المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

مواجهة «الطائفية» بين قانون الدولة وجلسات «برّاد الشاي»!

الأربعاء , 19 سبتمبر 2018 - 10:39 صباحاً

تناول اللواء عبدالحميد خيرت، وكيل جهاز مباحث أمن الدولة السابق، ورئيس المركز المصري للبحوث والدراسات، الأحداث الطائفية الأخيرة بمحافظة "المنيا"، خلال مقاله الأسبوعي المنشور بعدد الخميس 13 سبتمبر 2018، من جريدة "اللواء الإسلامي".

كما تحدث خلال مقاله عن درس محمد علي باشا في ذات الشأن، وكان عنوان المقال: "هكذا كان درس محمد علي باشا .. مواجهة «الطائفية».. بين قانون الدولة وجلسات «برّاد الشاي».

وكان نص المقال كالتالي:

ما حدث مؤخراً من أحداث طائفية في محافظة المنيا، يكشف الغطاء عن القدر "المغلي" والمسكوت عنه طويلاً في حياتنا العامة اجتماعياً وفكرياً.. والأهم "قانونياً" وفق شروط المواطنة التي تفرِّق بيننا كشعب ذي نسيج واحد له انتماء واحد، مهما اختلفت عقائدنا وأفكارنا وتوجهاتنا.

تعاملنا بطريقة "الطبطبة" المعتادة، وما تتضمنه من "قعدات عرفية" ومجالس عائلة، وغيرها، أثبتت فشلها طيلة عقود كثيرة، لأنها أولاً محاولة للالتفاف على الأحداث بحجة تطييب الخواطر بدلاً من أخذ الحقوق وتثبيتها، والأخطر أنها تستبدل قانون الدولة الطبيعية بـ"أعراف" وتقاليد لم تفلح أبداً في لجم المشكلة أو الحد منها على الأقل.

وعن نفسي، كرجل أمن سابق، كان لعقود مسؤولاً عن ملفات تيارات الإسلام السياسي بكل شخوصه وتنظيماته عبر العديد من مواقع المسؤولية في وزارة الداخلية، أرى أن تطبيق القانون وحده، وبحسم وردع هو الحل، لأننا ـ وفي هذه المرحلة تحديداً ـ لا يمكننا قبول حل الجرائم بمصالحات مؤقتة، أو الاعتقاد بأن نشر صورة لـ"قس" و"شيخ" متشابكي الأيدي بعد أي حادث من هذا النوع، هو مجرد "تزوير" للحقائق، قد يرسل رسالة حول "الوحدة الوطنية" المفترضة، ولكنه أبداً لا ينزل القدر من على النار المشتعلة، أو يطفئها من الأساس.

نار التطرف خامدة كالجمر تحت الرماد منذ عقود طويلة، وللأسف أنتجت لنا "أيقونات" دعوية انتشرت بموديلاتها المتعددة، من الحويني/ محمد حسان/ عمرو خالد/ مصطفى حسني ومعز مسعود وغيرهم من باراشوتات الدعوة الذين هبطوا على أرض مصر فجأة لهداية المصريين في أكبر موجة يمكن تسميتها بـ"المحن الديني"، تشريح واستعراض مجمل خطابها العام يكشف بوضوح عن توجه كل منها لشريحة بعينها، كعملية موجهة ومقصودة وممنهجة للغاية برعاية الـ"Big Brother" لهم.. جماعة الإخوان الإرهابية وتنظيمها الدولي.

بعضهم استهدف الشباب والطبقة "الراقية" والآخر توجه للعامة والطبقة الوسطى، وغيرهم بدأ عبر استخدام الزوايا والمساجد كمنصات مسمومة لبث أفكارها العتيقة، حتى انفتح القمقم بدعك مصباح علاء الدين ، لنرى فتاوى مردة الجن والإنس التي وصلت في مجملها لتحريم تهنئة الأشقاء المسيحيين بأعيادهم أو حتى السلام عليهم.!

