المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت
نائب رئيس المركز : الدكتور / أيمن دياب

يكتب في "المصوّر"

اللواء "خيرت": متى يختفي "النمساوي بك" من شوارعنا؟!

الأربعاء , 05 ديسمبر 2018 - 11:09 صباحاً

سلّط اللواء عبدالحميد خيرت، وكيل جهاز مباحث أمن الدولة السابق، ورئيس المركز المصري، الضوء على واقعة "ضابط المقطم"، وقرار النيابة العامة بإخلاء سبيله بضمان وظيفته، إضافةً لحبس 3 بلطجية كان قد استعان بهم السائق ـ قبل مقتله ـ حاملين الشوم والأسلحة البيضاء، وتعدوا على الضابط بالضرب، ما اضطره لإخراج سلاحه الميرى، وإطلاق الرصاص في الهواء لتخويفهم، فاستقرت طلقة في جسد السائق ليسقط قتيلاً.
وتحدث اللواء خيرت، عن أن مصر الجديدة في مرحلة ما بعد ثورة 30 يونيو، تحاول إنهاء حالة العبث والفوضى اللتين اتخذتا ذريعة لسيناريو ما يُعرف بـ"الثورات العربية" في مرحلة ما بعد 2011، جاء ذلك في مقاله الأسبوعي بمجلة «المصوّر»، في عدد الأربعاء 5 ديسمبر 2018، بعنوان «المساندة الشعبية لقرار النيابة تفويض علني باجتثاث البلطجة ... واقعة "ضابط المقطم".. واقعة "ضابط المقطم".. متى يختفي "النمساوي بك" من شوارعنا ؟!»، وكان نص المقال كالتالي:
تُبنى الدول دائماً بسيادة القانون في جميع مؤسساتها وهيئاتها، وحالة الانضباط في الشارع دائماً ما تكون عنواناً واضحاً لهذا السيادة في أي وقت وتحت أي ظرف.
وإذا كانت مصر الجديدة في مرحلة ما بعد ثورة 30 يونيو، تحاول ترسيخ هذا المبدأ وإنهاء حالة العبث والفوضى اللتين اتخذتا ذريعة لسيناريو ما يُعرف بـ"الثورات العربية" في مرحلة ما بعد 2011 بكل نتائجها المأساوية التي قفزت على أحقية الإصلاح كمطلب استمراري، لنحصد في خضم هذه التبعات الارتدادية كل ما جرى من سلبيات مأساوية في منطقتنا العربية، إلا أننا نرى بين الحين والآخر من يستميت في إثبات نفوذه الباطل وليّ عنق الدولة بكل قوانينها وهيبتها، وهو ما أثق أنه بات مرفوضاً جملة وتفصيلاً.. فالزمن لن يعود للوراء أبداً، والشعوب التي لا تتعلم من أخطائها وخطاياها لن تستقيم أبداً.. بل تصبح عرضة بين الحين والآخر لمزيد من الاهتزازات الزلزالية التي قد تضرب وجودها ذاته في مقتل.
لن أخرج بعيداً عن شارعنا المصري الذي كان في هذه الفترة السوداء مسرحاً كاملاً لكل أنواع العبث الحقيقي والافتراضي، نتيجة شبه الغياب للدولة، ولأهم أدواتها فاعلية على الأرض، وهو جهاز الشرطة، كنتيجة منطقية لاستهداف كسرها معنوياً خلال فوضى 25 يناير والأعوام القليلة التي تلتها، على يد جماعة الإخوان الإرهابية وميليشياتها، ولن أتحدث عما بات معلوماً لدى الجميع، سواء بتحجيم المنظومة الشرطية وشل حركتها عبر حرق مقارها وتدمير مقدراتها، أو بما لحق بعناصرها وأفرادها من ضرر معنوي كبير نتيجة الاستهداف غير المبرر في أغلب الأحيان، وتشويه جهود منظومة بأكملها وإدخالها في صراع ممنهج ضد من يفترض أنهم يحمونها، وتغليب السلبيات على الإيجابيات وهي بالمقارنة الموضوعية كثيرة ولا تعد ولا تحصى.
