المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

تيارات الإسلام السياسي بين "المدنية" و"الجهاد"

الأربعاء , 10 اكتوبر 2018 - 01:06 مساءٍ

تناول اللواء عبدالحميد خيرت، وكيل جهاز مباحث أمن الدولة السابق، ورئيس المركز المصري للبحوث والدراسات، قضية تيارات الإسلام السياسي، وقناعاتهم بشأن الدولة المدنية وأفكارهم بشأن الجهاد.

وتسائل اللواء خيرت، عن وجود من يحسم هذا الصراع الذي تدور في فلكه تيارات الإسلام السياسي في العالم كله، جاء ذلك في مقاله الأسبوعي بجريدة «اللواء الإسلامي»، في عدد الخميس 11 أكتوبر 2018، بعنوان «تيارات الإسلام السياسي بين "المدنية" و"الجهاد".. من يحسم الصراع.؟»، وكان نص المقال كالتالي:

قبل بضع سنوات سؤلت مخرجة إيرانية في أحد المهرجان السينمائية التي أقيمت في العاصمة الهندية نيودلهي: كيف تحتملين صرامة الرقابة في بلادك.؟ فرفعت الشال عن كتفيها، وغطت به شعرها إلا قليلا.. وقالت: هكذا.!

هذه الإجابة المختصرة والموجعة، تفضح كل السلوكيات الدالة على أن مظاهر "التأسلم" المرتهنة سياسياً بأي سلطة أو مرجعية دينية متسلطة يسهل التحايل عليها أو الالتفاف حولها بشكل أو بآخر، طالما أن شكليتها لم تتغلغل في نسيج المجتمع لتصبح "عقيدة" ترسخ لما يُعرف بـ"التأسلم المجتمعي" الذي يصبح بمرور الوقت أخطر ما يضرب أي مجتمع عبر سلوك أصحابه في حالة استلاب عقلي، يدفعهم للتقرب إلى الله بـ"الجرائم" وقطع الرؤوس وليس بالتقوى أو العمل الصالح، وتكفير المجتمع و"جاهليته" لا بوحدة شعبه وتعايشه وتسامحه.

وبدلاً من فكرة الدولة المدنية بحقوق مواطنيها وواجباتهم، كانت فكرة "الخلافة" جسراً لاستدعاء كل الأطماع لتمرير المخططات بأيديولوجية دينية، تعبث في العقول، وتلعب بالعواطف، وتستغل النزعة الدينية في مجتمعاتنا العربية لتمرير حلم الوصول للحكم بزعم "التفويض الإلهي" ومحاربة كل محاولات منافستهم أو حتى كشف أخطائهم، لإظهار منافسيهم بمظهر المعترض على حكم الله، بكل ما يعنيه هذا من احتكار وتسلط واستبداد.

وقد رأينا في منطقتنا العربية، كل تيارات الإسلام السياسي منذ أيام الخوارج والقرامطة وحتى اليوم، وهي تحاول فرض سلطتها بادعاء امتلاك السلطة الدينية واحتكار الحق الإلهي في جماعاتهم وحدها.. برز هذا في جميع الطوائف الإسلامية دون استثناء، وبأشكال مختلفة، ربما تكون اختلفت في الأسلوب، ولكنها تجتمع عند ذات الفكرة المطلقة، التي سقطت في أيديولوجيتها هذه الجماعات هي التي أوصلتنا إسلامياً لما هو أخطر.. إقصاء الآخر إما بالتكفير والمروق من الملة، أو الاتهام بالليبرالية أو العلمانية، وهو اتهام معروف في أدبيات هذه التيارات لا يحمل غير معنى واحد.. الكفر لـ"المخالف" السياسي، وعواقب هذا الاتهام ونتائجه المأساوية من محاولات اغتيال وتصفية و"تطبيق حدود الله" لا تحتاج لدليل.!