تحولت "الفتوى" من مجرد كلام ينفخ به "داعية" في حفلة زار يحضرها المريدون الذين يتأوهون ويهللون ويذرفون الدموع من أجل "الخلافة" الضائعة، إلى ممارسة وتطبيق سلوكي على الأرض، تم تتويجه خلال سنة حكم "الإخوان" السوداء وما بعدها بعد عزلهم في يونيو 2013، إلى إرهاب فعلي على الأرض، انتقل من خانة التحريم إللفظي إلى جرائم "التحريق" والاغتيال الجسدي، لنشهد ظاهرة استهداف الكنائس وحرقها، واستهداف مواطنين مصريين كل جريمتهم أنهم "مسيحيون" في أعنف حملة تحريض غير مسبوق تشهدها مصر.. تكاد تصل للاحتراب الأهلي.

كانت حجة التنظيم الإخواني وميليشياته الإجرامية، أن المسيحيين ساهموا في إسقاطهم، لذا لم يكن غريباً أن يكون أهم استهداف لجماعة الإخوان الإرهابية، هو أقسام الشرطة وأمن الدولة.. ثم الكنائس. من إضرام النيران في حفل زفاف بكنيسة فى منطقة الوراق وسقوط ضحايا عقب فض بؤرة رابعة الإرهابية، إلى جريمة قرية دمشاو بالمنيا.. كانت هناك أكثر من 60 جريمة أخرى طالت كنائس ضمن سلسلة طويلة من الاعتداءات، غير عمليات استهداف وقتل مواطنين مسيحيين آخرين.. لنكون أمام مرحلة مثيرة، عنوانها الأبرز.. أن الإرهاب في مصر، يحاول تعويض فشله وإخفاقاته باستهداف الأشقاء المسيحيين بالدرجة الأولى.!

السؤال الذي يبدو لأول وهلة: هل هذا الاستهداف عَرَضٌ مؤقت أم مرض مزمن.؟

الإجابة المؤلمة، ترجح الخيار الثاني.. لأن "المرض المزمن" جاء نتيجة سلسلة طويلة من التجاهل لأصل المشكلة وحقيقتها الجوهرية التي باتت غير قابلة لأي مسكنات.. ومفادها أن ممارسات سنوات من التحريض العلني متعدد الاتجاهات ـ الذي سكت عنه البعض ـ أوصلنا إلى حافة الهاوية بتكفير واستباحة حتى أولئك الذين يحملون نفس الملة والعقيدة، وأصبحت إحدى أزماتنا أن "التكفير" والتفجير لم يفرق بين مسلم ومسيحي.!

بدأ المرض منذ انتشار "الجلاليب البيضاء" التي طرأت علينا على أيدي مصريين تأثروا بـتيار "الصحوة" الذي انتشر في بعض دول الخليج عقب الطفرة النفطية، وتبعه ظاهرة "النقاب" للنساء التي راجت على أنها أحد مظاهر التمسك بالدين الإسلامي، لنجد أنفسنا أمام "غزوة" غير معتادة، نجحت خلال أقل من عقدين في تغيير صورة الشارع المصري المتسامح والمتآلف للغاية، بالتزامن مع موجات وقعقعات صوتية بالمايكروفونات، سيطرت على المنابر ومحلات الكاسيت وأشرطة التسجيل ممثلة في رمزين من أخطر الرموز التي اجتاحت مصر، الشيخ عبد الحميد كشك في القاهرة، والشيخ أحمد المحلاوي في الإسكندرية.. تقمصا ـ بجانب الدعوة ظاهرياً ـ دور المعارضة السياسية ومهاجمة نظام الحكم ومعه الدولة بأكملها ورموزها السياسية والفنية والأدبية والثقافية.

لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل فوجئنا بسريان مفعول مفهوم ما يُسمى "الحسبة" أو ما أطلق عليها وقتها جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي بدأت في تنفيذ قانونها الخاص في أبشع استعراض عضلات ضد الدولة المخولة أصلاً يحماية النظام العام.. الشرارة انطلقت من السويس ممثلة بجريمة قتل شاب كل ذنبه أنه كان يتمشى مع خطيبته في احد المتنزهات، عقب أقل من أسبوع من تولي مندوب الإخوان محمد مرسي رئاسة مصر عام 2012.. لنكون أمام مؤشر خطير لما سنُبتلى به بعد ذلك.. وقد حدث.!

