المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

البصرة.. فيضان يجتاح النفوذ الإيراني في العراق

الأحد , 09 سبتمبر 2018 - 07:58 صباحاً

دهس العلم الإيراني في تظاهرات البصرة
دهس العلم الإيراني في تظاهرات البصرة

شهرين من الاحتجاجات الاجتماعية، التي نشبت في محافظة البصرة النفطية في الجنوب العراقي ذي الغالبية الشيعية، ضد الفساد وتقادم الخدمات العامة، وقد أسفرت هذه الاحتجاجات عن سقوط 27 قتيلا منذ يوليو الماضي، وذلك بعد أن تظاهر عشرات الأشخاص في محافظة البصرة (جنوب) للمطالبة بوظائف للشباب وبخدمات أفضل.

وما زاد الشرارة اشتعال هو مقتل أحد المتظاهرين، فيما تواصلت التظاهرات وقام المحتجون بإغلاق بعض الطرق أو بمحاولة مهاجمة مبان عامة، فيما أكد وزير النفط جبار اللعيبي أن المتظاهرين حاولوا دخول مصاف في حقل نفطي وأضرموا النار في مبان.

في 13 يوليو، تظاهر مئات الأشخاص في وسط مدينة البصرة أمام مقر مجلس المحافظة، وطوقتهم قوة أمنية كبيرة، فيما اجتاح عشرات الأشخاص قاعة انتظار في مطار النجف (وسط) حيث انتشرت قوات أمنية، وفي مدينة الناصرية في محافظة ذي قار، أصيب عدد من المتظاهرين ورجال الشرطة بجروح، فعبر آية الله علي السيستاني أعلى مرجع شيعي في العراق، عن دعمه للمحتجين ودعاهم في الوقت نفسه إلى تجنب الفوضى.

وفي اليوم التالي قتل متظاهران بالرصاص في محافظة ميسان (جنوب) حسب أجهزة الدفاع المدني، فيما حاول متظاهرون إضرام النار في مقر منظمة بدر التي تدعمها وتسلحها إيران، في البصرة ما أدى إلى صدامات مع قوات الأمن، مما اضطرت السلطات لفرض منع التجول ليلا في المحافظة.

رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أعلن تخصيص حوالى ثلاثة مليارات دولار للمحافظة، إلى جانب وعود بالاستثمار في السكن والمدارس والخدمات، إلا أن عمليات سقوط الضحايا مازالت مستمرة، حيث قتل متظاهران آخران في السماوة (محافظة المثنى، جنوب) بالرصاص أمام مقر المحافظة، وفي البصرة أسفرت صدامات بين قوات الأمن والمحتجين عن جرح خمسين شخصا معظمهم من المتظاهرين.

وخرج العبادي ليدين أعمال العنف ضد الممتلكات العامة وقوات الأمن، كما دعا قوات الأمن إلى البقاء في حالة تأهب، لكنه أمرها بالامتناع عن استخدام الرصاص الحقيقي ضد المتظاهرين غير المسلحين، إلا أنه في يوم 20 يوليو، "توفي متظاهر مدني في العشرين من عمره، المستشفى إثر إصابته برصاص حراس مقر تنظيم بدر" الذي كان مئات يتظاهرون أمامه، حسبما أعلن مصدر طبي.

وامتدت حركة الاحتجاج بعدها إلى بغداد حيث استخدمت القوات الأمنية خراطيم المياه والقنابل المسيلة للدموع لتفريق مئات المتظاهرين الذين حاولوا التوجه إلى المنطقة الخضراء التي تخضع لإجراءات أمنية مشددة، وهتف مئات الأشخاص في ساحة التحرير في بغداد "لا للفساد!" و"ايران بره!". ووصفوا القادة ب"اللصوص" و"الفاسدين" وسط انتشار امني لقوات مكافحة الشغب المسلحين بهراوات كهربائية.

