المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

اللواء خيرت يكتب في "اللواء الإسلامي": عقدة "الخواجة"؟!

الأربعاء , 15 اغسطس 2018 - 01:28 مساءٍ

ألقى اللواء عبدالحميد خيرت، وكيل جهاز مباحث أمن الدولة السابق، ورئيس المركز المصري للبحوث والدراسات، الضوء على قضايا التغريب داخل الوطن، وتراجع معدلات الوطنية والانتماء، عبر مقاله المنشور اليوم الخميس، على صفحات جريدة اللواء الإسلامي.

حيث أشار اللواء خيرت، إلى خطورة لافتات المطاعم والمحال التي تحاصرنا وتهدد بذلك الهوية والثقافة المصرية، واصفا هذه الظاهرة بــ "الطاعون"، وقص في رواية صغيرة وموجزة موقف شخصي تعرض له مع حفيدته، ينم عن الفخر والاعتزاز بالهوية المصرية واللغة العربية، موضحا مدى الاستهانة بالهوية المصرية.

وطرح عبر مقاله سؤالا يشير به إلى الغربة التي يعيش فيها الشعب المصري، واستدل به على فرض هوية جميع شعوب العالم لهويتها داخل أوطانها، فيما تكتب المطاعم المصرية قائمة الطعام باللغة الإنجليزية، فضلا عن تسارع الشباب الرهيب على اقتناء كل ما هو أجنبي وارتداء ملابس مطبوعة بكلمات أجنبية.

وشدد اللواء خيرت على أهمية استعادة الدولة للهوية المصرية العربية، كما تم استعادة مؤسسات الدولة المصرية، مشيدا بما قدمته الدولة من تضحيات من أجل استعادة المؤسسات وتقديم ضريبة الدم في سبيل ذلك، مؤكدا على ضرورة استعادة أنفسنا من هذا الاختطاف المزري و"تمصير" شوارعنا وأسمائنا وألسنتنا، وتصدير هويتنا كما كان حالنا قبل قرابة النصف قرن.

وفيما يلي نص المقال كاملا:

وضعتني حفيدتي في موقف حرج، حينما أصرت على أن أصطحبها ذات يومٍ لأحد المطاعم بالإسكندرية، فلبَّيت رغبتها على غرار مقولة الفنان الراحل عبد الفتاح القصري "تنزل المرَّة دي"، رغم أني عادة ما أتجنب الأماكن التي تحمل الأسماء غير العربية، والتي أصبحت كـ"الطاعون" المدمر للهوية والثقافة بشكل مأساوي.

داخل المطعم، فوجئت بأن قائمة الطعام باللغة الانجليزية فقط، الأمر الذي استفزَّني وجعلني أستفسر من  "النادل" عن إمكانية وجود قائمة باللغة العربية، ولما أجاب بالنفي الذي يحمل معنى "الاستنكار" فاجأتني حفيدتي ذات السنوات العشر، بالقول بصوت عالٍ وعلى مسمع من الحاضرين: "ياللا بينا يا جدو نروح مكان تاني.. أنا مصرية".

وقفت وأنا أشعر بالفخر والاعتزاز.. فأمام موقف هذه الصغيرة الذي أدهشني وأدهش الحاضرين، يجب الانحناء وأخذ الدرس الذي ربما لا يفهمه بعض "الكبار" أو يستهينون به، أو قد يتعاملون معه بكثير من الاستخفاف.

كيف أكون مصرياً وأجلس في مكان داخل وطني، ويقدمون لي قائمة طعام بلغة أجنبية.؟ هل لهذه الدرجة أصبحنا غرباء داخل أوطاننا، فيما جميع شعوب العالم تفرض هويتها داخل أوطانها، وتحرص على احترام لغتها  ولن أقول تجبر الآخرين على محاولة التواصل بها.؟

ربما تكون قضية التغريب المتوطنة تلك، هي ما تكشف أحد أهم أوجه الخلل الذي نعيشه، من افتقاد لأبسط مفاهيم الوطنية، وأولها اللغة، التي عندما نفرط فيها فإننا نقتل الهوية في الصميم، ثم نتساءل بعدها بغباء: عن لماذا أبناؤنا لا يعرفون كيف يكتبون بشكل صحيح.؟ ولماذا نجد هذا التسارع الرهيب على اقتناء كل ما هو أجنبي وغير مصري.؟ ولماذا يرتدي أبناؤنا وبناتنا هذه الملابس المطبوعة بكلمات أجنبية بعضها يحمل إساءات أو عبارات أقسم أنهم لا يعرفون معناها.؟

إذا كنا في مرحلة استعدنا فيها مؤسسات الدولة المصرية، بل الدولة نفسها كقضية وجودية من اختطاف طويل وارتهان متعمد، ودفعنا من أجل ذلك الضريبة الأفدح من دماء شهدائنا وجرحانا، ومن قوت لقمتنا، فهل نستطيع بالتوازي استعادة أنفسنا من هذا الاختطاف المزري و"تمصير" شوارعنا وأسمائنا وألسنتنا، وتصدير هويتنا كما كان حالنا قبل نصف قرن وربما أكثر.؟

وإذا كان أكثر من جيل قد تم اختطافه فكرياً ووجدانياً باسم "الدعوة" والمدارس الدينية، ليصبح بعد ذلك حربة في ظهر الوطن والشعب، فهل نستطيع إنهاء اختطاف عقول أجيال أخرى، باسم المدارس الأجنبية والتعليم الأجنبي، والأسماء الأجنبية وغيرها مما نراه في الشارع ووسائل الإعلام وعلى ألسنة الأبناء والأطفال.؟

قضية شائكة، تحتاج مسؤولاً شجاعاً، ربما يستلهم درس حفيدتي الصغيرة، ليؤكد أن هناك أملاً في نهاية هذا النفق.!

 

المقال على صفحات اللواء الإسلامي ص 14