لم ينتبه أحد وقتها، إلى هذا القانون الخاص لهذه الجماعة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، هو المرادف الاستنساخي لعصابة "النظام الخاص" الموجودة لدى جماعة الإخوان الإرهابية، والذي كان ذراعها القذرة في تنفيذ عمليات التصفية والاغتيال السياسي والانتقام من الخصوم والمعارضين، حتى داخل الجماعة ذاتها.. والتي سبق أن تبرأ مرشدها العام من ممارساتها بعد تزايد الضغوط وكنوع من التقية لديهم.

هذه "التقية" هي نفسها التي وضعتنا بعد ذلك، أمام المشهد الأكثر إثارة.. أن نجد بعض أيقونات الدعوة الذين مارسوا التكفير والتحريض المجتمعي باسم الدين، هم أنفسهم الذين تصدروا مشاهد عمليات ومفاوضات الصلح عقب بعض الجرائم الطائفية، وتحديداً خلال عام الإخوان الأسود، وكأننا بالتالي أمام مفارقة "حاميها.. حراميها"، وليتحول الأمر كله إلى "مكلمات" وخطب، ومصافحات كلها.. كلها تكتفي برفع غطاء القدر، دون أن تطفيء النار الراكدة، أو حتى ترفع القدر من عليها.

وهنا.. في هذه المرحلة.. لا بدّ من الحديث عن مسؤولية الدولة وقانونها العام ومؤسساتها، كضامن وحيد وأبدي لحياة وكرامة كل مواطنيها دون تفرقة.. وأولى أبجديات مسؤولية الدولة، هو ما سبقت الدعوة إليه أكثر من مرة، وعلى لسان السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه، وهو مراجعة وتصحيح الخطاب الديني، ويضاف إليه التعامل بحزم مع كل الأشكال الدعوية مسيحية كانت أو إسلامية أو غيرها.

عمليتا المراجعة والتصحيح، غاية في الخطورة، إذا كنا حقيقة جادين في إعلاء مبدأ المواطنة كتشريع وحيد للتعايش والحفاظ على النسيج المجتمعي، بدلاً من تصدير "العقائد" كساحة مستباحة لإظهار تناقضاتها أو اختلافاتها، ليتخذ منها البعض ذريعة للتكسب والسمسرة والظهور باسم الدعوة المجني عليها.

السؤال المهم في هذا الإطار: كيف نبدأ.؟ ومن يتولى المهمة.؟

برأيي فإن مؤسساتنا الدينية وحدها عاجزة حالياً على الأقل للأسف الشديد عن استلهام الخطورة، وبدء مرحلة نقدية للذات بكل تشابكاتها وتعقيداتها تخرج بنا إلى تنوير فكري مطلوب جداً لاستمرار التعايش المجتمعي كضرورة ربما تبيح المحظور القابع في عش الدبابير بكل تراثها القديم الذي لا يمكن تقديسه أو تقديس شخوصه غير المعصومين باجتهادهم البشري القابل للصواب والخطأ، والذي قد يكون ناسب عصورهم، فيما نحن أحوج لما يناسب عصورنا وحياتنا.

إذا أردنا الخروج من مأزق الطائفية والتصنيف الديني، فلا بدَّ من حركة تنويرية حقيقية، لا أقول "تنسف حمّامنا القديم" ولكن تأخذ منه ما يناسبنا واستجلاء ما يؤسس لنا خارطة طريق اجتماعية وفكرية حقيقية تؤسس لمفهوم الدولة المدنية بكل حيثياتها ومفرداتها المنضبطة لا المنفلتة، وعلى رأس أولوياتها إذا كنا جادين ـ وأعتقد أننا كذلك فعلاً ـ في التصدي لما يحدث، فلا بد من فرض هيبة الدولة أولاً وتطبيق قانونها بحزم ليكون وحده "السيد" الذي يسود بقوة على هذه الأرض، ولننهِ على الفور هذه المهازل باسم "التقاليد" والأعراف وجلسات الكبار والأعيان والمشايخ والقساوسة التي هي في رأيي تزيد الطين بلة، سواء من حيث إتاحة الفرصة أمام المجرم للفرار بفعلته تحت أي مسمى، أو من حيث أنها لا تنزع فتيل الأزمات أصلاً، بل تزيد الأحقاد وتؤججها كامنة في الصدور، وقبلها لا بد من تصحيح المفاهيم كي لا يتم التلاعب باسمها.. ويستغله الأفاقون والضعفاء لتحقيق أجنداتهم الشخصية والخاصة.