شدة الاحتجاجات دفعت رئيس الوزراء لإقالة وزير الكهرباء قاسم الفهداوي "على خلفية تردي خدمات الكهرباء"، كما قررت المحكمة الاتحادية العليا العراقية في 31 يوليو، وقف صرف الرواتب التقاعدية لأعضاء مجلس النواب العراقي السابقين. وطعن العبادي في قانون اقره مجلس النواب المنتهية ولايته في يونيو، يمنح اعضاء المجلس حقوقا مادية سخية جدا، كما أقال حيدر العبّادي في التاسع اغسطس، عدداً من كبار مسؤولي وزارة الكهرباء.

وفي تطور سريع للأحداث أغلق متظاهرون عددا من النقاط الاستراتيجية في البصرة، في الثاني من سبتمبر، فيما قتل نحو ستة متظاهرين في البصرة، في الرابع من سبتمبر كما قال مسؤول محلي في اليوم الأكثر دموية منذ بداية حركة الاحتجاج التي استؤنفت بقوة وسط أزمة صحية خطيرة.

وفي ليل السابع من سبتمبر، سقطت ثلاث قذائف هاون على المنطقة الخضراء حيث مقر السلطات في بغداد، وأضرم مئات المتظاهرين النار في القنصلية الايرانية في البصرة في تظاهرات احتجاجية جديدة، فيما سقطت أربع قذائف في باحة مطار البصرة الدولي (جنوب العراق)، في في الثامن من الشهر نفسه، لتكون حصيلة خمسة أيام، مقتل 12 متظاهرا وأحراق مقار مؤسسات عامة أو أحزاب.

 

 

إيران بره بره

تصاعد هتافات "إيران بره بره" في احتجاجات متظاهري البصرة الغاضبين من إهمال البنية التحتية المتداعية بمدينتهم وحرق أعلام ايران وصور رموز نظامها، واقتحام الممثلية الدبلوماسية لأحد أبرز اللاعبين الأساسيين في الساحة العراقية، تحولا كبيرا في احتجاجات البصرة التي انطلقت شرارتها على خلفية استشراء الفساد، بعدما أدى تلوث المياه في المحافظة إلى تسمم أكثر من 30 ألف شخص.

ومع لك فإنها ليست المرة الأولى، التي يلقي فيها المتظاهرون باللوم على الأحزاب و"الميليشيات" الموالية لإيران في الفساد المستشري في العراق، ففي يوليو الماضي، هاجم المتظاهرون مقرات هذه الجماعات، وأحرقوا صور المرشد الإيراني الراحل الخميني، أثناء احتجاجاتهم في الشارع، الذي يحمل اسمه.

وفي الأسبوع الماضي، أضرم متظاهرون النيران في عدد من مقار الأحزاب والميليشيات الموالية في غالبيتها ل‍طهران لتناهز الحصيلة النهائية 20 مقرا، في مقدمتها مقرات حزب "الدعوة الإسلامية"، الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء المؤقت، حيدر العبادي، ورئيس الوزراء السابق، نوري المالكي.

 

المتظاهرون أقدموا على حرق مقرات فصائل "الحشد الشعبي"، ومنظمة بدر، التي يتزعمها رئيس تحالف الفتح، هادي العامري، وعصائب أهل الحق لزعيمها، قيس الخزعلي، وكتائب حزب الله وحركة الأوفياء.

هذه المعطيات دفعت المتابعون للشأن العراقي لتفسير هذه التطورات بأنها حركة عفوية بسبب التدخلات الإيرانية، التي زادت عن حدها كثيرا في الشأن الداخلي العراقي وتحريكها للأحزاب والميليشيات العراقية كما يحلو لها، فكانت النتيجة خرابا أصاب المحافظة الجنوبية، الغنية بالنفط.

