المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

"معاهدة لوزان" ... أردوغان يخلق الوهم ليبقى

الأحد , 09 سبتمبر 2018 - 03:40 مساءٍ

بالرغم من الأزمات الاقتصادية الطاحنة، وتزايد الأوضاع الاقتصادية سوءًا، إلا إن أبواق الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لا زالت تتعالى وتتعالى تصدح بالكذب وتسوق الأوهام وتضلل الشعب، محاولة بذلك تشتيت العقول وإرباك المشهد وتحسين صورة أردوغان، مختلقة بذلك أكاذيب وأوهام تجعل من فشله نجاح، مدعية إنه يصارع ويحارب ويلاقي الأهوال والصعاب من أجل الشعب التركي، متناسية ومتجاهلة ما يعانيه ويتكبده هؤلاء جراء الانحراف الفكري للقيادة السياسية.

من جديد باتت الأذرع الإعلامية الداعمة لأردوغان، والتي تمكنت حسب المراقبين من التسويق لنظام أردوغان، وكانت السبب في بزوغ نجمه في عالم السياسة قبل ما يزيد عن 15 عامًا، حيث يعتمد النظام التركي الحالي على الدعاية، باستخدام وترويج مجموعة من الأكاذيب التي يلبسها إعلام أردوغان الممول ثوب الحقائق.

حيث جاءت أخر تلك المزاعم والأباطيل والأكاذيب ما بات يردده الإعلام التركي عن معاهدة لوزان وتركيا عام 2023 وأملاك الإمبراطورية العثمانية في القارات الثلاث، ومنع تركيا من التنقيب عن البترول وتحصيل رسوم المضايق، وإدانة الشروط البريطانية المجحفة التي وضعت على تركيا وأثقلت كاهلها وتسببت في أزماتها المالية المتتالية من أن وضعت قبل ما يربو عن المائة عام.

اكذب، اكذب، ثم اكذب

الآلة الإعلامية التركية التي طالما ما مارست الكذب والتضليل، والذي بلغ أشده في خدمة أردوغان، الذي تمكن من بسط يده ونفوذه وجبروته على الشعب التركي، معتمدا على الدعاية حتى تمكن من تغيير نظام الحكم في البلاد واستأثر بالحكم لنفسه.

الإعلام الموالي لأردوغان اتخذ من قاعدة جوزيف جوبلز، مهندس الدعاية النازية: "اكذب، اكذب، ثم اكذب حتى يصدقك الناس"، قاعدة إعلامية ينتهجها فيما يخص الحفاظ على صورة النظام التركي وتقديمه في أفضل وجه، وإلباسه ثوب الصادق، الصالح، الأمين.

ومؤخرا، ازدادت معاناة الشعب التركي، جراء قرارات وسياسات أردوغان، فزادت بالتالي عزلة تركيا ومشاكلها الخارجية، وتفاقمت أزماتها الداخلية، فكان الملجأ هو اللجوء إلى سلاح الدعاية والإعلام، وسرعان ما روجت الآلة الإعلامية الموالية لأردوغان، وهمًا صنع بعناية، ألا وهو "أكذوبة معاهدة لوزان"، كلمة السر في "التآمر" على أردوغان.

"لوزان" في مواجهة "سيڤر" 

بعد طرد القوات اليونانية من قـبل الجيش التركي بقيادة مصطفى كمال "الذي أصبح لاحقًا أتاتور"، رفضت الحكومة التركية حديثة التشكيل معاهدة "سيڤر" الموقعة حديثًا، وفي 24 يوليو 1923، وقعت معاهدة سلام في لوزان التي سوت الجزء الأناضولي من تقسيم الدولة العثمانية بإبطال معاهدة "سيڤر" التي وقعتها الدولة العثمانية كنتيجة لحرب الاستقلال التركية بين حلفاء الحرب العالمية الأولى والمؤتمر الوطني الكبير لتركيا (الحركة الوطنية التركية)، المعاهدة كانت نتيجة مفاوضات مؤتمر لوزان التي استمرت 11 أسبوعًا.

143 بندًا

تتكون المعاهدة من 143 بندًا بالأقسام الرئيسية التالية:

– مؤتمر المضايق التركية.

– تبادل (إلغاء التعهدات).

– تبادل السكان بين اليونان وتركيا.

– الاتفاقيات.

– الرسائل المـُلزِمة.

