المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت

يكتب في "اللواء الإسلامي"..

"خيرت": جرائم الإرهاب.. هذا ليس وقت ادعاء الحياد.؟!

الخميس , 15 نوفمبر 2018 - 03:07 مساءٍ

تحدّث اللواء عبدالحميد خيرت، وكيل جهاز مباحث أمن الدولة السابق، ورئيس المركز المصري، عن حادث المنيا الإرهاب الآخير وبعض التفاصيل والتساؤلات حوله.
وتسائل اللواء خيرت باستنكار، هل كنا بحاجة لكل هذه المآسي لنكشف خبث جماعة الإخوان ؟!، جاء ذلك في مقاله الأسبوعي بجريدة «اللواء الإسلامي»، في عدد الخميس 15 نوفمبر 2018، بعنوان «هل نحن أقل وطنية من الذين توقفوا عن السرقة خلال حرب أكتوبر.؟ ... جرائم الإرهاب.. هذا ليس وقت ادعاء الحياد.؟!»، وكان نص المقال كالتالي:
جاءت جريمة المنيا الإرهابية التي استشهد فيها 7 مصريين  قبل قرابة أسبوعين، لتزيح الغطاء عن بعض التفاصيل الكامنة والصغيرة التي يجب أخذها في الحسبان، وتغليب الحس الوطني في التعامل معها أو الأخذ بها.. وليس التلاعب باسمها أو التشدق بمجرياتها تحت أي مسمى.
ومن معظم متابعاتي لما دار من تساؤلات على وسائل التواصل الاجتماعي، خلال الأيام الماضية، خرجت بما يشبه توجهاً لإلقاء اللوم على الدولة، لعدم اهتمامها بالطرق والمدقات الصحراوية التي لجأ إليها الضحايا الأبرياء خلال رحلتهم لزيارة الدير، وبالتالي أحاديث أخرى في نفس الاتجاه، عن تأمينها بكمائن ثابتة أو متحركة تلافياً لأي استهداف إرهابي محتمل.
ولأن مثل هذا الطرح "المثالي" جداً يتغافل عمداً ـ وربما بسوء نية أو قصد ـ عن مجموعة حقائق مهمة، مجملها: أولاً أنه لا يمكن السيطرة سواء بالرصف أو الإنارة على كل مدقات الطرق الصحراوية، نتيجة سلبيات كثيرة تراكمت عبر عقود وهذا ليس مجال استعراضها، وبالتالي لا يمكن بالتأكيد محاسبة نظام الدولة الراهن عليها، خاصة إذا كانت في ظرف إرهاب مستمر بعد ثورة 30 يونيو، وتوجه في نفس الوقت مواردها للتنمية وإنشاء بنية تحتية جديدة  تستشرف المستقبل في ظل سياسة إصلاح اقتصادي جادة تعالج هذه التراكمات بالتزامن مع تكاليف الحرب على الإرهاب . وثانياً لأن الإرهاب بكل أذرعه المسلحة والتكفيرية يلعب على وتر استغلال مساحات الفراغ وهي بالتأكيد موجودة في كل دول العالم، ولا يمكن السيطرة عليها بشكل كامل، إلا بجهود خارقة وفي أوضاع مغايرة تماماً لما نشهده هنا في مصر.. وثالثاً وهو الأهم، أن الدور الوطني ومعه المصلحة الوطنية تتطلب تفهم واستيعاب أننا في حالة حرب من الضروري جداً أن يتشارك فيها الجميع ولو بدرجات مختلفة، وإن كان يجب أن تتميز بنزعة وطنية بالدرجة الأولى، وأعني بذلك الجبهة الداخلية الصلبة من جهة، وحالة التماسك أو التكاتف المجتمعي من كل الفئات والطبقات كلٌّ بدوره وفق إمكانياته وقدراته، وأخص هنا تحديداً إلى ما يمكن اعتباره دور القطاع الأهلي والمجتمع المدني ورجال الأعمال ـ وما أكثرهم ـ ولو بذلك النوع الذي كنا نعرفه قديماً وسمعنا عنه صغاراً وشاركنا فيه بقروشنا البسيطة تحت مسمى "المجهود الحربي".! 
من وجهة نظري، لا يمكن ترك الدولة تواجه وحدها أعباء وتكاليف محاربة الإرهاب واستنزافاتها المتعددة بشريا وعسكرياً وأمنياً ومادياً، بينما كثير من المواطنين لا يفعلون شيئاً سوى البحث عن نقاط خلل لا يشاركون في ردم فجواتها على الأقل، بل يكتفي كثير منهم فقط بالبكاء على الأطلال أو البحث عن ثغرات كمحاولة للانتقاص والتقليل أو التشهير.
