المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت

يكتب في «اللواء الإسلامي»..

اللواء «خيرت»: التجديد.. قضية العصر

الخميس , 29 نوفمبر 2018 - 02:52 مساءٍ

تناول اللواء عبدالحميد خيرت، وكيل جهاز مباحث أمن الدولة السابق، ورئيس المركز المصري، الجدل الذي أثير على مواقع التواصل الاجتماعي، عقب كلمتي الرئيس عبد الفتاح السيسي، وفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر في احتفالية المولد النبوي الشريف.
وأوضح اللواء خيرت، أن هذا الجدل ليس سوى انعكاس حقيقي لأزمة الخطاب الديني وضرورات تفعيله بشكل تجديدي وتنويري يلائم واقع العصر، جاء ذلك في مقاله الأسبوعي بجريدة «اللواء الإسلامي»، في عدد الخميس 29 نوفمبر 2018، بعنوان «التجديد.. قضية العصر»، وكان نص المقال كالتالي:
لم يكن اللغط الأخير والجدل الذي ثار على وسائل التواصل الاجتماعي، عقب كلمتي الرئيس عبد الفتاح السيسي، وفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر في احتفالية المولد النبوي الشريف، سوى انعكاس حقيقي لأزمة الخطاب الديني وضرورات تفعيله بشكل تجديدي وتنويري يلائم واقع العصر، وليس كما يشاع من قبل البعض وكأنه صراع بين فقه السنة الذي تمثله كتب الأئمة الأربعة، وبين قدسية كتاب الله المجيد الذي نقول دائماً إنه صالح لكل زمان ومكان.
الأزمة في رأيي المتواضع، عقلية وفكرية بالمقام الأول، وإذا كنا نؤمن بـ"قدسية" النص كمرجعية غير قابلة للتشكيك، إلا أننا قد نختلف أمام اجتهاد التفسير الذي يتراوح ما بين مجتهد وآخر كلٌّ حسب طبيعة عصره وملابسات واحتياجات زمانه، وإذا كان رسولنا الكريم قال إن الله يبعث على رأس كل قرن مجدداً يقدم للناس ما يصلح شأنهم ويرفع من حالهم، فإننا ينبغي أن نفهم حقيقة التجديد كمفهوم لا يعني التغيير بالضرورة، لأن مسلمات كل زمان تختلف مع زمان آخر.. بل يعني التنوير والاجتهاد المنضبط.
هذه هي القضية التي لا تحتاج كل هذا التعصب المقيت سواء في طرح الآراء أو في نقدها أو الرد عليها، ورغم تحفظي كثيراً على دور أزهرنا الشريف في السنوات الأخيرة وحاجته إلى من يقوده إلى مرحلة تنويرية تتماشى مع ما هو معروف عنه بالوسطية والتسامح، إلا أنني لا أنكر أن الميراث ثقيل، ويحتاج لشجاعة كبيرة في التعاطي معه وفق واقعنا ورؤيتنا العصرية، وأرى أنه تم التعاطي مع تصريحات فضيلة شيخ الأزهر وخاصة ما يتعلق بكون السنة ثلاثة أرباع الدين، بما يلوي عنق حقيقتها ويخرجها من دائرة إقرار الواقع الفكري ووضعها وكأنها في إطار صراع مع مقام الرئاسة يتم الترويج له بخبث، وفي نفس الوقت إظهار دعوات الرئيس السيسي لتجديد الخطاب الديني وكأنها محاولة لتغيير ثوابت الدين.. أو إقصاء للسنة النبوية.
هذا الخبث في التناول يضعنا فكريا وعقلياً أمام مواجهة ذاتية ليس حول العقيدة في جوهرها، ولكن حول الفهم الصحيح والتفسير الذي يصب في مصلحة الأمة وتعاليم الدين الحنيف في نفس الوقت، لأن لا أحد يختلف إطلاقاً على أهمية الأزهر كمؤسسة دينية راسخة لها اعتدالها ووسطيتها طيلة أكثر من 1000 عام، ولا أحد يستطيع التشكيك في علم أو مكانة شيخ الأزهر.. الاختلاف كله يتركز حول قدرة هذه المؤسسة العريقة على تنقيح ذاتها والتعاطي مع هموم العصر والأمة بشكل يستلهم جوهر الدين بما لا يضفي قداسة على اجتهاد أشخاص قدموا خلاصة تفسيراتهم وفق إمكانيات عصرهم، انطلاقاً من فهم أن ديننا الإسلامي لا كهنوت فيه، ولا أحد يستطيع احتكار التفسير وفرضه على الجميع.. وإلا لما كانت المذاهب الأربعة، ولما كان العلماء المجتهدون، ولما كان كل هذا الجدل الدائر بين وقت وآخر.
علينا أن نفهم أننا بحاجة للتجديد في مفاهيمنا بما لا يمس الثوابت الأساسية، وعلينا أن نفهم أنه لا ينبغي تحويل الاختلاف إلى خلاف تتم المتاجرة به أو المساومة عليه، أو اتخاذه كوسيلة للتكفير أو الإقصاء.. التجديد قضية عصر، وما لم نقم به بأنفسنا وبشجاعة.. فسنظل في ذات الدائرة المغلقة.. وأن واقعنا خير دليل على ذلك.