نصت المعاهدة على استقلال جمهورية تركيا، وكذلك حماية الأقلية المسيحية الأرثوذكسية اليونانية في تركيا، والأقلية المسلمة في اليونان، إلا أن معظم السكان المسيحيين في تركيا والسكان الأتراك في اليونان، كانوا قد طـُردوا حسب معاهدة تبادل السكان اليونانيين والأتراك السابق توقيعها بين اليونان وتركيا، كما قبلت تركيا رسميًا خسارة قبرص التي كانت مؤجرة للإمبراطورية البريطانية إثر مؤتمر برلين في 1878، ولكنها ظلت قانونيًا أرضًا عثمانية حتى الحرب العالمية الأولى، وكذلك مصر والسودان الأنجلو – مصري التي احتلتها قوات بريطانية بحجة إخماد ثورة عرابي واستعادة النظام في 1882، ولكنهما ظلتا "قانونيًا" أراضي عثمانية حتى الحرب العالمية الأولى، اللتان ضمتهما الإمبراطورية البريطانية، بشكل أحادي في 5 نوفمبر 1914.

جزر "الدوديكانيز"

كما تخلت تركيا عن كل الادعاءات فيما يختص بـجزر "الدوديكانيز"، التي كانت إيطاليا مجبرة على إعادتها لتركيا حسب الفقرة 2 في معاهدة "أوشي" في 1912-وتُعرف أيضًا باسم معاهدة لوزان الأولى (1912)، إذ وُقـِّعت في "شاتو دوشي" في لوزان، سويسرا – في أعقاب الحرب الإيطالية التركية.

مؤتمر المضايق التركية ظل ساريًا لمدة ثلاث عشرة سنة فقط، ثم حلَّ محله مؤتمر “مونترو” المتعلق بنظام المضايق التركية، القيود على الجمارك في المعاهدة عـُدِّلت بعد توقيع المعاهدة بفترة قصيرة، وتمَّ تطبيق عفو سياسي 150 شخصية غير مرغوب فيهم في تركيا حصلوا على الجنسية ببطء (آخرهم كان في 1974) وهم من نسل الأسرة المالكة السابقة.

أردوغان خليفة المسلمين

تسري أكذوبة بين المتعاطفين مع الخلافة العثمانية، وأولئك الذين يرون أردوغان خليفة المسلمين وسلطانهم، مفادها بأن ثمة بنودًا سرية في معاهدة لوزان تتعلق بحفنة من الأكاذيب، منها:

– بند يحد سريان المعاهدة بمئة عام فقط، ومع اقتراب عام 2023، تسري سيناريوهات مؤامرة كثيرة حول ما سيحدث آنئذٍ.

– بند يتعهد فيه عصمت إينونو (رئيس وزراء تركيا – آنذاك – ورئيس وفد تركيا في مفاوضات لوزان) بجعل الشباب يدمنون كرة القدم حتى يبتعدوا عن الدين.

– بند تتعهد فيه تركيا بنشر توظيف المرأة في العمل خارج بيتها حتى تضعف الأخلاق.

– ويرافق تلك الشائعات شائعة أخرى بوجود بند سري في معاهدة “مونترو” حول نظام المضايق (1936)، المكملة لمعاهدة لوزان، مفادها أن المعاهدة يمكن مراجعتها كل عشرين سنة، وأن تركيا من حقها إرسال إخطار بإلغاء المعاهدة قبل سنتين من تاريخ المراجعات العشرينية.

كشف الأكاذيب

أكذوبة الـــ 100 عام

يركز إعلام أردوغان على أكذوبة أن معاهدة لوزان تنتهي بعد 100 عام، أي أنه في عام 2023 ستعتبر المعاهدة ملغاة، وبالتالي يحق لتركيا استرداد كل الأراضي التي فقدتها بموجب المعاهدة، وهو ما يزعم دراويش أردوغان أن هذا ما يقلق أوروبا، وبخاصة ألمانيا، خوفًا من عودة الخلافة العثمانية على يد أردوغان، وأن تركيا بعد ذلك سيحق لها إعادة بناء الدولة العثمانية، أو ما شابه.

يتغافل إعلام أردوغان عن حقيقة بديهية جدًا في عالم السياسة، ألا وهي أن معاهدة لوزان، مثلها مثل أي معاهدة أخرى، هي أبدية، ما لم يـُذكر فيها تاريخ انتهاء صلاحية. ومعاهدة لوزان ليس فيها تاريخ انتهاء صلاحية. هذه أكذوبة شائعة. وهو ما يمكن التأكد منه عبر النص الكامل لمعاهدة لوزان.

البترول والمضايق

من الشائعات التي تروجها الماكينة الإعلامية التابعة لأردوغان، مقولة إن معاهدة لوزان تمنع تركيا من التنقيب عن البترول وتحصيل رسوم المضايق، وهي أكذوبة لا تحتاج إلا إلى نظرة متجردة من الأهواء للتأكد من زيفها، وهو ما تكشفه معاهدة "مونترو" حول نظام المضايق 1936، التي كانت مكملة لمعاهدة لوزان، وهي اتفاقية تعطي تركيا السيطرة على مضايق البسفور والدردنيل وتنظم انتقال السفن الحربية فيهما.