التجربة القاسية للشعب البريطاني أو الفرنسي مثلاً خلال الحرب العالمية الثانية تكشف لنا معدن الشعوب الذي يتجلى في الظروف الاستثنائية الملحة، والذي يتمحور حول ليس مجرد تحمل الإجراءات الاستثنائية وحدها أيا كانت، ولكن القيام بجهود استثنائية وخارقة أيضاً تبرز معدنهم وتصهرهم بمواجهة الظروف القاهرة، لأنه لا يمكن للجندي أن يؤدي مهمته القتالية دون وجود رصيد معنوي على الأقل لدعمه شعبياً وإشعاره أنه يدافع عن وجودية وطن بأكمله أرضاً ومواطنين وتاريخاً وهوية.
فالأسر البريطانية تجمعت حول بيضة واحدة للعشاء، واقتسمت رغيف الخبز وقبلت في صمت ودون تذمر بما هو أدنى من حدود الحياة والمعيشة، لأنها كانت تدرك أنها تخوض صراع وجود وبقاء لوطنهم ـ لا صراع "بطون" وطعام وشراب ـ بمواجهة الغازي وخطر التهديد النازي لها وللعالم. ووجهت كل شكاواها المعلنة في الظرف القاسي لتكون مزيداً من العمل الجاد والإنتاج المخلص، ولم يسجل التاريخ أن بريطانياً أو فرنسياً واحداً فعل ما يفعله بعضنا من تشكيك أو غمزٍ ولمزٍ، بل تحول الجميع إلى جنود فاعلين على امتداد رقعة الشطرنج المجتمعية.
صحيح أن الطابور الخامس موجود في كل المجتمعات منذ القدم، وكان في معظمه يتمحور في الخيانة أو العمالة بأشكالها المعروفة، لكنه في إطار حروب الجيل الرابع أخذ دوراً جديداً ومستنسخاً في العصر الحديث، يتبلور في كل أساليب وتعابير وتقنيات ضرب الروح المعنوية من الداخل، ويتمثل في محاولات التشكيك أو التشويه وبث الفرقة في المجتمع بأشكال عدة ومتعددة وبأسماء أحزاب ونخب ونشطاء من كل نوع.
ومن المؤكد أن ما شهدته مصر في مرحلة ما بعد فوضى 25 يناير وما تعانيه حالياً، هو أحد أوجه الصراع بين الدولة كمؤسسة وهوية، وبين أجندات تختلف في أنواعها ولكنها تتفق في هدفها نحو ما تسميه محركاتها الرئيسية في غرف المؤامرات الغربية "الفوضى الخلاقة" ومعها بالتأكيد كل أدواتها وأذرعها السرية والمعلنة.
وهنا تكون قراءتنا الموضوعية وفق ظروف وتقاليد مجتمعنا برسوخها الممتد عبر آلاف السنين، وبكل توهجاتها المتسامحة والمنصهرة في بوتقة الوطن الواحد الذي يضمنا مهما اختلفت عقائدنا وتنوعت شرائحنا الاجتماعية.. هذه القراءة المتأنية تضعنا على المحك بمواجهة التحدي الراهن، ومعه ترسبات أعوام الفوضى منذ اعتلاء جماعة الإخوان الإرهابية سدة الحكم في غفلة من الزمن، وما نتج عنه من ضرب لأهم مقومات الوحدة الوطنية المصرية في صميمها التاريخي. وتقسيم الشعب دينيا ما بين مسلم ومسيحي، والأخطر تقسيم المسلمين أنفسهم ما بين جماعتهم باعتبارهم وحدهم "الإخوان" فقط من جهة، وبين عموم المسلمين الذين هم "مارقون" عن الجماعة في الأدبيات الباطنة لعقولها ورموزها.
ولأننا في مجتمع الهوية الواحدة.. يجب أن ننبذ التصنيف العقائدي المقيت، يكون من الضروري في هذه المرحلة الاجتماع حول الهوية "المصرية" وحدها كطوق نجاة لا نتفرق بعده وفق عقائدنا ومذاهبنا، لذا كان من الرائع الإيمان بأن المسلم أو المسيحي إنما هو مصري في المقام الأول الذي تضرب جذوره في هذه الأرض ولم تكن مصريته "منحة" من أحد، أو يكتسبها بـ"البراشوت".. وقد تجلت هذه الهوية وقت استهداف جماعة الإخوان الإرهابية لدور العبادة سواء كانت مساجد أو كنائس، لينجح المواطن المصري ببراعة في رسم الصورة المبهرة بالدفاع التلقائي شعبياً عن أي دار عبادة دون توجيه حكومي أو أمر تنفيذي، لذا ينبغي تحويل هذه الصورة الالتفافية في الشارع إلى سلوك اختياري جمعي بمشاركة كل قادر أو مقتدر من أجل سد أي ثغرة بمواجهة هذا الإرهاب الأسود.. فيما يمكن تسميته نظرية "سد الفراغ" المجتمعي.
