المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت

يكتب في "المصوّر "..

"خيرت":محاربة الإرهاب على السوشيال ميديا محاولة لضبط التفكير

الأربعاء , 14 نوفمبر 2018 - 10:06 صباحاً

تحدّث اللواء عبدالحميد خيرت، وكيل جهاز مباحث أمن الدولة السابق، ورئيس المركز المصري، عن الإرهاب ومدى انتشاره وارتباطه بمواقع التواصل الاجتماعي «السوشيال ميديا»، ومدى ضرورة العلم بأن مصر تحارب الإرهاب فكرياً وليس إرهابيين فقط.

وتسائل اللواء خيرت باستنكار، هل كنا بحاجة لكل هذه المآسي لنكشف خبث جماعة الإخوان ؟!، جاء ذلك في مقاله الأسبوعي بمجلة «المصوّر»، في عدد الأربعاء 14 نوفمبر 2018، بعنوان «متى نفهم أننا نحارب الإرهاب كمنظومة فكرية وليس فقط إرهابيين.؟ ... محاربة الإرهاب على السوشيال ميديا .. محاولة لضبط زوايا منهج التفكير»، وكان نص المقال كالتالي:

مطلع شهر مارس 2011، قتل أمريكيان في مطار فرانكفورت على يد شاب مسلم ألباني الأصل اسمه "أرِد أوكا" يعيش في المانيا .وبعد التحقيق معه واستعراض تاريخه على الإنترنت اتضح اهتمامه بمتابعة فيديوهات الجماعات "الجهادية" وتنامي نوازعه الفكرية إلى أن انتهى به المطاف لارتكاب جريمته ثأراً مما رآه في نفس يوم الجريمة من فيديوهات تعرض عملية اغتصاب بشعة لامرأة مسلمة على يد بعض الجنود الأمريكان.

هذه القصة تذكرني بحكاية محمد ناجي محمد مصطفى، فني إصلاح الأجهزة الإلكترونية المتهم بالمحاولة الفاشلة لاغتيال الأديب العالمي الراحل نجيب محفوظ (14 أكتوبر 1995)، حيث أكد أنه أقدم على ارتكاب جريمته لأن محفوظ "كافر" ولما سئل عن كيفية وصوله إلى مثل هذا الحكم أو هل قرأ له شيئاً.؟ اعترف بأنه لا يحتاج إلى قراءة أعمال محفوظ "أستغفر الله" كما قال.! وأضاف أنه قام بالجريمة لأنه ينفذ "أوامر أمير الجماعة والتي صدرت بناء على فتاوى الشيخ عمر عبد الرحمن" وقال دون أي إحساس بالذنب أو الندم "قد شرَّفتني الجماعة بأن عهدت إلي بتنفيذ الحكم فيه فأطعت الأمر".!

قصة هذا الشاب وغيره نموذج صارخ لضحايا التغييب العقلي وحملات التجنيد الفكري سواء بصيغته القديمة (الانجراف الأعمى أو التعاطف الساذج) أو في شكلها المستحدث إليكترونياً عبر الفضاء الانترنتي الواسع، بمثل ما هي أيضاً ترجمة عملية لمئات القصص عن شباب آخرين في مختلف أنحاء العالم، ربما لم يسبق لهم الانضمام لجماعات إرهابية أو التدريب معها، ولكن كل ما حدث ببساطة أنهم تلقوا دروس العنف بصورة غير مباشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ووقعوا تحت تأثير ردود أفعالها السلبية التي ولّدت لديهم تطرفاً ذاتياً ظل يتنامي بمرور المتابعة.. وجعلهم مجنَّدين إما ميدانياً في أرض المعركة ذاتها أو أذرعاً منتشرة باتساع الجبهة الإعلامية.. تحرص التنظيمات الإرهابية على تغذيتها باستمرار بمشاهد وأفكار متطرفة تضمن اصطياد الشباب بالذات وفق قاعدة بيانات معدة سلفاً.

وهنا نلفت الانتباه إلى إحصاءات كثيرة أوضحت أن بعض الاشخاص رغم كونهم بعيدين جدا عن أرض الصراع، ويفتقدون كثيراً من المعلومات الدينية أو التاريخية يتم استدراجهم الى هاوية التطرف، ليصبحوا نشطاء أو متطوعين يؤمنون تماما بأن هذا هو "الجهاد" الحقيقي، اتضح هذا بشكل لافت بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 وما تلاها من حملة أمريكية لمكافحة الإرهاب، حيث توارى عدد كبير من الجماعات الإرهابية خلف الفضاء الإلكتروني وتحديداً خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وأنشأوا آلاف المواقع لبث رسائلهم و نشر أنشطتهم.. ليصبح الوضع خارجاً عن التصور والسيطرة معاً خاصة في مجتمعاتنا العربية، حيث وفّر الانترنت فضاء حرّا لنشر كل ممنوع منذ بداياتها الأولى لتصبح مع مطلع الألفية الثانية الوسيلة الأبرز في الترويج للتطرف والعنف والكراهية ما جعل من المتطرفين والإرهابيين سادة المشهد الالكتروني بلا منازع.