ويريد متظاهرو البصرة محافظة ودولة خالية من الأحزاب، التي تقف وراء الفساد المستشري في البلاد، وتحركها قوى خارجية من أجل تنفيذ أجندتها، وربما يوضح ذلك السبب وراء عدم مهاجمة المحتجين لمقار التيارات الأخرى، التي كان لها رأيا واضحا ضد التدخل الإيراني في البلاد، لتبقى نتيجة هذه التطورات مرهونة بالعملية السياسية العراقية، التي تشهد اضطرابا شديدا بسبب التحالفات والتكتلات المدعومة من طهران، التي يتزعمها المالكي والعامري.

 

فأمام هذه الأحداث المتواصلة، لم تصمت الميليشيات، التي كان الدعم والتوجيه الإيراني سببا في ظهورها للعلن، وتمتعها بسطوة لا تضاهي سطوة المؤسسات الأمنية والرسمية العراقية، فخرجت عصائب أهل الحق لترد على المتظاهرين بالرصاص، وتقتل وتجرح عددا منهم، ليوضح رد فعل عصائب أهل الحق أن هذه التطورات لن يكون تأثيرها سهلا على الميليشيات التي اعتادت على التمويل والدعم الإيراني.

كما لم تفوت كتلة الفتح التي يتزعمها هادي العامري، وتنضوي تحتها معظم فصائل ميليشيات الحشد الشعبي الموالية لإيران، هذه الفرصة، في محاولة منها للإطاحة بتحالف "الصدر-العبادي" المضاد الذي يسعى لتشكيل الحكومة.

وأصدرت الكتلة بيانا وجهت فيه سهام الاتهام فيما يحدث للحكومة العراقية، وطالبت رئيس الوزراء حيدر العبادي بالاستقالة فورا، لفشله الواضح في إدارة جميع الملفات، وفق تعبير البيان.

 

 

خسائر العبادي

وبذلك فقد انقلبت الطاولة على رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته حيدر العبادي مع مطالبة القائمتين الرئيسيتين اللتين فازتا في الانتخابات التشريعية التي جرت في مايو الماضي باستقالة حكومته، في أعقاب جلسة استثنائية عقدها البرلمان لمناقشة الأزمة القائمة في البصرة الجنوبية.

العبادي، الذي كان يعول على تحالفه السياسي مع ائتلاف "سائرون" الذي يتزعمه رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر لتشكيل الكتلة الأكبر، وبالتالي تسميته لولاية ثانية، يجد نفسه في موقف صعب. وقال المتحدث باسم تحالف "سائرون" النائب حسن العاقولي في مجلس النواب "نطالب رئيس الوزراء والكابينة الوزارية بتقديم استقالتهم والاعتذار للشعب العراقي".

ولم يقتصر الأمر على الصدر فقط، بل خسر العبادي أيضا ثاني أكبر الفائزين في الانتخابات، تحالف "الفتح" الذي يتزعمه هادي العامري المقرب من إيران. وأعلن المتحدث باسم "الفتح" النائب أحمد الأسدي أن "التقصير والفشل الواضح في أزمة البصرة كان بإجماع النواب... ونطالب باستقالة رئيس الوزراء والوزراء فورا". وأضاف الأسدي "سنعمل سريعا خلال الساعات المقبلة لتشكيل الحكومة. نحن وسائرون على خط واحد لتشكيل الحكومة الجديدة ولبناء العراق، وواهم من يعتقد أننا مفترقون".

جاء هذان الإعلانان بعيد جلسة برلمانية استثنائية بحضور وزراء من الحكومة ورئيسها لبحث الوضع القائم في محافظة البصرة، بعد أسبوع احتجاجات دموية أسفرت عن مقتل 12 متظاهرا، وإحراق القنصلية الإيرانية ومبان حكومية عدة.

ودعا العبادي، إلى إبعاد محافظة البصرة عن الصراع السياسي بين الأحزاب والفصائل المسلحة هناك، فيما دعا زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر إلى إعادة النظر في مفهوم الترشح لرئاسة الوزراء.

