المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

يكتب في "المصوّر "..

اللواء"خيرت": "التماسك في مواجهة الإرهاب".. مصريتنا أولاً

الخميس , 08 نوفمبر 2018 - 11:00 صباحاً

 

تحدّث اللواء عبدالحميد خيرت، وكيل جهاز مباحث أمن الدولة السابق، ورئيس المركز المصري، عن حادث المنيا الإرهابي، لافتاً إلى أن وطننا مصر، أصبح الآن لا يحتاج للمواجهة والمكافحة وحتى الحرب على الإرهاب فقط، بل يحتاج لتماسك وطني متبوعاً بحزمة قوانين وتشريعات للتصدي للإرهاب.

وتسائل اللواء خيرت باستنكار، هل كنا بحاجة لكل هذه المآسي لنكشف خبث جماعة الإخوان ؟!، جاء ذلك في مقاله بمجلة «المصوّر»، في عدد الأربعاء 7 نوفمبر 2018، بعنوان «هل كنا بحاجة لكل هذه المآسي لنكشف خبث جماعة الإخوان.؟ .. "التماسك في مواجهة الإرهاب".. مصريتنا أولاً»، وكان نص المقال كالتالي:

إذا كان التعريف التقليدي لمفهوم الإرهاب بأنه "كل فعل أو قول منظم أو سري يقصد مرتكبه من خلاله بثّ الرّعب والخوف في خصمه، وحمله على منهجه بالإكراه والغصب مع استخدام أساليب وحشيّة، لا تحدها قيود إنسانية أو قوانين دولية ولا يمكن التنبؤ بها" فإننا سنكون أمام جملة من التصرفات غير المشهودة التي شهدتها مصر منذ فترة فوضى الربيع العربي وحتى الآن.. لا تحتاج فقط لمواجهة أو مكافحة أو حتى "حرب" ولكن قبلها تحتاج لما يمكن تسميته "التماسك" الوطني أولاً متبوعاً بحزمة قوانين وتشريعات مع إجراءات أخرى متنوعة ومتعددة.

بعيداً عن التنظير الممل.. فإن الإرهاب حالة استثنائية، تستوجب تعاملاً استثنائياً، تتضافر فيه الجهود وتتوحد خلف إرادة سياسية، ورغبة شعبية في المواجهة تقبل بكل التضحيات اللازمة.

وبناء على ذلك، فمن منطلق خبرتي الأمنية الطويلة في التعامل مع تيارات الإسلام السياسي وبالأخص السلفية الجهادية والإخوان، لأكثر من 30 عاماً، أعتقد ـ متألماً ـ أننا كنا بحاجة ماسة لنحصد "سلبياً" أحد أهم نتائج فوضى 25 يناير.. وهي الإرهاب كي نستفيق من غفوة شعارات "الدعوة" أو "الإخوان فصيل وطني" لنعرف نتيجة 80 عاماً من تغلغل هذا التنظيم الكارثي في نسيج المجتمع، واجتذابه لعقول البسطاء ـ إن لم يكن المغفلين ـ وإفرازه لمأساة التطرف والتشدد، ومن ثم العنف والإرهاب في مصر وخارجها.

وإذا كنا جادين لخلق عملية وعي مجتمعي حقيقي، لا بد أن نفهم ـ كما قال بعض المحللين ـ أن الإرهاب هو النتيجة الأخيرة للتطرف الديني أو التدبير والتطبيق العنيف له. فالتطرف كتصور فكري وموقف نفسي يمكن أن يقف عند هذا الحد لدى بعض الأفراد، بينما يتطور عند آخرين ليصير إرهاباً يقمع ويقتل ويدمر ويخرب ويعيث في الأرض فساداً.

