المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

هل يكون "عشماوي" بداية الانهيار أم استمرارٌ لـ"الكُمون"؟

الأربعاء , 17 اكتوبر 2018 - 11:41 صباحاً

تناول اللواء عبدالحميد خيرت، وكيل جهاز مباحث أمن الدولة السابق، خبر القبض على الإرهابي هشام عشماوي.

ووضع اللواء خيرت، تساؤلاً مشمولاً بمجموعة سيناريوهات حول مستقبل الجماعات الإرهابية عقب القبض على الإرهابي هشام عشماوي، جاء ذلك في مقاله بمجلة «المصور»، في عدد الأربعاء 17 أكتوبر 2018، بعنوان «هل يكون "عشماوي" بداية الانهيار أم استمرارٌ لـ"الكُمون"؟ .. مستقبل جماعات الإرهاب بعد سقوط صندوقها "الأسود" في مصر»، وكان نص المقال كالتالي:

جاء الإعلان الليبي قبل أيام، عن اعتقال هشام عشماوي، ضابط الصاعقة المصري السابق، الذي تحول إلى أحد أخطر قيادات السلفية الجهادية، وابرز المطلوبين أمنياً في مصر وليبيا، ليكون ضربة موجعة لفلول عناصر الإرهاب، قبل أن يكون انتصاراً هائلاً للأجهزة العسكرية والأمنية في البلدين.. وانتصاراً معنوياً كبيراً في الحرب على الجماعات الإرهابية.

خطورة هشام عشماوي لم تكن في مجرد القبض على عنصر إرهابي ، ولا حسب مرجعيته الفكرية فقط، ولا في خبرته العسكرية السابقة كضابط صاعقة "مفصول".. ولكن في رمزيته المهمة، والتي جعلت من سقوطه في قبضة الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، خبراً مثيراً تصدر اهتماما وسائل الإعلام العربية والأجنبية، لأنه يمثل صيداً ثميناً "حيّاً" لا يقل أبداً عن قيادات الإرهاب في العالم سواء التي تمت تصفيتها أو القبض عليها، إضافة إلى اعتباره مغارة "علي بابا" الأبرز خاصة لنا في مصر، نظراً لما يعنيه عشماوي من أهمية معلوماتية في الحرب المفتوحة التي نخوضها بمواجهة جماعات الإرهاب وخلاياه المتحركة أو "النائمة" في العديد من المناطق المتفرقة.

لذا، فإننا أمام تطور مثير، وليس مجرد حالة عادية يمكن أن تحدث في أي وقت، لأن عشماوي لم يكن مجرد شخصية عابرة في سلسلة قيادات جماعة "جهادية" مغمورة ارتكبت العديد من الجرائم، وأعلنت مسؤوليتها عن بعض العمليات الإرهابية، القيمة الحقيقية والتي لا تقدر بثمن فعلاً.. أنه تم الإيقاع بما يمكن اعتباره "الصندوق الأسود" للإرهاب، وبالتأكيد داخله أسرار وخفايا وأجندات تساعد كثيراً في معركة تطهير البلاد ـ وربما المنطقة ـ من إحدى قلاع الإرهاب العابر للحدود.

الملمح الأبرز في خبر سقوط هشام عشماوي، أنه كشف هشاشة الجانب الاستخباراتي والأمني للجماعات الإرهابية، وهذا السقوط السهل لأحد قيادات الصف الأول، أوضح مثال، إضافة إلى أنه إذا كان قد نجح في الهروب والتخفي من قبضة الأمن المصري طيلة 5 سنوات، إلا أن الأكثر إثارة هو وقوعة فريسة سهلة جداً وخلال دقائق معدودة.. وأين.؟ في مدينة درنة، التي هي أحد أهم معاقل تنظيم القاعدة الإرهابي في ليبيا، وعلى يد عناصر من الجيش الوطني.!

