المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

تصاعد الصراع الأوروبي على ليبيا

الثلاثاء , 28 اغسطس 2018 - 04:20 مساءٍ

تزداد الأوضاع الليبية تعقيدًا وسخونة بعدما طفى الصراع الأوروبي بين أكثر الدول تضررًا من التطورات السياسية والأمنية، ووفقا للتقارير الإعلامية الراصدة للأوضاع السياسية فإن بداية الخلاف حول مقاربات حل الأزمة الليبية، تبلورت في أعقاب تشكل جبهتين؛ عندما نجحت فرنسا، أخيرًا، في فرض رؤيتها على المجتمع الدولي والأمم المتحدة، إذ أيد مجلس الأمن نتائج اجتماع عقد في باريس في التاسع والعشرين من مايو الماضي، انتهى إلى الاتفاق على إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية بحلول 10 ديسمبر المقبل، وهي الخطة التي أيدتها الدول المؤثرة والمتأثرة بالملف الليبي، قبل أن تخرج إيطاليا لتعلن رفضها الذهاب إلى انتخابات خلال هذه الفترة القصيرة لتنضم إليها الولايات المتحدة الأميركية لاحقا.

ووفقا للمراقبين والمحللين السياسيين فأنه تم الابتعاد عن الخطة التي وضعها المبعوث الأممي، غسان سلامة، الهادفة إلى إعادة إحياء العملية السياسية، عبر ثلاث مراحل تبدأ بتعديل الاتفاق السياسي، ثمّ تنظيم مؤتمر جامع لإقرار دستور للبلاد، ثمّ العبور إلى انتخابات تشريعية ورئاسية، جرى تحديد موعدها قبل نهاية العام الجاري، وهو ما لا يتفق مع مجريات الأحداث في الداخل.

وبات الانحراف الأكثر وضوحًا في مسار الدول المعالجة للأزمة الليبية، بدا جليًا حين قالت وزيرة الدفاع الإيطالية “إليزابيتا ترينتا”، في أوائل يوليو الماضي: "لنكن واضحين... القيادة في ليبيا لنا"، في معرض تحذيرها لنظيرتها الفرنسية “فلورنس بارلي”، وهو التصريح الذي وضع الاشتباك الدولي والإقليمي حول ليبيا على الشاشة الدولية بشكل أكثر وضوحًا.

اهتمام دولي

تصاعد الاهتمام الدولي بالملف الليبي، وأرجع البعض الأمر لـ "فشل حكومة الوفاق الوطني في تحقيق أية نتائج إيجابية منذ أن تولت الأمور في العاصمة طرابلس مارس 2016، لا سيما أنها حصلت على دعم دولي كبير باعتبارها تمثل الشرعية الوحيدة في البلاد"، وتفاقم ظاهرة الهجرة غير الشرعية التي تعتبر ليبيا محطة مهمة للعابرين من مختلف الجنسيات إلى أوروبا، تخوفات مشروعة لدى المجتمع الدولي من نتائج الانتخابات المقررة، التي ربما تأتي بفصيل لا يحقق تطلعات المجتمع الدولي بشأن الملفات الأمنية والسياسية، يدعم ذلك أن كافة المؤشرات لا تقود إلى قدرة السلطات في ليبيا على إجراء هذا الاستحقاق بشكل يضمن نزاهته.

التسارع على الملف الليبي

تفيد التقارير الإعلامية في هذا الشأن إلى إن ثمة جناحين رئيسيين يتسارعان على الملف الليبي مع بروز جناح ثالث خلال الأيام الماضية يمكن أن يؤثر – بشكل أو بآخر – في قدرة المجتمع الدولي على حلحلة الأزمة بليبيا، وذلك على النحو التالي:

1-المقاربة الأولى من الجانب الفرنسي الذي يحاول إنقاذ مخرجات اجتماع باريس التي تستهدف إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية بحلول 10 ديسمبر المقبل، على أن يسبقها وضع الأسس الدستورية للانتخابات واعتماد القوانين الانتخابية الضرورية بحلول 16 سبتمبر المقبل.

2-الجناح الثاني تقوده إيطاليا، التي استقطبت معها الولايات المتحدة الأميركية ذات النفوذ الأوسع، لإفشال مخرجات اجتماع باريس، واستضافة اجتماع للأطراف الليبية، الخريف المقبل، واستطاعت أن تحصل على دعم دولي لعقده(6).

3-طرف ثالث استدعاه التجاهل الأوروبي للشرق الليبي، حين استنجدت القيادة العامة للقوات المسلحة بقيادة المشير خليفة حفتر، بالجانب الروسي، والرئيس “بوتين” شخصيًا، لوقف ما أسماه “العبث” الإيطالي في الملف الليبي، ما يرشح أن يكون لموسكو رأي مخالف للمقاربتين السابقتين خلال الفترة المقبلة، ربَّما يكون أقرب إلى الحلول الأمنية والعسكرية أكثر منها للسياسية.

مصالح خلف الكواليس

تبدو المقاربات الدولية لحل الأزمة السياسية في ليبيا، في ظاهرها، هادفة إلى إحلال السلام محل الصراعات في البلد الذي أرهقته الأحداث الأمنية، لكنّ خلف الكواليس ثمة أهداف أخرى أقلها الحفاظ على مصالح تلك الدول في الدولة الأكثر أهمية على البحر المتوسط.