وهنا، لست مقتنعا كثيراً بما يتم ترديده من أن التشدد مستورد من خارج مصر، أو حالة طارئة تم تصديرها لنا خاصة في أعقاب نمو ما يسمى "تيارات الصحوة" في بعض دول الخليج في مرحلة ما بعد الثروة النفطية، وبروز ظاهرة الجلاليب البيضاء والنقاب التي انتشرت، ربما يكون لها أثر متشعب، ولكن ما لم ينتبه إليه أحد أن معظم هذه التيارات في الخليج تتلمذت على يد إخوان الشتات الذي هربوا من مصر منذ خمسينيات القرن الماضي، وأسسوا لقاعدة فكرية عريضة انتشرت في غالبية دول الغرب وحملوا جنسياتها، ومن ثمَّ عادت بضاعتنا إلينا بعد عقود، وتجلى ذلك في آباء جماعة الإرهاب الروحيين الذين رأوا في عودة آية الله الخميني إلى طهران من فرنسا وإسقاط نظام حكم شاه إيران وإقامة جمهوريته الإسلامية (؟!) نموذجاً يحتذى.. شيخ الإرهاب يوسف القرضاوي عاد لمصر خلال فوضى 25 يناير وألقى خطبة في ميدان التحرير ومن ثم الأزهر، وكذلك راشد الغنوشي (وذراعه الإخوانية حركة النهضة) فعل في تونس.. والهدف هو نفس الفكرة الخومينية ولكن بثوب سنِّي.. الخلافة الإسلامية.

النتيجة كانت الإقصاء التام للمخالف ليس في المذهب كما في إيران فقط، ولكن المعارض للفكرة أو الرأي كما حاول آباء الخلافة الجديدة في تنظيم الإخوان الدولي ومكتب الإرشاد، وتوزيع صكوك التكفير بدلاً من تحفيز فكرة المواطنة التي لا يؤمنون بها أصلاً، وهكذا على نفس الدرب سارت كل الجماعات التي خرجت عن التنظيم الأم/ الإخوان، في مصر وسوريا والعراق وليبيا وغيرهم، ليتم تدوير الصراع بشكل أحادي النظرة وعنقودي التوجه.. فتحولت المعركة من مواجهة "الصليبية" كما أسس لذلك تنظيم "القاعدة" وزعيمه أسامة بن لادن، ومن بعده أيمن الظواهري، وتبنته الإخوان وميليشيات الإرهاب كـ"النصرة" والجهاد و"داعش"، لتصبح المعركة داخل البيت الإسلامي الواحد، طائفياً بين السنة والشيعة ومن ثم لاحقاً داخل المذهب الواحد.. السنة والسنة.! وهكذا.

ولأن فكرة "المواطنة" لا تلقى بالاً في أجندة التفكير الإخوانية بشكل عام، انظلاقاً من مقولة مرشدهم السابق "الوطن حفنة من تراب عفن"، لذا تجسدت هذه الفكرة على الأرض في مصر طيلة سنوات ما بعد 25 يناير وحتى الآن، باستهداف المصريين جميعاً، مدنيين ورجال شرطة وعسكريين.. مسلمين وأقباطاً.. رجالاً ونساء.. أطفالاً وشيوخاً، باختصار.. جمع الإرهاب كل المصريين ووضعهم في سلة واحدة، تأميناً على ذات القاعدة الفكرية الإخوانية منذ تعاليم حسن البنا، وتنظيرات سيد قطب، وإقرارات مكتب إرشادهم وتنظيمهم الدولي، وتنفيذ أذرعهم وميليشياتهم التكفيرية والمسلحة، لذا لم يكن غريباً أن يستهدف إرهابهم الأسود مصلين مسلمين في مسجد الروضة بسيناء، مثلما استهدف كنائس المسيحيين وأديرتهم، ومثلما استهدف مبانٍ حكومية ومؤسسات أمنية وعسكرية.