هذه النظرية ـ في حال اعتمادها شعبياً ـ تعني في بداياتها الإيمان بالذات والاعتماد عليه دون انتظار قرار حكومي أو توجه دولة بعينه، وتقوم على السلوك الإيجابي، ليس من أجل كشف العيوب أو الأخطاء كهدف قصير النظر، ولكن بالمبادرة الطوعية عبر حلول جذرية أو بالمشاهمة والمشاركة في حلها كأضعف الإيمان.. ولا أعتقد أننا كمصريين ينقصنا أي دافع أو رغبة للامتثال في أمر كهذا، خاصة وأن لنا تجارب سابقة قبل عقود في هذا المضمار.
وإذا كانت المشاريع الكبيرة تبدأ من أحلام صغيرة، كلنا نذكر مشروع "القرش" الذي نجح من خلاله طلعت باشا حرب أيام الاحتلال الانجليزي في إنشاء أول بنك مصري وطني وبرأسمال مصري تحت اسم "بنك مصر"، وكذا كان مشروع السد العالي، ولدينا أيضاً في تاريخنا القريب مشروع تمويل قناة السويس الجديدة وأيضاً صندوق "تحيا مصر".
من هذه النقاط المضيئة في تاريخنا الوطني، يمكن أن نبني ونؤسس لمفهوم الشراكة المجتمعية لمعالجة كل الثغرات التي تمثل تحديات جسيمة تواجهنا وتحتاج منا عزيمة وإرادة توازي الرغبة في حل المعضلات التعليمية والصحية والإنشائية التي تفوق إمكانيات الدولة في وضعها الراهن.
بعبارة أخرى.. ماذا لو تكفل رجال أعمالنا والقادرين من الميسورين ـ مهما كانت عقيدتهم أو مذاهبهم ـ بالاجتماع حول هدف وطني موحد في عوانه، متنوع في عناصره وتوجهاته ليشارك في تقديم رؤية واقعية ومنطقية عملياً تسهم في سد بعض الثغرات التي نعيشها، لن أقول من منطلق وطني فقط، ولكن أيضاً من منطلق أخلاقي ومجتمعي معلوم، مثلما نسمع عن نماذج عديدة لرجال الأعمال في الغرب ـ ولن أذكر أسماء ـ يطلقون من خلالها مشاريع خيرية ومجتمعية وتكافلية تستوعب كثيراً من المشكلات العالقة، أو تقدم تجارب ونماذج إنسانية لها أبعادها الاجتماعية المختلفة.
ماذا لو تم تبني خطة عامة تساهم في إنشاء مجمع صحي متكامل يقدم خدماته لغير القادرين، أو وحدات تعليمية حديثة تساهم في تحسين المستوى التعليمي في الأحياء الفقيرة أو رصف طريق صحراوي مهجور يؤدي إلى دير بعينه، وإنارته وفق جداول تنفيذية بالتعاون مع مؤسسات الدولة المعنية.؟ وماذا لو قاموا بتبني فكرة المجتمع المدني الحقيقي، المنتج على الأرض بدلاً من انتظار من يعرض عليهم الفرصة أو يطلب منهم ذلك.؟
لا أعتقد أن رجال أعمالنا أقل وطنية من عمالقة الفن والأدب الذين صرخوا باسم بلادهم في عواصم العالم من أجل إثراء "المجهود الحربي" عقب نكسة 1967، ولا أعتقد أن أياً مناً ـ مع الاعتذار للتشبيه ـ أقل وطنية من أولئك "الحرامية" الذين توقفوا عن السرقة خلال حرب أكتوبر 1973، إيمانا بعمق اللحظة، حتى لو كانت توبتهم مؤقتة.. إذ لم تسجل أقسام الشرطة خلال الحرب أي بلاغ عنف أو تحرش أو سرقة من أي نوع.!
علينا إدراك أن حالة الحرب الراهنة التي نعيشها تستنكر تماماً  أي حالة جمود أو الوقوف متفرجين ومكتوف الأيدي، خائن لنفسه ولوطنه، وحتى لعقيدته، من يقبل بالوقوف متفرجاً على الدماء والجروح، ولا يحاول حتى أن يفعل شيئاً.. قديماً قالوا إن الحياد وقت الحروب خيانة، وهذا ليس وقت ادعاء الحياد.!