سنيّاً، كان مصطلح "الإخوان المسلمين" أحد أبرز هذه الإشكاليات التي تم تسويقها عمداً لترسيخ عصمة الجماعة، لأنهم اختزلوا مفهوم "الأخوة الإسلامية" في أعضاء التنظيم وحدهم فقط، أما غيرهم فليسوا كذلك. جماعات التكفير والهجرة وجماعات الجهاد السلفي ساروا على خطٍ آخرٍ موازٍ لذات الفكرة.. فقد ادعوا امتلاك "سيف الله" وتسليطه على الرقاب، ومنح تراخيص للدخول في "دينهم" لمن يشاءون، ويمنعونه عمّن يشاءون.. وهكذا.

أماً شيعياً، كان نموذج ولاية الفقيه الذي ظهر عقب الثورة الخمينية في إيران عام 1979 هو التعبير الصارخ عن نفس الإيديولوجية.. فكرة التفويض الإلهي التي يتصرف من خلالها "ولي الفقيه" المعصوم، بكل حرية مطلقة خارج حدود سلطته الزمنية ـ أي الحكم ـ لأنه أيضاً يجسد سلطة الله على الأرض، وبالتالي لا يجوز الاعتراض أو المناقشة، لأنهما طعن في "العصمة" وخروج على إرادة الله.!

 

الملاحظة الأبرز أن الظهور السياسي لكل هذه الجماعات، تبعه وفي سرية تامة، إنشاء أذرع مسلحة أخذت على عاتقها في البداية تسهيل مهمة التيارات هذه عبر ما يمكن تسميته بـ"الأعمال القذرة" والتي قامت بعمليات التصفية الجسدية للخصوم، أو الترويع المجتمعي لبسط القوة والنفوذ، اتخذت من فكرتي "الجهاد" و"المقاومة" بيئة خصبة للترويج لنفسها والتكسب التلقائي عاطفياً على الأقل، ثم تطورت تدريجياً لتصبح عنصر منافسة حقيقية لمفهوم الدولة الوطنية، من النظام الخاص (لدى الإخوان) الذي تفرع لجماعات "جهادية" عنقودية مختلفة في مصر وامتد عبر تنظيم "القاعدة" في أفغانستان وبعدها العراق وسوريا وبلاد المغرب العربي، إلى الحرس الثوري (في إيران) ومعه كل أذرعه الخارجية (حزب الله في لبنان، الحوثيون باليمن، الحشد الشعبي في العراق).. وغيرهم كثير.

والغريب في الأمر، أن هذه التنظيمات كلها بدت وكأنها متكاملة ومتعايشة أيديولوجيا وتتفرّخ هذا من ذاك، ولكن تسارع وتيرة الأحداث مع بداية القرن الـ21، أوجد حالة من الصراع بينهم وأدى لاتهامات متبادلة وصلت حد "العمالة" للاستعمار تعلن العداء للغرب "الكافر" ومناهضته وعلى رأسه الولايات المتحدة، بينما هي لا تعيش إلا بمباركة غربية احتضاناً وتمويلاً وإقامة وجنسية، جماعة الإخوان مثلاً، بريطانية النشأة والتمويل، ولم يكن إعلانها من مدينة الاسماعيلية (قرب أحد أهم معسكرات الاحتلال البريطاني) عام 1928 مجرد مصادفة بحتة، غالبية قياداتها يحملون جنسيات غربية، مصارفهم هناك، أموالهم وأولادهم وحياتهم كلها بل إن مركز إدارة التنظيم الدولي هو لندن.