وهنا، أعتقد أنه من الخطأ تماماً، وصف أي عملية تقوم بها أذرع جماعة الإخوان الإرهابية ضد المسيحيين بـ"الطائفية" وتصويرها على أنها استهداف لهم وحدهم، مبثل ما أرفض تعبيرات أخرى تعتبر المسيحيين مثلاً "شركاء في الوطن" لأن الحقيقة أننا جميعاً نشترك في الانتماء لهذا الوطن، وأننا جميعاً مواطنون بلا تفرقة أو تمييز.. هذا من جهة.. أما الأهم والأخطر، أننا كلنا مسلمون ومسيحيون "طائفة" أخرى تماماً غير طائفة جماعة الإخوان.!

إذا استوعبنا هذه النقطة الأخيرة بالذات، وتحديداً بعد كل عمليات الإرهاب ضد المصريين المسيحيين ـ وليس آخرها طبعاً جريمة المنيا الإرهابية ـ  فهمنا حجم الاستهداف الإخواني والتكفيري لمفهوم "المصرية" في حد ذاته، وليس بالمفهوم "الطائفي" قصير النظر، وهنا يكون علينا من خندق الوطنية أن نعيش في إطار التماسك المجتمعي بعمق نسيجه العام، وليس في مجرد التعاطف اللحظي بالمشاعر أو كلمات الإدانة والشجب والتنديد، لأنه عندما نفهم أن التحدي واحد، والدم واحد، فلا مجال للنظر بعيون ضيقة لا تخرج عن إطار العقيدة أو العصبية.

لحظة التماسك تلك، هي التي تتطلب أولاً تصحيح منظومة مفاهيمنا الفكرية جميعاً لتتخلى عن طرحها المذهبي أو العقدي في التعامل مع جرائم كتلك، لفهم أبعادها وتوقيتاتها، فجريمة المنيا الأخيرة كان توقيتها مدروساً جيداً وموجهاً بعناية، إذ جاءت قبيل بداية منتدى الشباب العالمي بساعات قليلة، وتزامنا مع أول زيارة لمسار العائلة المقدسة، وكذلك مع بدء أول رحلة طيران روسية مباشرة للغردقة بعد انقطاع استمر سنوات.. أي لها استهدافات سياسية ذات أبعاد طائفية يعمل عليها الإرهاب باستمرار.

لن أغدق في تنظيرات أخرى، بقدر ما أنبّه لمحاذير غاية في الخطورة يعمل الإرهاب على استدراجنا إليها كـ"فخٍّ" مؤدلج، لبصبح صورة نمطية في الذهنية العامة بالداخل أولاً، قبل أن يؤجج صوراً خارجية للأسف يقع كثيرون في شراكها الخداعية، وينقلونها دون تمحيص أو يصدقونها.

وبالتالي يكون الترويج لما يسمى "استهداف الأقباط" هو حجر الزاوية لضرب النسيج المجتمعي من جهة كبكائية يتم اللطم عليها مع التشكيك المتعمد في قدرة الدولة وأجهزتها الأمنية على حمايتهم كمواطنين فقط لا غير، فيما الحقيقة أن استهداف مصر كلها والشعب المصري كله هو الفريضة الغائبة بحسب أدبيات جماعات الإرهاب والعنف والتطرف الديني والسياسي.. لتحقيق حلمها ووهمها القديم.

ولهذا أيضاً، يكون تقزيم المشكلة وحصرها في مجرد زعم استهداف الإقباط، عملية مدروسة بعناية جداً، ترضى غرور المتشددين والتكفيريين بكل تياراتهم السلفية وإظهارهم بمظهر المحاربين من أجل إعلاء كلمة الله حسبزعمهم من جهة، وفي نفس الوقت تضخم من مزاعم الاضطهاد الديني التي يجد فيها بعض أقباط المهجر ـ وهم قلة ـ فرصة مواتية لإرضاء أجندتهم الشخصية التي لن أبالغ بالقول إن فيها تصفية حسابات معينة مع رأس الكنيسة وتحديداً البابا تواضروس، الرجل الوطني بلا منازع أو جدال.. لاعتبارات داخل الكنيسة وحدها.

