيس الروسي لم يتحدث صراحة عن سحب إيران وميليشياتها من الجنوب السوري، فإن حديثه عن ضمان «سلام» حدود إسرائيل يتطلب إبعاد الإيرانيين عنها، وهو أمر تمسك الإسرائيليون به أكثر من مرة. والأرجح أن بوتين قد أطلع ترمب بالتفصيل على المفاوضات التي تردد أنها جرت، عبر الوسيط الروسي، بين الإسرائيليين والإيرانيين خلال وجود بنيامين نتنياهو وعلي أكبر ولايتي في موسكو الأسبوع الماضي. وهي مفاوضات يفترض أنها تركزت على مسألة سحب إيران ميليشياتها من جنوب سوريا.

وفي حين لم يتحدث الرئيسان عن الانتقال السياسي في سوريا ولا مصير الرئيس بشار الأسد، إلا أن ترمب كان واضحاً عندما قال إنه لن يسمح لإيران بأن تستفيد من جهود أميركا وحلفائها في القضاء على آخر جيوب «داعش»، في إشارة إلى تمسك الأميركيين بعدم السماح لإيران بالتمدد شرق الفرات. لكن ليس واضحاً هل هذا يعني بقاء الجنود الأميركيين هناك أو سحبهم في المستقبل «القريب»، كما وعد ترمب نفسه قبل شهور.

ومن بين نقاط الاتفاق الأخرى في الشأن السوري استمرار التعاون العسكري بين الأميركيين والروس، وتقديم مساعدات إنسانية للنازحين السوريين.

في الاتفاق النووي الإيراني، لا يبدو أن الرئيسين توصلا إلى اتفاق. فقد تمسك بوتين ببقاء العمل بهذا الاتفاق ودافع عن مزاياه، على الرغم من انسحاب ترمب منه وإعادة فرضه العقوبات التي كانت مفروضة على الإيرانيين قبل توقيعه. لكن لم يتضح ما إذا كان الرئيسان قد ناقشا تفصيلاً خطة أميركا لـ«تصفير» صادرات النفط الإيرانية، ومعاقبة الشركات التي تتعامل معها. لكن كان لافتاً، في هذا المجال، اتفاق بوتين وترمب على التعاون لضمان استقرار سوق النفط والغاز في العالم.

كان واضحاً أن من مجالات الاتفاق الأخرى بين الرئيسين التعاون الاستخباراتي والأمني، لا سيما في شأن تهديدات الجماعات المتطرفة، مثل «داعش» و«القاعدة». ولا يُعتقد أن هذا التعاون يمكن أن يكون شاملاً، بسبب انعدام الثقة بين أجهزة أمن البلدين. ولذلك فالمرجح أن يكون التعاون محصوراً بالتهديدات الأمنية، بحيث يبلغ الأميركيون نظراءهم الروس، أو بالعكس، بأي معلومات يمكن أن يحصلوا عليها في شأن تهديد إرهابي ما، كما حصل العام الماضي عندما أحبطت روسيا، بناء على معلومات أميركية، مؤامرة إرهابية في سان بطرسبرغ. ويتوقع أيضاً أن يتعاون البلدان في مجال خفض التسلح، وقد يكون ذلك عبر إطلاق مفاوضات تؤدي في نهاية المطاف إلى نسخة ثالثة من اتفاقات «ستارت» لخفض ترسانات الأسلحة الأميركية والروسية.

ولم يتضح ما إذا كان الرئيسان قد توصلا إلى تفاهمات غير علنية في شأن أوكرانيا. لكن الرئيس الروسي كشف أن ترمب يختلف معه في شأن القرم وضمها إلى روسيا ويعتبر ذلك غير شرعي، لكنه هو يعتبر ذلك شرعياً. أما في شأن الأزمة الأوكرانية في شكل أشمل فقد كرر الروس تمسكهم باتفاق مينسك لخفض التصعيد في شرق أوكرانيا، بما في ذلك وقف النار وفصل القوات المتحاربة وبدء حوار سياسي بين الجماعات المدعومة من موسكو وحكومة كييف.

ولم يتطرق الرئيسان في مؤتمرهما الصحافي إلى الخلافات البريطانية - الروسية على خلفية عملية تسميم الجاسوس الروسي سيرغي سكريبال وابنته يوليا بغاز «نوفيتشوك» في مدينة سالزبري، جنوب إنجلترا، في مارس (آذار) الماضي، وهي قضية تسببت في أكبر عملية طرد للدبلوماسيين الروس من الدول الغربية. وشهدت هذه القضية تداعيات جديدة قبل أيام عندما تسبب السم ذاته في وفاة امرأة بريطانية وإصابة صديقها إصابات خطيرة. ويبدو في حكم المؤكد أن ترمب قد أثار هذه المسألة مع بوتين في لقائهما الانفرادي، خصوصاً أنه ذهب إلى قمة هلسنكي مباشرة من بريطانيا حيث التقى نظيرته تيريزا ماي وناقش معها هذه المسألة.

ومن بين نقاط الاتفاق الأكثر إثارة للحساسية بين ترمب وبوتين قضية التدخل الروسي المزعوم في الانتخابات الأميركية. وقد أثار موقف ترمب من هذا المسألة عاصفة انتقادات في الولايات المتحدة نفسها. وإشكالية كلامه في المؤتمر الصحافي أنه بدا مسانداً للموقف الروسي ومؤيداً لعرض بوتين التعاون في التحقيق ومشككاً في معلومات أجهزة أمن بلاده، طارحاً تساؤلات علنية في شأن أدلتها على التدخل الروسي.

وعلى الرغم من أن تساؤلات ترمب مشروعة، فإن إدلاءه بها علناً، وبجانب الرئيس الروسي، سمح لخصومه بشن حملة ضده. وربما كان ممكناً تلافي ذلك كله لو أعلن ترمب موقفاً مماثلاً لما أدلى به بوتين، وهو موقف يقوم على أن الأمر في يد القضاء الأميركي ويجب ترك العملية القانونية تسلك مسارها الصحيح. لكن الأرجح أن ترمب يشعر بأن هناك في داخل أجهزة بلاده، وداخل شريحة من الطبقة السياسية ووسائل الإعلام، من لم يغفر له فوزه غير المتوقع على غريمته الديمقراطية هيلاري كلينتون، ويريد بالتالي إبقاء ملف التدخل الروسي في الانتخابات سيفاً مسلطاً على رقبة إدارته.

نوقشت ملفات أخرى عدة في القمة، تم التحدث عن بعضها في المؤتمر الصحافي في حين بقيت أخرى طي كتمان أروقة قصر الرئاسة الفنلندي الذي استضاف الرئيسين الأميركي والروسي. وفي هذه الملفات قد يكون حصل أيضاً اتفاق على بعضها واختلاف على بعضها الآخر.

لكن حسابات الربح والخسارة لا بد من أن تأخذ في الاعتبار في نهاية المطاف أن الرئيس الأميركي رجل لم يخش خوض التحدي الصعب وهو إعادة إطلاق مسار العلاقات مع روسيا، في مواجهة معارضة واسعة في بلده وفي الكثير من البلدان الغربية الأخرى. وبهذه السياسة، يكون ترمب قد خاض مغامرة ومجازفة على المدى القصير. لكن نجاح هذا المسار في تفادي أزمات عالمية وفي حل بعضها أو التخفيف من آثارها، سيعني أن المنتصر الأكبر في نهاية المطاف هو ترمب، وتكريس سياسة الحوار عوضاً عن المواجهة. لكن نجاح ترمب هنا مشروط أيضاً بتعاون بوتين، والانتصار سيُحسب لهما سوياً.