ربما يعتبر المتشائمون وسائل السوشيال ميديا بوضعها الراهن بأنها شريك غير مباشر في الإرهاب، واستندوا إلى دورها الأساسي في استراتيجية إدارة الجماعات الإرهابية وفي مقدمتها "القاعدة" و"داعش" و"جبهة النصرة" وتحديداً في سوريا وقبلها العراق وكذلك مصر وليبيا، وعلى الأخص موقع تويتر الذي كان يدير الاتصالات وبث الأفكار ونشر البيانات والصور ومقاطع الفيديو مع بقية المواقع الأخرى وأهمها "يوتيوب"، لنكون أمام بروباجاندا عنيفة تتولى مهمة النشاط والترويج والاستقطاب، والأخطر أنها باتت المصدر الرئيسي "المجهول" والعابر للفضاء، لكل الصحف والفضائيات ووسائل الإعلام، سواء بتكتيكاتها التقنية والفنية عالية المهارة، أو بآثارها المعنوية والنفسية العنيفة، وما مشاهد قطع رؤوس الصحفيين وحرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة سوى دليل بسيط.!

وأمام ظاهرة يمكن تسميتها بـ"عولمة الإرهاب" كنا وكان العالم أمام تحول جديد وخطير في صراح محاربة الإرهاب، إذ تحولت إدارة المعركة من الميدان المسلح إلى الفضاء المجهول غير المنضبط وغير الخاضع للسيطرة، بنشوء المواقع البديلة بعد تعقب الحسابات الأصلية، لتتسع حلقة الفراغ ومعها بالتالي تصعب المهمة وتزداد تعقيداً.

وكما أشار بعض الكتاب، إلى أنه وفقا لدراسة أجريت في "مؤسسة بروكينجز" الأمريكية للأبحاث والدراسات (والتي تعد السياسات الخارجية من اولويات اهتماماتها)، وصدرت على شكل تقرير مفصل في شهر مارس الماضي، فقد تم مع نهاية عام 2014 رصد ما لا يقل عن 46 ألف حساب تويتر يديرها أنصار تنظيم (داعش)، وشكّل اتخاذ انصار التنظيم سياسة نشر أفلام الفيديو العنيفة والمواد الاعلامية لغرض التجنيد معضلة بالنسبة للشركات المالكة للمواقع الرقمية (يوتيوب، جوجل، فيسبوك، وما شابه ذلك)، كذلك الحال مع مدوني الأخبار التقليدية على الفيسبوك، مثلا.

والأخطر ـ حسب حسب دراسة أعدها الدكتور  أيمن حسان، ونشرها المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات(30 سبتمبر 2017) ـ  أن ساحات التواصل الاجتماعي لم تكن فقط أداة الجماعات الإرهابية لنشر الفوضى والعنف، بل أنها كانت أداة عديد من الدول المتقدمة لـ"شن حملات الكترونية واسعة النطاق تقوم من خلالها بنشر معلومات وأخبار تستهدف إثارة الفتنة وزعزعة الاستقرار في دول أخري خاصة العربية فتعمل على حشد الافراد وتنظيمهم في منظمات وحركات تأخذ في الغالب مسميات ديمقراطية تستهدف اثارة الفتنة واذكاء النعرات الطائفية والانقسامات في داخل المجتمع الواحد لتفوده لحرب اهلية تتمكن من خلالها من تدميره ذاتيا دون ان تخسر جنديا او حتى دولارا واحدا".

ربما من هذه النقطة الأخيرة، نفهم سر فوضى الثورات العربية، وكيف أن طريقة صناعتها وإدارة محركاتها لا تقل في وسائلها عن إرهاب التنظيمات والجماعات المسلحة والتكفيرية، واشتراك الجهتين في استخدام الفضاء الإليكتروني للترويج للأفكار والاجتذاب وتجنيد الشباب بالذات بمسميات مختلفة (نشطاء.. ثوار.. نخبة.. معارضة.. إلخ).!

وهكذا أيضاً ، وفق تعبير الدكتور حسان ـ يمكن القول ان مواقع التواصل الاجتماعي "قد أصبحت اليوم من أقوى الوسائل المستخدمة لتحقيق أهداف سياسية فعلي الرغم مما لها من إيجابيات في مختلف المجالات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية إلا أن تأثيرها السلبي على استقرار الدول والمجتمعات قد بات واضحا حيث تم استخدامها ولا زالت لإثارة الفوضى والفتن وخاصة في مجتمعاتنا العربية وكذا غير العربية".. ليس هذا فقط، بل إن وسائل التواصل الاجتماعي ـ كما بيّنت الدكتورة فاطمة الزهراء عبدالفتاح، الباحثة المتخصصة في الدراسات الإعلامية وتكنولوجيا الاتصالات أمام منتدى شباب العالم بشرم الشيخ ـ  باتت "وسيلة لنقل الأخبار المزيفة التي تنتشر بشكل كبير خلال فترات الأزمات، موضحة أن شكل التزييف والتلفيق على مواقع التواصل تطور بشكل كبير، خاصة مع وجود حوالي 190مليون إنسان آلي يعمل على مواقع فيس بوك وتويتر كمستخدمين حقيقيين".!