وبدأت الجلسة الطارئة التي عقدها البرلمان العراقي لمناقشة الوضع في البصرة بمشادة بين حرس العبادي وحرس البرلمان وانتهت بمشادة بين رئيس الوزراء ومحافظ البصرة أسعد العيداني.

واعتبر العبادي الذي حضر الجلسة مع عدد من الوزراء المعنيين أن أزمة البصرة سببها الفراغ السياسي داعيا إلى إبعاد المحافظة عن هذا الصراع الذي يمكن أن يتحول إلى صراع مسلح.

وأمام نحو 172 نائبا حاضرا من أصل 329. قال إن "البصرة عامرة وتبقى عامرة بأهلها (...) والخراب فيها هو خراب سياسي". وأضاف، حسب وكالة الصحافة الفرنسية، فإن "مطالب أهل البصرة هي توفير الخدمات، يجب أن نعزل الجانب السياسي عن الجانب الخدمي، هناك مظاهرات هم أنفسهم أدانوا أعمال التخريب والحرق".

وأثار الصدر في بيان أمس احتمال الدخول في مواجهة مع العبادي حول رئاسة الوزراء رغم أنهما طرفان أساسيان في تحالف "الإصلاح والإعمار" الذي يضم كذلك زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم وزعيم ائتلاف الوطنية إياد علاوي.

بدوره، انتقد نوري المالكي جلسة البرلمان أمس وقال إن أحد أهداف الجلسة "التغطية على أعمال التخريب والجرائم" في المحافظة.

وأضاف في سلسلة تغريدات: "ظهرت أهداف دعوة مجلس النواب للانعقاد بهذه الطريقة ومنها التغطية على أعمال التخريب والجرائم والاعتداء على ممتلكات الدولة والشعب والقوى السياسية والحشد الشعبي".

وتابع أن "حركة الأجهزة الأمنية كانت متباطئة ومتعثرة منحت عصابات الحرق والتخريب كامل حرية الحركة واليوم ستتحرك لتطهر وكأنها التي أوقفت عصابات التخريب وجماعة الميليشيات المتمردة".

 

تراكمات 15 عام

ويدرك المسؤولون العراقيون أن الموجة الرافضة للتدخل الإيراني في الشؤون العراقية عموماً، وأوضاع البصرة على وجه الخصوص ليست وليدة اللحظة، بل مثّلت تراكمات لـ15 عاماً تلت الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، وفقاً لما أكده أحد الناشطين في احتجاجات البصرة، مبيناً أن "الجميع يعلم مدى سطوة ونفوذ الإيرانيين، والفصائل المسلحة المرتبطة بهم في البصرة.

وأضاف أن "كل شيء يذهب للإيرانيين، الاستثمارات، والعقود، والعمالة، والنفط، والعملة الصعبة"، موضحاً أن "هذه الأمور حوّلت البصرة من محافظة غنية بالنفط إلى واحدة من أفقر المناطق في المنطقة". ونفى "وجود أية جهة قامت بتحريض المتظاهرين على اقتحام القنصلية الإيرانية في البصرة"، مؤكداً أن "الأفعال التي جرت، والشعارات التي أُطلقت، ما هي إلا غيض من فيض، لما يحمله أهالي البصرة من استياء ضد إيران".

وتابع: "تتعرّض بعض قيادات الاحتجاجات لضغوط كبيرة من قبل مليشيات مرتبطة بإيران"، مشيراً إلى أن "بعض الناشطين تلقوا تهديدات بالتصفية في حال استمر حراكهم الاحتجاجي".

وتابع الناشط نفسه، قائلاً إن "قيام مليشيات وعصابات مسلحة بإعدام عدد من المتظاهرين، بإطلاق نار مباشر في الرأس يمثل دليلاً واضحاً على أننا بدأنا ندفع ثمن عدائنا لإيران".