المؤتمر منح تركيا الإدارة الكاملة للمضايق وضمانات المرور المجاني للسفن المدنية في وقت السلم. وقيد مرور السفن البحرية التي لا تنتمي لدول البحر الأسود. وشروط المؤتمر كانت موضع جدل على مدار السنين، أشهره ما يخص دخول جيش الاتحاد السوفيتي في البحر المتوسط.

وُقـِّعت المعاهدة في 20 يوليو 1936، وسمحت لتركيا بإعادة تسليح المضايق، ودخلت في حيز التنفيذ في 9 نوفمبر 1936 وسجلت في سلسلة معاهدات عصبة الأمم في 11 ديسمبر 1936. ولا تزال سارية حتى اليوم، مع بعض التعديلات. أعطى البند 21 في المعاهدة، تركيا الحق في إغلاق الممرات البحرية إذا كانت تركيا في حالة حرب أو تشعر بخطر يقترب. وفي القرن الحادي والعشرين، فإن مشروع (قنال) إسطنبول قد يشكل تجاوزًا لمعاهدة “مونترو” ويمكـِّن تركيا من فرض المزيد من الاستقلالية في عدم السماح للسفن الحربية الأجنبية بالمرور من البحر الأسود إلى بحر مرمرة.

مضيق البسفور

إذن، ما يردده إعلام أردوغان حول حرمان تركيا من تحصيل رسوم المضايق والسيطرة عليها، مجرد أكاذيب تصدر إلى الجمهور العربي الذي لا يعرف خبايا وحقيقة المعاهدات التي وقعتها تركيا قديمًا، ويعتمد أردوغان وآلته الإعلامية على عدم المعرفة هذه في تمرير أكاذيبه.

 

ما يؤكد سيطرة تركيا على المضايق، وبالتالي ينسف أكاذيب معاهدة لوزان نسفًا، هو الخبر الذي نشر عام 2011، والقائل بأن تركيا تدرس زيادة الرسوم على النقل البحري في مضيق البسفور، وفقًا لتصريح على لسان وزير الطاقة وقتها “تانر يلديز”، والخبر نشرته وكالة الأنباء التركية الرسمية.

 

الحقول النفطية،

في نوفمبر 2014، تناقلت المواقع التركية المؤيدة لأردوغان خبرًا عنوانه “اكتشاف حقول نفط جديدة جنوب شرق تركيا” وجاء في الخبر: اكتشفت شركة النفط التركية TPAO حقلي نفط جديدين في الأشهر الأخيرة في مدينة باتمان جنوب شرق البلاد، وباكتشاف هذين الحقلين يصل عدد الحقول المكتشفة في تركيا إلى 14 حقلاً.

الأغرب أن إعلام أردوغان الذي يروج – حاليًا – منع تركيا من التنقيب عن البترول بسبب معاهدة لوزان، هو نفسه الذي تفاخر في 2015 بالاكتشافات النفطية، إلى درجة أنه وصف عام 2015 بأنه العام الذهبي للبترول في تركيا. ووفقًا لمُعطيات مراسل جريدة الأناضول الصادرة عن شركة بترول تركيا، استطاعت شركة البترول التركية تحقيق نحو 33 ألف و85 برميلاً من البترول داخل تركيا، و36 ألف و928 برميلاً من البترول خارج تركيا خلال شهرِ أبريل، ليصل العدد الإجمالي بالكامل لإنتاج البترول إلى نحو 70 ألف و13 برميل بترول.

إذن، كل ما يروجه إعلام أردوغان على مواقعه وعبر مواقع التواصل الاجتماعي حول معاهدة لوزان، مجرد أكاذيب تكشف عن حجم المأزق الكبير الذي يعانيه نظام أردوغان، إلى درجة أجبرته على تسخير ماكينته الإعلامية المهولة من أجل الترويج لأكاذيب المعاهدة، هربًا من أزماته الداخلية ومشكلاته الخارجية التي يعيشها أردوغان، أخيرًا، معتمدًا في ذلك على مجموعة من المريدين والدراويش عبر مواقع التواصل، مستغلاً في ذلك عدم دراية الجمهور العربي بمدى برجماتية أردوغان وعدم معرفته بتفاصيل المعاهدات التي يتبارى إعلامه في تشتيت الجمهور العربي بها.

إسقاط تركيا قبل 2023

تردد آلة أردوغان الإعلامية التركي، مجموعة من الأوهام حول معاهدة لوزان 1923، أهمها:

– الغرب يريد إسقاط تركيا قبل 2023.

– ألمانيا قلقة من عام 2023.

- تنازل كمال أتاتورك عن أملاك الإمبراطورية العثمانية في ثلاث قارات.

– المعاهدة تمنع تركيا من التنقيب عن البترول وتحصيل رسوم المضايق.

– ادعاء وضع بريطانيا لشروط مجحفة للسيطرة على تركيا.