باريس عاصمة فرنسا، كانت هي الحاضن الرئيس للخوميني ومركز إدارة المعارضة الإيرانية للإطاحة بالشاه الراحل وثيق الصلة بكل عواصم الغرب والولايات المتحدة، ومع ذلك لم ينتبه أحد إلى أن المساهمة الغربية في إسقاط نظامه وامبراطوريته، كانت المدخل الرئيسي لكل ما سيحدث بعدها من متاعب في منطقة الشرق الأوسط، وهذا لم يستغرق أكثر من ثلاثة عقود كانت كافية لدحرجة كرة النار لتعصف بالمنطقة ابتداء من أحداث 11 سبتمبر وما تبعها من إسقاط نظام طالبان، ثم احتلال العراق وإسقاط نظام حكم الرئيس الراحل صدام حسين، وصولاً إلى ذروة المشهد بافتعال "الربيع العربي" وتغيير خارطة أنظمة الحكم في 4 عواصم عربية (تونس/ مصر/ ليبيا/ اليمن) وإدخال سوريا في بوتقة الحرب الأهلية بأجندة متواطئة تماماً مع تيارات الإسلام السياسي.

وإذا كان الفكر الجهادي ـ بصناعته الغربية ـ قد تصدر المشهد العربي خلال الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، في إطار ما بعد الحرب الباردة، ومن خلال تنظيم "القاعدة" أو "قاعدة الجهاد" كمنظمة وحركة سلفية جهادية متعددة الجنسيات، تأسست في الفترة بين أغسطس 1988 وأوائل 1990 على يد أسامة بن لادن (سعودية) وأيمن الظواهري (مصري) وعبد الله عزام (فلسطيني)، دعو إلى الجهاد الدولي ضد السوفييت، وحظي بتشجيع وتمويل لافت أمريكياً على وجه الخصوص، لدرجة أن الرئيس الأسبق رونالد ريجان، قال بعد استقباله قادة الجهاد الأفغاني :"رأيت في هؤلاء الرجال قيم وثوابت آبائنا المؤسسين".. وقيل إيضاً إن زعيم "القاعدة" بن لادن استقبل بحفاوة في البيت الأبيض، قبل أن ينتهي كـ"كارت محروق" عقب انتهاء وظيفته وانسحاب الروس، ليدخل بعدها في حرب على من يصفهم بـ"اليهود والصليبين" والهجوم على أهداف مدنية وعسكرية في العديد من البلدان أبرزها هجمات 11 سبتمبر وتفجيرات لندن 7 يوليو 2005 وتفجيرات مدريد 2004، وأسس مع أيمن الظواهري عام 1998 الجبهة العالمية للجهاد ضد اليهود والصليبين، والتي نجم عنها لاحقاً ما يسمى الحرب على الإرهاب أو الحملة الصليبية العاشرة.. والتي جمعت فروعاً لنفس الغرض، توزعت عبر تنظيمات موالية كان أبرزها في العراق بقيادة أبو مصعب الزرقاوي (القاعدة في بلاد الرافدين)، ونتج عنه فيما بعد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، الذي تطور إلى الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، وأعلن قائده أبو بكر البغدادي فيما بعد الخلافة الإسلامية في 2014.. وكذلك تنظيم "القاعدة في جزيرة العرب" المسؤول عن عمليات تفجير وقتل أجانب في السعودية.

ولأن الغرب هو القادر على تدوير بضاعته بامتياز، لم ينتبه أحد لتداعيات فشل عملية إيصال الإسلاميين للسلطة بالجزائر، والتي نتج عنها ما يشبه حرب دامية خلال حقبة التسعينيات، إذ كان الرهان الغربي على ما يعتبرونه قوى الإسلام المعتدل لتمرير مخططهم، وبدأت قوة جديدة تظهر هناك في أقصى شمال المنطقة العربية، في تركيا، بمسمى حزب العدالة والتنمية كوريث شرعي لحزب الفضيلة الذي أسسه نجم الدين أربكان، وتم حله في 2001.. نجح الحزب الذي لقب بـ"العثمانيون الجدد" في السيطرة على انتخابات 2002، 2007، 2011 البرلمانية، وأعطى دفعة قوية لتيارات الإسلام السياسي وخاصة "الإخوان" في مصر وتونس واليمن، وتحديداً باستغلال فوضى الربيع العربي، واكتسح الانتخابات في تونس والمغرب، قبل أن يصل لسدة الحكم في مصر عام 2012.. محققاً أكبر انتصار تاريخي، قبل أن ينتكس على يد المصريين خلال ثورة 30 يونيو 2013، ليتحول بعدها ما كان سياسياً إلى ما سمي زوراً وبهتانا "جهادي" أصبح حقيقة وبمرور الوقت إرهابياً بامتياز.. امتدت نيرانه لتشعل المنطقة ولا تستثني أحداً حتى في ذات البيوت التي احتضنت يوماً كل الأفاعي والعقارب، ونامت في حضنها دون أن تسلم من شرورها.