 

طلق ناري في الرأس

وذكرت وسائل إعلام محلية أنّ "الشرطة العراقية في البصرة، عثرت فجر أمس السبت، على جثث ثلاثة شباب أصيبوا بطلق ناري في الرأس"، مضيفة أنّ "جثة الشاب الرابع وُجدت مرمية في منطقة تنومة بالمحافظة".

وجاء ذلك بعد ساعات على تهديدات أطلقها زعيم مليشيا "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي ضد المتظاهرين. وكان الخزعلي دعا أنصاره إلى "الاستعداد لتنظيم تظاهرات ضد الحركة الاحتجاجية في البصرة"، مؤكداً في كلمة نقلتها وسائل إعلام تابعة له أن "مليشيات الحشد الشعبي ستتدخل لضبط الأوضاع في البصرة"، مضيفاً أنه "لن نسكت وسنتدخل بقوة".

إلا أن تهديدات المليشيات بالتدخل في البصرة مرفوضة جملة وتفصيلاً بالنسبة إلى رئيسة منظمة "الأمل" الإنسانية، القيادية في "تحالف المادة 38 من الدستور"، هناء أدور، التي قالت إن "تحالفها لن يسمح بأي حال من الأحوال بتدخل المليشيات في البصرة". وأكدت في حديث مع "العربي الجديد" أن "القمع المستخدم من قبل المليشيات والقوات العراقية غير مسموح به إطلاقاً".

وأشارت أدور إلى "إجراء اتصالات بوزارة الداخلية العراقية، والسلطة القضائية، ومفوضية حقوق الإنسان، لإبلاغها عن الانتهاكات بحق المتظاهرين"، رافضة "تعرّض المحتجين للاعتقال من قبل القوات العراقية والمليشيات".

وشدّدت على "ضرورة محاسبة المتورطين في قتل المتظاهرين"، موضحة أن "القانون يحاسب على استخدام القسوة من قبل الأمن". ورحّبت أدور بـ"إقالة قائد العمليات الأمنية في البصرة من منصبه"، مطالبة بأن "تشمل هذه الإجراءات قرارات أخرى لضبط عمل المليشيات".

وقرر العبادي، أمس، بصفته القائد العام للقوات المسلحة إقالة قائد عمليات البصرة الفريق الركن جميل الشمري، على خلفية الاحتجاجات الأخيرة في البصرة، بحسب بيان للمتحدث باسم قيادة العمليات المشتركة العميد يحيى رسول، جاء فيه أن "العبادي كلف الفريق رشيد فليح بدلاً منه". وفور استلامه منصبه، وعد فليح في تصريح صحافي مقتضب بأنه "سيعمل على استتباب الأمن والتعاون المشترك بين المواطنين والقوات الأمنية".

 

الأكثر خطراً

في سياق متصل، حذّر الكاتب البريطاني باتريك كوبيرن، من مغبّة التهاون مع الاحتجاجات المشتعلة في البصرة بجنوب العراق، معتبراً أن تلك الاحتجاجات هي الأكثر خطراً في العراق منذ سنوات، وأنها يمكن أن تمتدّ إلى المنطقة.

وقال الكاتب في مقال له بصحيفة "الإندبندنت" البريطانية، إن هذه الاحتجاجات لو أنها وقعت قبل الربيع العربي لكانت تصدّرت نشرات الأخبار في جميع أنحاء العالم، غير أنها إلى الآن لا تحظى بتغطية في وسائل الإعلام الدولية التي تركّز على مستقبل إدلب في سوريا.

الاحتجاجات المستمرّة في البصرة منذ عدة أيام، كما يرى الكاتب، تأتي في لحظة تغرق بها البلاد في أزمة سياسية؛ بسبب الصراع بين كتل شيعية لتشكيل الكتلة الكبرى التي تسمح لها بتشكيل الحكومة.