وهنا يثور السؤال الملحّ: كيف نواجه عربياً وبالأخص مصرياً هذا الوضع الكارثي وحالة السيولة الفضائية تلك.؟

قد يكون من المناسب جداً، الإشارة إلى جلسة "مواقع التواصل الاجتماعي تنقذ أم تستعبد مستخدميها" بمنتدى شباب العالم الذي استضافته مدينة شرم الشيخ قبل أيام بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، والتي أعتقد أنه يمكن البناء عليها لتشكيل جبهة صلبة تحل لنا بعض خيوط كرة النار الفضائية تلك.

ما لفت انتباهي بعد دعوة الرئيس السيسي لـ"تشكيل لجنة قومية أو مجموعة بحثية قومية لتناقش قضية وسائل التواصل الاجتماعي، وتضع إستراتيجية لتعظيم الاستفادة منها، وتكون أداة فعالة في مجالات مثل التعليم والصحة فهي ـ أي وسائل التواصل ـ من الممكن أن تكون أداة بناء أو هدم، وبدونها لا يمكن التواصل مع العالم، مشددًا على أهمية بناء الشخصية بشكل مناسب ومتوازن للتعامل مع مواقع التواصل، والتعامل مع الحياة".. وكذلك ما استعرضه معظم الخبراء المصريين والأجانب، هو ما أشار إليه ماركو جيريك، رجل الأعمال الألماني، والمستشار في مجال الأمن السيبراني،من أن "الناس تلجأ لمواقع التواصل؛ ليعيشوا في عالم وهمي؛ لأنهم يجدوا فيه ما لا يجدوه في الواقع، فيما يجب أن يشعر كل إنسان أن لديه هدف يجب أن يحققه؛ للخروج من عزلة العالم الافتراضي".

أعتقد وبخبرتي الأمنية أن هذا هو مربط الفرس المبدئي الذي علينا أن ننتبه له، أو بعبارة أخرى: كيف نجذب الناس/ الشباب إلى أن يعيشوا الواقع، لا أن يهربوا منه إلى العالم الوهمي بعزلته الافتراضية، وما يكمن في تفاصيله من شياطين صغيرة ستكبر يوماً إذا استمرت على نهجها وتشكل خطراً على الأمن القومي أو الأمن الفردي.؟

هنا التحدي الذي يجب أن نفكر فيه بجدية كحكومة أو كدولة في المقام الأول ومن خلال منظومة متكاملة تحتاج لفريق بحث علمي ونفسي شامل، بالتزامن مع ضرورة استعادة الهوية الوطنية عبر مشاريع قومية كبرى يلتئم فيها الجميع وتشغلهم إيجاباً وتستنفد وقت فراغهم ليكونوا أشخاصاً حقيقيين لا وهميين كما على الإنترنت.!

وفي السياق، إذا كنا نتفق تماماً بشأن توصيف وسائل التواصل الاجتماعي وخطورتها على الأمن القومي كونها باتت الملاذ الفكري والإعلامي للإرهابيين بداية بالتجنيد والاستيعاب الفكري وانتهاء بإعطاء الأوامر التنفيذية للأعمال الإجرامية، إلا أننا يجب أن نعترف أنها أضفت بعضاً من هامش الحرية والتعبير الذي يحتاج للضبط والانضباط وفق رؤية وطنية ينبغي التفكير في كيفية تجذيرها بأفكار واستراتيجيات أبعد أثراً وليس فقط بإجراءات وقوانين. أي أن المعادلة الجوهرية تكمن في كيفية الحفاظ على إيجابيات وسائل التواصل من ناحية، وكيفية ضبط إيقاعها وتقليل سلبياتها من جهة أخرى.. وهذا هو الخيط الرفيع بين الفوضى والحرية بمعناها المنضبط "أنت حر.. ما لم تضر".

وعلى ذلك، نكون أمام تحدٍّ جديد، لا يمكن أبداً تجاهله أو نفيه بمثل ما لا يمكن القبول بخطورته أو تداعياته الحالية والمستقبلية، لذا تكون محاربة ما يمكن تسميته بـ"إعلام الإرهاب" جزءاً أصيلاً من محاربة الإرهاب نفسه، وأجدني أستعيد ما قلته مراراً في أكثر من مناسبة، أننا نحتاج لضبط زوايا منهج التفكير لنفهم أننا نحارب الإرهاب كمنظومة فكرية متكاملة وليس فقط إرهابيين كأشخاص.

إذا استوعبنا ذلك.. ستكون لدينا أولى أبجديات التعامل ومعها الحلول.