بين ما هو إسلامي سياسي، يحاول استنساخ "اعتدال" وهمي ويروج لإمكانية القبول بالآخر أو التعايش معه، والأخطر بقدرته على لجم تنظيمات التطرف والسيطرة على أفعالها الإجرامية، وبين ما هو إسلامي "إرهابي" حقيقي فكراً وسلوكاً وممارسة، كان المستنقع الضحل الذي باتت فيه أوطاننا ساحة صراعٍ لحروب بالوكالة، كلها ترتب للرايات السود بمختلف تياراتها واتجاهاتها وتوجهاتها، تجاوزت بإرهابها الفاضح كل حدود وأساليب الأجيال المبكرة من الإرهاب حول العالم.. برز فيها "داعش" مثلاً أكثر تفوقاً في وسائله واستراتيجيات الاتصالية والتواصلية مستغلاً ثورة التكنولوجيا المتطورة للغاية، على أستاذه تنظيم "القاعدة" وحتى على أمهما الحاضنة الفكرية والعقدية.. تنظيم الإخوان الدولي.

ولأن السنوات السبع الأخيرة، حملت في غالبية دول المنطقة العربية، سقوط تجربة الإسلام السياسي وخسارة رهانها على أن تكون في إطار الدولة المدنية، وأن كل مزاعمها بقدرتها على الاسهام في بناء الدولة المدنية الحقة لم تكن سوى قناعاً للتسلط والاستبداد (تجربة الإخوان في مصر، ومعها تجربة أردوغان وحزبه في تركيا مثال على ذلك، وكذلك الحوثيين وحزب الله في اليمن ولبنان) وأنه إذا كان صحيحاً ـ كما قال بعض المحللين ـ إن هذه التيارات الإسلامية "قد قبلت الدخول الى النسق الديمقراطي عبر الانتخابات بغية الوصول الى السلطة، لكنها رتبت ذلك بخطاب سلفي واضح المعالم يكفر الديمقراطية شكلا ومضمونا ويكفر حقوق الانسان المتعددة كأن الاسلام دين يعارض حقوق الانسان وحرياته الجوهرية و كأن الاسلام هو دين يتعارض مع الدولة المدنية الحقة".. لذا فإن ما يتبقى لهذه الجماعات لفرض وجودها هو الإرهاب والعنف والترويع فقط، لإيجاد صيغة تعترف بوجودها الفعلي.

السؤال الجاد أمامنا الآن: من يحسم هذا الصراع الدائر بقوة وعلى مصراعيه في هذه المعركة الوجودية.؟

هل تستطيع "الدعوة" وحدها ذلك.؟ وهل يمكن لتصحيح المفاهيم الدينية القدرة على استعادة ما تم اختطافه ذهنياً واللعب على أوتاره وجدانياً، إنقاذ ما يمكن إنقاذه.؟

لا زلت أشك حتى الآن.. لأن لا حلول خارج الصندوق تبدو.. ولا إرادة على فهم أن ثمة فارق كبير بين أن تحارب إرهابيين وبين أن تواجههم بشمولية على كافة الأصعدة، والدليل أن تنظيمات إرهابية مثل "داعش" و"الإخوان" لا يزالان على الساحة، بل يجدان دولاً إقليمية وربما دولية ترعاهما سراً وعلانية، ولا عزاء لما يتردد عن مكافحة الإرهاب.!