والمتابع لمسيرة المطلوب رقم 1 في مصر، يجد أنه ـ كما قال بعض المحللين ـ منذ إعلانه تأسيس جماعة "المرابطون" منتصف عام 2015 "انتقل عشماوي ورفاقه من مرحلة العمل "الدولاوي" إلى "القاعدي"، لكن هذا التحول على مستوى البيعات، لم يصاحبه "إنجازات" تذكر على المستوى العملياتي، فالجماعة الجهادية التي أعلنت بيعتها لتنظيم القاعدة متأسية بنهج "المرابطون" بمنطقة الصحراء الإفريقية، عجزت عن منافسة "ولاية سيناء" عملياتيًا، كمًا وكيفًا".وأنه "قبل مبايعته لتنظيم القاعدة، كان ضابط الصاعقة المصري السابق، أحد القياديين البارزين بأنصار بيت المقدس، ليصبح على إثر انشقاقه أحد أبرز المطلوبين له على خلفية دعوته للانشقاق عنه ومبايعة تنظيم القاعدة في مرحلة أولى، والانتقال لقتاله في درنة والوقوف صفًا واحدًا مع مجلس مجاهدي درنة في حربه ضد الفرع الليبي لتنظيم الدولة الإسلامية".

وهكذا، كان سقوط عشماوي، ضربة قاصمة لتنظيم القاعدة وجماعة "المرابطون" التي لا تكاد تجد لها وجودًا على أرض الواقع، خاصة بعد تصفية ساعديه عمر رفاعي سرور (10 يونيو الماضي) في درنة، وعماد الدين عبد الحميد الذي لقي مصرعه في أثناء هجوم الواحات البحرية (أكتوبر 2017)، الأمر الذي يثير أكثر من علامة استفهام جذرية، عمن وراء هذه الجماعات دعماً وتمويلاً مادياً أو تسليحياً أو إعلامياً، وما أكثرهم إقليمياً ودولياً.

وربما هذا يفسر أيضاً، حالة الرعب التي تنتاب الغرف السرية لبعض القوى الإقليمية وتحديداً قطر وتركيا ومعهما تنظيم الإخوان الدولي وأذرعه الميدانية على الأرض في مصر وليبيا والمغرب العربي، من تداعيات سقوط عميلهم رقم 1 والذي شارك في مذبحة كمين الفرافرة (19 يوليو 2014)، التي استشهد فيها 22 مجندًا، كما شارك في مذبحة العريش الثالثة (فبراير 2015) التي استهدفت الكتيبة 101، واستشهد بها 29 عنصرًا من القوات المسلحة، واشترك في التدريب والتخطيط لعملية اقتحام الكتيبة العسكرية.. وتسبب بمسؤوليته عن العديد من العمليات الإرهابية قلقاً كبيراً لكل الأجهزة الأمنية.

الملاحظة الأهم في هذا السياق، أنه رغم حالة شبه الانهيار التي هزت تنظيم القاعدة في لبيبا، بعد أكثر من 5 سنوات من الإجرام هناك، على وقع الضربات العنيفة التي تلقاها التنظيم سواء عبر اختطاف أو تصفية أبرز قيادييه على يد قوات خاصة أمريكية، أو بالاعتقال والتصفية من قبل الجيش الوطني الليبي، إلا أن التنظيم نجح في تغيير جلده، وانتقل من مرحلة الهجوم ومحاولة انتزاع مناطق جديدة، إلى مرحلة "كمون" تكتيكي تبذل كل جهدها للبقاء على قيد الحياة تنظيمياً على الأقل، لا تتجاوز أكثر من مجرد توفير ملاذات آمنة ومعسكرات تدريب في مناطق نائية بعيداً عن أعين أجهزة الرصد والتحري على الأرض أو في الجو عبر الطائرات بدون طيار.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بعد اعتقال أخطر إرهابي "حالياً" في الشرق الأوسط، يكون عن مستقبل هذا الإرهاب في المنطقة، وبمعنى آخر: هل تستطيع جماعات الإرهاب وخلاياه العنقودية الصمود لما هو أبعد مما يمكن اعتباره مرحلة "الشتات" هذه، بانتظار فرصة جديدة تخرجها من مأزقها الراهن، رغم أن هذه الجماعات غيّرت خططها العملياتية وتخلصت من كثير من أسرارها التنظيمية عبر توزيعها وعدم جعلها حكراً على شخص أو قيادي واحد.؟