واعتبر الكاتب أن عدم الاهتمام من قبل الحكومات الغربية ووسائل إعلامها بما يجري في البصرة يشبه تماماً ما جرى قبل 5 أعوام؛ عندما تم تجاهل مطالب أهالي المناطق الغربية والشمالية، لتتقدم داعش وتستولي على الموصل.

ويرى الكاتب أن أسباب الاحتجاجات في البصرة واضحة؛ فالعراق تحكمه طبقة سياسية مهلهلة تُدير جهاز الدولة العراقية بوصفه آلة للنهب والسرقة.

وقال: "صحيح أن الفساد منتشر في الدول النفطية، ولكن على الأقل هناك ما تقدّمه تلك الحكومات لمواطنيها، أما في العراق فإن ذلك لا يحدث بحدّه الأدنى، فبعد 15 عاماً من السرقة تحوّلت البصرة التي كانت تُعرف بفينيسيا الخليج إلى مجارٍ مفتوحة، وصار ماؤها ملوّثاً وسامّاً".

البصرة تمثّل صورة حقيقية لفساد وفشل الطبقة السياسية في العراق؛ فالمدينة -رغم ثروتها النفطية الهائلة- مهدّدة الآن بتفشّي الكوليرا، بحسب مسؤولي مديرية الصحة العامة في البصرة، حيث عالجت مستشفيات المدينة أكثر من 17500 شخص أُصيبوا بالإسهال بسبب تلوّث المياه.

ويتابع الكاتب، أن الحكومات العراقية لا تتعامل بشكل جيد مع الأزمات المماثلة، خاصة أن أزمة البصرة تأتي متزامنة مع الأزمة السياسية لتشكيل الحكومة الجديدة، ولكن حتى لو شُكّلت حكومة جديدة وتم اختيار رئيس وزراء جديد، أو بقي حيدر العبادي، فإن ذلك لن يؤدّي إلى تغيير أو إحداث فرق كبير، فحتى تيار مقتدى الصدر الذي فاز ائتلافه بالمركز الأول في الانتخابات التي جرت في 12 مايو، يواجه أعضاؤه تهم فساد مثلهم مثل بقية الأحزاب الأخرى.

المشكلة لا تتعلّق بفساد الأفراد، بل في الآلية السياسية التي تقوم على مبدأ تقاسم الوزارات بين الأطراف الحزبية وكأنها غنائم ومصادر للثراء.

 

لماذا يتظاهر العراقيون الآن؟

يجيب الكاتب عن التساؤل قائلاً، إنه بعد أن نجح العراق -بدعم أمريكي وإيراني- في القضاء على تهديد "داعش"، لم يعد الكثير من العراقيين مشغولين بالتهديد الأمني، وبدأ التركيز على الخدمات والحالة المتداعية للبلاد، فلا جسور ولا طرق ولا مستشفيات ولا مدارس، فضلاً عن نقص الكهرباء والماء في بلد تصل فيه درجة الحرارة صيفاً إلى أكثر من 50 درجة مئوية.

ويفضّل العراقيون تغييراً جذرياً أو حتى ثورياً، ولكن الحقيقة أن الوضع الحالي في العراق من الصعب اقتلاعه؛ فليست النخبة السياسية هي الوحيدة المستفيدة من عائدات النفط، وإنما هناك نحو 4.5 مليون موظّف عراقي يحصلون على رواتب من الدولة، ومن ثم فإن لديهم الحافز للحفاظ على هذا الوضع مهما كان سيئاً.

 

ويختتم الكاتب مقاله بالقول: "الأزمة السياسية المزمنة في العراق ينبغي أن تدقّ ناقوس الخطر في العالم، فمند 2003، عقب الاحتلال الأمريكي، كانت الأزمات التي تعصف بالعراق مقدّمة لأزمات تصيب المنطقة والعالم، في ظل حكومات متعاقبة تخدم في كثير من الأحيان مصالح رعاة أجانب، فضلاً عن أن العراق تحوّل إلى ساحة للصراع الأمريكي الإيراني".