برأيي، فإن استهداف مصلين أو دار عبادة، جريمة ضد الله عز وجل، لا يصح معها اختزال الجريمة ضد مسيحيين في إضفاء نوع من المسؤولية التضامنية، من نوع "أهل الذمة" أو "مستأمنون في الديار" لأن حالتنا المصرية خاصة جداً، لا مسيحييها طارئون عليها أو وفدوا إليها، ولا مسلميها هبطوا من السماء، وهذه الحالة وحدها هي ما تستدعي التماسك العام، لا التشرذم والدخول في متاهات التصنيف وجدولة الانتماء وتوزيعه.

هذا التماسك أو "اللحمة الوطنية" وإن كان مطلباً منشوداً، إلا أن له شروطه وأبجدياته التي لا بد من ترسيخها في الذهنية العامة انطلاقاً من قاعدتها الشعبية أولاً، ومن ثمَّ قمة المسؤولية الإدارية والتنفيذية بكل درجاتها، ولعلي أوجز بعضاً منها:

1) إعادة الاعتبار للهوية المصرية كعنوان عريض يعلو فوق الدين أو المذهب.

2) تبني مناهج دراسية شاملة في إطار استراتيجية تنويرية دينية وثقافية وإعلامية وفنية تنهي حالة التحريض الموجود بعضها للأسف على يد بعض من يسمون أنفسهم دعاة ووعاظ سواء في المساجد أو الكنائس.

3) إعلاء قيم التربية الوطنية كمفهوم سيادي غير قابل للتفسير أو النقاش أو الجدال.

4) تفريغ مؤسسات الدولة الوظيفية من الخلايا النائمة، وتطهيرها من ذوي الأفكار التقسيمية والتصنيفية.

5) نشر مبادئ المساواة التامة، والقيام بخطوات تشريعية يتبناها البرلمان لتجريم دعاة العنف وخطاب الكراهية.. ومن ثم مظاهر التشدد في المجتمع أو على الأقل مؤسسات الدولة كالنقاب وغيره.

6) إعادة الاعتبار للقوى الناعمة المصرية المتعددة والمتنوعة، والالتفاف حول مشاريع وطنية إجمالية تضخ روحاً معنوية تجمع كل فئات الشعب.

7) التركيز على التضحيات التي يقدمها الشعب ممثلاً في أبنائه من الجيش والشرطة من أجل وحدة البلاد واستقرارها وأمنها.

8) غلق وتجفيف كل منابع التطرف ومحاولة تقديم نماذج جديدة بأفكار عصرية تستقطب الشباب باعتبارهم الضحية الأولى للتطرف سواء تحت وطأة ضغوط اجتماعية أو تفسيرات سياسية.

9) الأهم، محاولة السيطرة على الفوضى الإعلامية السائدة (وأهمها الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي) وضمان انضباطها، لتكون حائط صدِّ مقنع لا تبريري، والشفافية والنزاهة في التعامل وإيضاح الحقائق، لخلق رأي عام مساند ومساعد، لا يسمح لعناصر التطرف بالتغلغل أو التأثير الجدي.

أعتقد أن خلق حالة تماسك وطنية صلبة بعيداً عن الإنشائيات والعبارات البراقة، خطوة أولية تستلزم الاعتراف بأننا في "حالة حرب" مصيرية صحيح لها ضريبتها ولكن غايتها إنهاء هذه الجعجعة الفارغة والمرحلة الفاصلة من عمر الوطن، وتعيدنا كلنا إلى مصر بصورتها التاريخية المعروفة بتسامحها وقدرتها على استيعاب الآخر تحت مظلتها الآمنة والمستقرة.

بإيجاز.. تما سكنا ووحدتنا لن يكون إلا بمصريتنا أولاً وأخيراً.