قبل الإجابة، يكون مهماً للغاية الإشارة إلى المأزق الراهن للداعمين السريين أو المسؤولين الحقيقيين عن الإرهاب وجماعاته وميليشياته في المنطقة، وهم بالتحديد 3 جهات:

1) قطر وتركيا: اللتان تمثلان الحاضن الرئيس لقيادات الإرهاب في المنطقة، إقامةً وتمويلاً ومنصات وأذرع إعلامية.. وتبذلان جهوداً كبيرة لاستمرار هذا "الشغب" باعتباره واجهة خلفية لأطماعها وأحلامها، الأولى(قطر) وحلمها في قيادة الشرق الأوسط الجديد، على غرار مصطلح أوروبا الجديدة الذي ساد لفترة غربياً على أنقاض انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، والثانية (تركيا/ أردوغان) بوهم استعادة "الخلافة" وقيادة العالم الإسلامي عبر ما يعرف بـ"العثمانيون الجدد".. لذا كان ما يسمى "الربيع العربي" فرصة تاريخية لنسف الدول التقليدية وعلى رأسها مصر.

2) أجهزة مخابرات غربية: يهمها ترتيب أوراق مصطلح "الفوضى الخلاقة" تمهيداً لرسم خارطة "الشرق الأوسط الجديد" كما روجت لها قبل عقود كوندوليزا رايس، عبر وكلاء محليين بالإنابة، وعلى رأسهم تنظيم الإخوان الدولي وجماعته في مصر، وفروعه المنتشرة في تونس واليمن وسوريا وليبيا وغيرهم.

3) تنظيم الإخوان الدولي: الذي روج لنفسه باعتباره القادر على لجم أي عمليات إرهابية تمس الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة، عبر صفقات متعددة، لا تمانع ضمنياً في وصولهم للحكم مقابل ضمان أمن الغرب ومعه إسرائيل بالتأكيد، ولو كان الأمر على حساب الدول الوطنية في العالم العربي، ومن ضمنها بالطبع حلول تصفية القضية الفلسطينية.. وهذا ما سبق وأكده رجيس لو سوميه، هو رئيس التحرير المشارك لمجلة بارى ماتش الفرنسية، مؤلف كتاب "مرتزقة الخليفة" عن تنظيم داعش، والذي صدر عام 2016.. حيث قال إن الغرب كان متأكداً من سيطرة جماعة الإخوان على "الربيع العربى".

