المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت

يكتب في "المصوّر"

اللواء "خيرت": كيف نجفف "بالوعات" الصرف الإخوانية؟

الأربعاء , 28 نوفمبر 2018 - 11:11 صباحاً

سلّط اللواء عبد الحميد خيرت، وكيل جهاز مباحث أمن الدولة السابق، ورئيس المركز المصري، الضوء على ما تم إعلانه مؤخراً عن تمكن الأجهزة الأمنية من قتل ثلاثة إرهابيين كانوا من بين 4 ضباط العمليات الخاصة (دفعة 2012) برتبة ملازم أول بقطاع الأمن المركزي.
وتحدث اللواء خيرت، عن تجنيد تنظيم «داعش» الإرهابي لهؤلاء الإرهابيين، وربطهم بصفوفه بعد هروبهم من الخدمة واختفائهم في أبريل 2016، عقب اغتيال نقيب شرطة و6 من الأفراد في قسم شرطة حلوان، جاء ذلك في مقاله الأسبوعي بمجلة «المصوّر»، في عدد الأربعاء 28 نوفمبر 2018، بعنوان «كيف نجفف "بالوعات" الصرف الإخوانية؟ ... "الضباط الثلاثة".. من "الوطنية" إلى "الشيطانية" معطيات التحول القذرة ؟»، وكان نص المقال كالتالي:
"بُص يا ابني.. مفيش بيت يخلا من الكنيف".! .. بهذه العبارة، كان والدي ـ يرحمه الله ـ يعلق على أي ظاهرة أو وضعٍ شاذ، مستخدماً رمز "الكنيف" التقليدي ـ الذي هو في الذهنية الشعبية المصرية "المرحاض" أو "بيت الخلاء" كإشارة لكل ما يعتبر مصدراً لسوء الرائحة قديماً بالطبع.
وبهذه العبارة أيضاً الموجزة، يكون تعليقي على ما أعلن مؤخراً عن تمكن الأجهزة الأمنية من قتل ثلاثة إرهابيين كانوا من بين 4 ضباط العمليات الخاصة (دفعة 2012) برتبة ملازم أول بقطاع الأمن المركزي، وتمكن تنظيم داعش لاحقاً من تجنيدهم وربطهم بصفوفه بعد هروبهم من الخدمة واختفائهم في أبريل 2016 عقب اغتيال نقيب شرطة و6 من الأفراد في قسم شرطة حلوان .. حين جرى استدراج الضحايا وتصفيتهم وتصويرهم في مشهد مأساوي جرت تفاصيله على كورنيش حلوان، وهز ضمير المجتمع.
برزت أسماء الضباط الأربعة حنفي جمال محمد سليمان ، واسمه الحركي «أبو عمر»، وخيرت سامي عبد الحميد ، واسمه الحركي «أبو علي المهاجر»، ومحمد جمال عبد العزيز ، واسمه الحركي «أبو آدم»، وإسلام وئام أحمد حسن ، واسمه الحركي «أبو البراء» في بيان للنائب العام (مايو 2016) ضمن حوالي 300 متهم في القضية العسكرية رقم 148 بتهم مختلفة منها تكوين خلية إرهابية لاغتيال الرئيس عبدالفتاح السيسي، والانضمام إلى تنظيم متطرف والتخطيط لاغتيال قيادات أمن مصرية ، إضافة لتورطهم في «مذبحة حلوان» الإرهابية الشهيرة.
والمثير أن هؤلاء الضباط، سبق لهم المشاركة وبقوة في فض اعتصام رابعة (أغسطس 2013) كما شاركوا فى المهام الخاصة وكثير من عمليات ضبط القيادات والعناصر الإخوانية، وكانوا ضمن «قطاع سلامة عبد الرؤوف» للأمن المركزي.. بل أن أحدهم (حنفي جمال) وهو ابن مستشار كبير في القضاء كان الحارس الشخصي لقائد العمليات الخاصة في ذلك الوقت كما أن زميلاً له (خيرت سامي) كانوا يصفونه بـ"البنُّوتة" لهدوئه وخجله الشديدين إضافة إلى عينيه الزرقاوتين.. فماذا حدث إذاً وحولهم إلى "كنيف" هو مستودع لصرف نفايات الإرهاب وجماعاته الإجرامية.؟
قبل الإجابة ـ التي تزداد فيها التحليلات لا التخمينات ـ تكون ملاحظة مهمة ملخصها أنه إذا كان "البيت" بصورته الجامعة أو الواسعة هو مصر.. فإن "الكنيف" هو هذه الأشكال والشخصيات المتعددة من المراحيض "العامة" أو "الخاصة" بأجرٍ أو مجاناً وموجودة لدينا ـ وما أكثرها ـ عبر نماذج متمردة و"خائنة" وجودها ليس سابقة تاريخية، أو مقصورة على عدة عناصر متواجدة في أكثر من مكان وفي عديد من الهيئات والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية، وجميعا تشكل في بداياتها "خلايا نائمة" خطرة سواء كانت في حالة "كمون" أو في حالة صراع معلن.