المساعي الفرنسية

منذ أن دخل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قصر الإليزيه، وضع الملف الليبي على رأس أولوياته عبر تحركات شكلت الرؤية الفرنسية من خلال ثلاث خطوات رئيسة:

1-في يوليو 2017 استطاع “ماكرون” أن يجمع لأول مرة طرفي الأزمة بليبيا، وهما رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فايز السراج، وخصمه المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني، في باريس؛ سعيًا إلى التوصل إلى تسوية سياسية وإخراج البلد من الفوضى، ونجح إزاء ذلك في الاتفاق على جملة من البنود الرئيسية وسجل لصالحه هدفًا في مرمى خصومه المتفاعلين مع الملف الليبي.

2-من خلال البناء على اللقاء السابق، وسّع "ماكرون" دائرة المتحاورين، فجمع في التاسع والعشرين من مايو الماضي، أربعة وفود ليبية مؤثرة ترأسها فائز السراج، والمشير خليفة حفتر، ورئيس البرلمان عقيلة صالح، ورئيس مجلس الدولة خالد المشري، انتهت إلى وضع خطة لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، بدت المخرج من مأزق الخلاف حول الشرعية.

3-سجلت فرنسا هدفًا ثالثًا لصالحها عندما تبنى مجلس الأمن الدولي الرؤية الفرنسية لحل الأزمة الليبية، وهو ما شكل دعمًا لوجهة النظر الفرنسية.

الحماس الإيطالي

عند تلك النقطة بدت إيطاليًا أكثر تحمسًا للمضي في إطار تعطيل المقاربة الفرنسية، فتشكلت رؤاها عبر مقدمات هي:

1-زيارات متتالية لمسؤولين إيطاليين إلى العاصمة الليبية طرابلس، من بينهم نائب رئيس الوزراء، ووزير الداخلية ماتيو سالفيني، ووزيرة الدفاع إليزابيتا ترينتا، جميعها ركزت على ركل الرؤية الفرنسية والتشكيك في جدواها.

2-رسمت زيارة رئيس الوزراء جوزيبي كونتي، إلى العاصمة الأميركية واشنطن، جزءًا من الرؤية الإيطالية بشأن الملف الليبي، حين أراد أن يعيد تأطير الموقف الدولي تجاه المقاربات الأوروبية لحل الأزمة.

3-جاء الدعم الأميركي الرسمي من قبل الرئيس دونالد ترمب للرؤية الإيطالية باعتبارها المختص الرئيسي في تحريك شراع الأزمة الليبية باعتراف واضح وعلني.

4-الإعلان عن مؤتمر دولي تستضيفه “روما” في الخريف المقبل، أعلنت عدة دول رغبتها في المشاركة، وهو ما أعطى الرؤية الإيطالية مشروعية أكثر على المستوى الدولي والإقليمي بانخراطها في الملف الليبي.

5-تكثيف إيطاليا حراكها الدولي، سواء لدى دول جوار ليبيا للحصول على دعم لورقتها الراغبة في تعطيل مسار الذهاب إلى انتخابات، أو ضمان عدم السير في ركاب الدبلوماسية الفرنسية في مقاربتها بشأن ليبيا، وهو ما تحقق لها حين ضمنت تأييد الجار الأقوى والأهم إلى ليبيا (مصر).

الدب الروسي

في تلك المرحلة، فإن الشرق الليبي بدا مهمشًا إلى حد ما من قبل الأطراف الدولية التي تزور دائمًا المنطقة الغربية، رغم الاعتراف بكون الجنرال خليفة حفتر، لاعبًا مؤثرًا في الملف الليبي وأحد أطراف الحل، ما دفع القيادة العامة للاستنجاد بالحليف الروسي للتدخل عبر 3 مهام محددة، تتمثل في دعم رفع الحظر عن تسليح الجيش الليبي الذي تمثله القيادة العامة، ودعم إجراء انتخابات في ليبيا، و”مناقشة إيطاليا في تدخلها المشبوه في الشأن الليبي”، وهي المطالب التي تبدو في ظاهرها مشروعة على المستوى المحلي، لكنّها تحمل رسائل يمكن اعتبارها استنجادًا من الجنرال “حفتر” بحليفه الروسي لعدة أسباب أهمها:

1-اتسعت فرنسا نفوذًا في ليبيا منذ تولي “ماكرون” الحكم في البلد، لكنَّ جل اهتمامه انصب على المنقطة الغربية التي توالت زيارات مسؤولي بلاده على العاصمة طرابلس لدعم حكومة الوفاق الخصم الرئيس لحفتر.

2-اكتسبت إيطاليا عداء الشعب الليبي، خاصة الجيش الوطني، بسبب مواقفها تجاه ملف الهجرة وتحركاتها في المنطقة الجنوبية، لا سيَّما مع اتهامات بنشر قوات لها هناك، فضلاً عمَّا أثير بشأن تمويل ميليشيات في المنطقة الغربية والجنوبية لمنع تدفقات الهجرة إلى روما.

3-نجاح روما في الحصول على دعم دولي تجاه رؤيتها للحل، في الوقت الذي تعتبر الداعم الرئيسي للغرب الليبي، وهو ما ظهر من خلال معركة تحرير سرت، حين دعم الإيطاليون مصراتة وأقاموا مستشفى ميدانيًا، والإبقاء على سفارتها في طرابلس مفتوحة على مدى السنوات الماضية على عكس السفارات الأجنبية الأخرى، ما يدلل على أن علاقاتها جيدة مع الجماعات المتحكمة بالعاصمة التي تناهض قوات "حفتر".