سيناريوهات الخروج من هذا المأزق متعددة، وهذا ليس مجال التكهن بها الآن، لكن فيما يتعلق بمستقبل الإرهاب وجماعاته في المنطقة، أجدني أستذكر ما قاله بيتر بيرغن، وهو صحفي أمريكي، ومؤلف، ومنتج أفلام وثائقية، ومحلل الأمن القومي في محطة CNN في مقالته التذكارية بمناسبة اليوبيل الثلاثيني لتنظيم "القاعدة"، والتي جاءت بعنون "مستقبل الإرهاب في الشرق الأوسط" حيث بدا أنه أهمل "التنظيم الأم" وركز على تنظيم "داعش"، ونتائج مُهدّداته للغرب الحضاري. فتحدث برمزية عن مصير الإبن (داعش) الذي يرث أباه (القاعدة)، ليموت في شرخ شبابه، فيضيع ميراث الأب، ولاينضج نصاب الإبن في الميراث، فلا تتبلور ملامحه في ارتجالية الفوضى والهشاشة التي تصطنعها تنظيمات الإرهاب الذي تروّج لإسلاميته اللعبة الدولية لصراع الثقافات". بينما توصل كاتب آخر هو براين برايس في دراسة أكاديمية نشرت عام 2012 بعنوان “كيف يسهم استهداف رؤوس المقاتلين في مكافحة الإرهاب؟” إلى المجادلة بأن الجماعات الدينية أكثر عرضة للتأثر باختفاء القيادة قياسًا بالجماعات اليمينية واليسارية الأخرى.. أكد تلك النتيجة أيضاً دراسات جرت في أروقة البحث في علوم الإرهاب. منها دراسة ليزا لانغدُن، وألكسندر شارابو، وماثيو ولز.. والتي أفضت إلى أن قرابة 25.8% من المنظمات الإرهابية انهارت في أعقاب مقتل قائدها أو أسره.

وهذا أيضاً يعيدنا للإشارة لما توقعه بيرغن في خاتمة مقالة من التكهن بمصائر التنظيمات الإسلامية الإرهابية، حيث أكد تمحور الجماعات "الجهادية" في المستقبل على اتباع النهج الاعتباطي الذي اتبعه داعش بحشد الأنصار من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وتجنيد النساء، والاعتماد على نظرية الذئاب المنفردة.. وربما هذا ما حدث خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وسيحدث بشكل متفرق خلال المرحلة المقبلة، قبل أن يضيع في الزحام.

رغم كل ذلك التفاؤل بأن اعتقال عشماوي، سيمهد لمعرفة معلومات مهمة عن خبايا تنظيمات الإرهاب وميليشياتها في ليبيا ومصر تحديداً، فإن هذا التفاؤل لا يجب أن يلهينا عن المعركة الرئيسية، وهي اجتثاث الإرهاب تماماً شخوصاً وأفكاراً، وهذا لن يحدث بين يوم وليلة، بل يحتاج لعقود وباستمرارية حثيثة.. فالإرهاب نعم يتلقى الضربات المؤلمة وتتعرض قياداته لتضييق الخناق حصاراً واعتقالاً وتصفية، لكن المعركة مع "الذيول" صعبة للغاية، وتحتاج تضافر كل الجهود لإنجاحها، وهي معركة ليست بسيطة لأنها تتداخل مع أصحاب المصالح الإقليمية والدولية (سالفة الذكر) في استمراره ومنحه قبلة الحياة ليكون ذراعها الخبيث لتنفيذ المخطط والأجندة.

أعتقد أن الوقت مبكرٌ جداً لتصور أي نهاية مرتقبة للإرهاب في المنطقة رغم كل حروب التطهير الجارية حالياً، وأن سقوط هشام عشماوي استمرار لسياسة الإيقاع بالرؤوس والعقول المدبرة للإجرام والعنف، وليست خلاصاً نهائياً من هذه الحالة الشاذة، صحيح أن ما سينتزع منه من معلومات وخبايا وأسرار، سيكون خطوة استراتيجية للأمام لمعرفة نقاط القوة والضعف في هذه الخلايا الجرثومية والعنقودية، وسيفضح الكثير من إجراءات التمويل والتسليح التي بلا شك تعمل لها القوى المتورطة ألف حساب، وأزعم أنها تخشاها بشكل كبير.

باختصار.. مستقبل الإرهاب مرتبط بشكل وثيق بتجفيف منابع تمويله الإقليمية والدولية أولاً، ثم تضييق الخناق على أفكاره ثانياً، وما يجب أن ننتبه إليه هو الأهم.. فـ"النوايا الطيبة" وحدها لا تكفي للقضاء على الإرهاب الأسود.. الباقي سلسلة طويلة ومعقدة للغاية، أعتقد أنكم تعرفونها جيداً.