نماذج كثيرة سجلتها عدة شخصيات ارتدت ثوب التنظير الفكري للإرهاب مثل سيد قطب أو القرضاوي وغيرهما من رواد "مشيخة التكفير" الإخواني في عمومه، أو فرعياته التي تمنطقت بمسميات الجهادية أو السلفية وكلاهما ذراع خفي للجماعة أو التنظيم، وأخرى تورطت في المستنقع المسلح بكافة أشكاله الإجرامية أو المستنسخة بأفعالها القذرة.. بدءاً من عناصر التنظيم الخاص للإخوان والذي تبني القيام بكافة أعمال الاغتيال والتصفية السياسية، مروراً بشخصيات عديدة أخرى منها من كان عسكرياً مثل خالد الإسلامبولي وهشام عشماوي ومنها ما كان شرطياً مثل الرباعي المذكور أعلاه.
ربما يستغرب كثيرون ويقعون تحت هول الصدمة من السؤال المفزع: كيف لمؤسسات وطنية تاريخية ـ كالجيش أو الشرطة ـ أن تخرج منها مثل هذه الشخصيات.؟ وكيف يمكن أن يتحول الولاء من أن يكون بالأساس لبلد هو مصر إلى أن يكون ولاءً لخفافيش ظلام وقتلة ومجرمين.؟ ولماذا تكون البيعة لـ"مرشد" أو تنظيم بدلاً من أن تكون لوطن ولشعب.؟
هذه النماذج في العموم هي ملخص إنتاج محطات الصرف الصحي المتأسلم الذي اخترق مصر وحاول استبدال نهر النيل العظيم بكل تاريخه الممتد عبر آلاف السنين، بمواسير صرفه الملوثة، واستطاع تحويل الإجابة عن كينونة مصر إلى أن تكون "أم عباس" كما ورد في إجابة التلميذ البليد في مسرحية الفنان الراحل فؤاد المهندس.. والنتيجة وقوع البعض من هؤلاء ـ ولسنا في مدينة فاضلة بتعبير أفلاطون ـ أسرى لهذا التلوث الذي بدأ عبر بعض مشايخ الدعوة وتأثيراتها التي استلبت العقول، وجعلت من الأجساد مجرد قنابل موقوتة لا فتيل لها، وقابلة للانفجار في أي وقت وفي أي مكان وبأي شكل.
وهنا نكون أمام إشكالية التحول المؤسف من شخص يرتدي ثوب الوطنية العسكري أو الشرطي، إلى كائن شيطاني يستحل أرواح ودماء زملاء شاركوه رغيف الخبز وطابورالجندية بكل تضحياته ومخاطره.. شخص يتحول من حامي للعرين ومدافع عن الوطن.. إلى مجرم حقيقي، لذا لم يكن غريباً أن نرى أحد هؤلاء الإرهابيين وهو «حنفي جمال» في الفيديوهات والصور التي بثها التنظيم الإرهابي ونعاهم فيها حيث كان يشرح للإرهابيين الذين ارتضى أن يكون بينهم طريقة العمليات .. وفي فيديو ثانٍ وهو يستجوب شاباً .. وفي فيديو ثالث وهو ينفذ حكم الاعدام في أحد الأشخاص.!
ليس هذا فقط، بل إن ما ذكره الكاتب الصحفي سامي عبد الراضي حول «حنفي» بالذات وتحديداً خلال معركة الواحات، عندما تحدث أحد المجندين الذين شاركوا في المعركة إلى قيادته من المستشفى وهو مصاب حيث قال بالنص :" أنا اتخايلت بـ «حنفي بيه» وهو بيضرب نار علينا ..كان فوق التبة وأنا ناديت عليه بس مردش ..وأنا لما شفته كنت بأحسب إنه معانا وبعدين طلع مع الارهابيين " فنكون أمام حالة شعور بالخيانة لا يستطيع وصفها أو تقديرها إلا من عايشها ورأي تبعاتها المأساوية نفسياً ومعنوياً قبل أن تكون عملياً وميدانياً.!
هذا التحول بحد ذاته هو خلاصة مسرح العبث اللانهائي، ليس كما عبر عنه ثقافياً الأديب الفرنسي الشهير صمويل بيكيت في مسرحياته المتعددة، ولكن بميدانه المرعب على الأرض كما كتبته أيدي الإرهاب الأسود بجرائمها المنتشرة، ليصبح الحديث عن أية اختراقات للمؤسسات التقليدية جزءاً من هذا العبث المقصود هذه المرة للإساءة والتشهير ومن ثم التضخيم من قدرات التنظيمات الإرهابية على رزع حواضن مستقبلية أو طوابير خامسة لها في هذه المؤسسات التاريخية وكأنه أمرٌ مسلم به.