أذكر أني دعيت للمؤتمر الأول " لبيت العائلة " أوائل هذا العام ، وكان تحت رعاية شيخ الأزهر والبابا تواضروس ، تحت عنوان "معاً ضد الإرهاب" ، وكنت ضمن ورشة حوارية تضم رجال دين من الطرفين ، وبدأت حديثى بالاعتراض على عنوان المؤتمر "معاً ضد الإرهاب " معلناً أن الأزهر والكنيسة ليسا معنيان بمواجهة الإرهاب، وأنه من الأفضل تصحيح المصطلحات أولاً فدلالاتها مهمة في تحديد أولويات المواجهة، ليكون العنوان "معاً ضد التطرف".. لأن هذا هو دورهم لتصحيح المفاهيم ، فالتطرف فكر، أما الإرهاب فـ"حركة"، وأن كل إرهابى هو متطرف أصلاً، وليس كل متطرف إرهابى. وهكذا.

صحيح أنني استكملت حديثى بطرح بعض النقاط التى تكشف قصوراً فى أداء المسجد والكنيسة تجاه ملف التطرف ، ورغم إستحسان الحاضرين له من حيث الموضوعية وجرأة الطرح ، ودعوتى لإلقاء ندوات فى بعض المحافظات للتوعية ، الا أن هذا الحديث، وبهذه الصراحة النقدية لم يكن على هوى البعض.

تذكرت هذا المؤتمر، بعد أحداث "المنيا" الطائفية، وسأظل أذكره .. لأن حل الوضع الشائك بهذه الطريقة لن يسمن أو يغني من "إرهاب"، وما حدث لمواطنين مصريين على يد عناصر التشدد والتطرف، لا يمكن قبوله أو مناقشة حتى فكرة التصالح فيه أو معه.. وأول سؤال يجب أن يجيب عنه أي مسؤول: هل نحن دولة لها قانون يطبق على الجميع دون استثناء.. أم قبيلة وعشيرة تنهي مشاكلها بنظرية "حب الخشوم" وجبر الخواطر حول راكية وبراد شاي.؟

ينتابني الفزع حينما أجد سلوك القبيلة هو الذي لا يزال سائداً، فيما قانون الدولة وهيبة فرضه تحت الاختبار أو قيد التجربة.

بالمناسبة، قرأت أن أول مواجهة لمحمد علي باشا، مؤسس مصر الحديثة مع القانون، كانت عندما قتل تاجر مسلم رجلاً مسيحياً، فحكم القاضي بالدية وفقا للقاعدة الشرعية، لكن أهل الضحية شكوا من الحكم وذهبوا للوالي (محمد علي باشا) الذي استدعى علماء الأزهر، فقالوا له إن الحكم صحيح لأنه "لا يؤخذ دم المسلم بغير المسلم".

ولكن محمد علي  ـ القائد والزعيم بالفطرة ـلم يوافقهم ورفض انتهاك القانون تحت أي مسمّى أو مبرّر، وأقرّ حُكم الإعدام.. فقاموا بتحريض الطلبة علي التظاهر أمام مشيخة الأزهر كنوع من العصيان، فواجههم بنصب المدافع أمام المشيخة وأعطاهم مهلة للانصراف والا سيطلق عليهم المدافع وبالفعل انصرف الطلبة، وتم تنفيذ الحكم بإعدام القاتل.

هنا وضع محمد علي أوّل درس للمواطنة في تاريخ مصر الحديث..

هكذا نبدأ قبل أي شيء.. وليس بعده.!