ورغم أني لا أنفي حدوث مثل هذه الاختراقات، وخاصة في فترة عام حكم الإخوان الأسود، وهذا ما سبق أن حذرت منه كثيراً، سواء مما كان يسمى "الضباط الملتحون" أو أقارب وأبناء شخصيات إخوانية عتيدة، وهو تم الانتباه إليه لاحقاً عبر استبعاد كثير من الأسماء المشكوك في انتمائها للدولة المصرية من كليات الشرطة أو الكليات العسكرية، إلا أنه لا يمكن ضمان أن تكون هناك نتائج تحمل العلامة الكاملة وقتها، نظراً لظروف وإشكاليات كثيرة.. كانت تمر فيها البلاد بمرحلة انتقالية عصيبة.
ومع ذلك أتساءل بكل صراحة وشجاعة: هل استطعنا أن نجفف "بكابورتات" الصرف الإخوانية تماماً في مؤسساتنا الحكومية مثلاً وهي الأخطر لأنها تتماس مع جمهور وشعب يمكن التأثير فيه بسوء السلوك الإداري أو التصرفات العملية في الشارع.؟ لأجيب على الفور بنفس الشجاعة: "طبعاً.. لا"، والدليل أن كثيراً تصرفات موظفين خاصة في القطاعات الخدمية أكثر إرهاباً ـ بشكل غير مباشر ـ من العمليات الميدانية الجارية حالياً في سيناء أو غيرها من بؤر التوتر المتناثرة.
أقول هذا، ليس لأدافع عن مؤسساتنا التقليدية كالمؤسسة العسكرية أو الشرطية، لأن ما يتم اكتشافه ضئيل جداً ـ ولن أقول نادراً عبر حالاته الشاذة ـ ولكن لأوضح أن نوازع الإرهاب مثل سلوكيات الفساد، قد تكون مجرد استعداد مؤقت للانجراف، يصعب حصرها بمجرد الشبهة.. قبل أن تتحول لمرض مزمن يكون آخر علاجه البتر تماماً.
في النهاية، علينا أن نبحث جيداً عما يمكن تسميته "دعوية الإرهاب" وأقصد به هذه النماذج من "مستشيخي" الدعوة والتي تتحرك بيننا في غفلة منا كالثعالب في "ثياب الواعظينا" ـ كما وصفها شاعرنا الكبير أحمد شوقي ـ وعلينا أن نحاكم أنفسنا، كيف سمحنا لها بالبروز والانتشار وتمرير أفكارها السامة للسيطرة على عقول ووجدان كثيرين تم تغييبهم تماماً، حتى أصبح بعضهم أحزمة ناسفة قابلة للتفجير.
للأسف، كانت دراما قصة هؤلاء الضباط الثلاثة ومن سبقهم من "كلاب النار" نموذجاً مأساوياً لكيفية الوقيعة والاستقطاب وربما لكيفية تفخيخ العقل المصري وإسقاط وجدانه في مزرعة للألغام مجهولة التصرف وإن كانت معلومة المصدر.
ومع ذلك، فأنا لست متشائما أبداً، وأرى أنه لا داعي للانزعاج، لأن مثل هذا الطابور الخامس موجود قدم الإنسانية، مثله مثل الجريمة والفساد والشر.. فتاريخ البشرية لا يخلو من العملاء، وصيرورة الحياة لن تعدم الخير أو تفقده، والأوطان قائمة وثابتة قدر الإمكان، ولا تخلو مسيرة أي شعب من بعض منعدمي الولاء والضمير وفاقدي أبسط أبجديات المواطنة بما يتسع عن الإحصاء والتسجيل.
إذا كان هناك ضابط خان بلده وأمانته.. فإن هناك آلاف يضحون بأرواحهم ودمائهم فداء لترابه وحبات رمله، وإذا كان هناك فاسد ما، بشكل ما، في مؤسسة ما.. فإن هناك ما يبعث على التفاؤل عبر آلاف المخلصين الأوفياء الذين لا يتوانون عن الأمانة والمسؤولية.
ما يطمئنني شخصياً هو هذا التزامن الغريب وكأنه رسالة إلينا ومن نوع آخر لعلنا نفهم أو نعي.. إذ في اليوم الذي وصل فيه جثمان الشهيد ساطع النعماني الى أرض الوطن معززاً مكرماً نزفه إلى جنات الخلود ونعيم الرضوان وبعلم مصر الوطن والأرض والشعب، نرسل نحن وبيد أبنائنا في قواتنا المسلحة وفى ذات اليوم هؤلاء المجرمين والخونة جثامين ممزقة إلى الجحيم، مشيعيين بأسوأ اللعنات وبئس المصير.
هذا هو حكم الله وقصاصه ليكون عبرة لمن يعتبر.. قبل أن يكون حكم شعب يريد أن يفرض إرادته حرة وكريمة.. ويطهر أرضه من هذا الرجس الشيطاني للأبد.