رأينا نماذج "عماد الكبير" و"خالد سعيد" و"سيد بلال"، كـ"خيالات مآتة" اتخذت عمداً لتكون مدخلاً فاضحاً للتهجم على منظومة الشرطة قبيل الفوضى المشؤومة، قبل أن نرى بعد ذلك بأمّ أعيننا نماذج مضيئة أخرى، قدمت أرواحها ودماءها فداء لهذا الوطن، ولهذا الشعب في حربه ضد إرهاب ميليشيات التأسلم السياسي وجماعات الكفير والعنف، وهذه نماذج متعددة شملت ضباطاً من مختلف الرتب، وجنوداً وأفراداً بذلوا أنفسهم مع أشقائهم من القوات المسلحة ومواطنين آخرين في هذه المعركة.. وكلهم انحازوا لجموع الشعب وتركوا أسرهم وزوجاتهم وأطفالهم وآباءهم وأمهاتهم وأشقاءهم من أجل مصر فقط.. مصر التي يجب أن تقف على قدميها مرة أخرى، ويعلو قانونها وهيبتها فوق الجميع.
لا أنكر أننا لا نزال نعيش بقايا فلول هذه الفترة من ممارسات سلوكية عشوائية، ترفض أية محاولة للانضباط العام، وترى في مخالفة القانون حقاً مكتسبة بأثر رجعي يسعى البعض فيها للتعامل مع سلوك وشخوص البلطجة كـ"فصيل وطني" كما وصفها أحد الكتاب، ويشيعون أن أية محاولة لإنهاء هذه الفوضى إنما هي استمرار لـ"القمع والتهميش والمصادرة".. كعادة بعض النخب المزيفة وجماعات حقوق الإنسان وثورجية هذه الأيام.!
 لذا، كان قرار النيابة العامة الأخير بإخلاء سبيل الضابط المتهم بقتل سائق المقطم بضمان وظيفته.. وحبس 3 بلطجية كان قد استعان بهم السائق ـ قبل مقتله ـ حاملين الشوم والأسلحة البيضاء، وتعدوا على الضابط بالضرب، ما اضطره لإخراج سلاحه الميرى، وإطلاق الرصاص في الهواء لتخويفهم، فاستقرت طلقة في جسد السائق ليسقط قتيلاً، تحولاً مهماً في التعامل مع قضايا كتلك، تعيد الاعتبار لهيبة الجهاز الشرطي أولاً وترفع عنه الحرج والتردد في التعامل مع بعض السلوكيات الإجرامية المنتشرة للأسف في الشارع من جهة، ومن جهة أخرى تظهر القانون ـ ولأول مرة ـ وبيده سلاح المبادرة التشريعية لتفعيل نفسه وفرض قوته الرادعة بعد غياب طال كثيراً.. سواء تحسباً لضغوط مختلفة كالعادة من قبل وسائل التواصل الاجتماعي التي لا ننكر أنها باتت مؤشراً لقياس الرأي العام وردود أفعاله مهما اتفقنا أو اختلفنا على نزاهتها أو موضوعيتها.. أو بفعل التشويه المتعمد ومحاولات استغلال بعض السلبيات وتعميمها لإسقاط المنظومة كلها.
وهنا أتذكر كلمات الفنان الراحل فؤاد المهندس، في مسرحية "أنا وهو وهي" قبل نصف قرن تقريباً، بمواجهة "النمساوي بك" الفتوة والبلطجي الشهير الذي كان يتوعد ويتهدد كل من له علاقة بزوجته، معتمداً على "زينب" الشاهدة الوحيدة على مزاعم خيانة زوجته له، فيما كان فؤاد المهندس يقف على خشبة المسرح يقسم بأغلظ الأيمان لـ"شويكار" ويصرخ بأعلى صوته "القانون ما فيهوش زينب" ولا يحتوي في أي مادة من مواده على "زينب" في إشارة للتواطؤ أو المجاملة.. معتمداً في ذلك كرجل قانون على أنه في دولة مؤسسات.
مشكلتنا الكبرى في مثل هذا "النمساوي بك" الذي تم استنساخه بصور متكررة في الشارع المصري، ولم تكن دلالة منحه رتبة الباكوية عبثاً، لأنه وإن كان بلطجياً حقيقة إلا أن نفوذه على الأرض بات يأخذ أشكالاً متعددة ولا حصر لها، والأخطر من وجهة نظري أنه يستمد قوته من فوضى فترة سابقة، جعلت من مجرد "حشاش بانجو" أيقونة لما يسمونها ثورة، ومن مجرم لقي مصرعه في مواجهة ما.. شهيداً، ومن خارج على العرف والتقاليد والقانون والأخلاق العامة.. بطلاً قومياً، ومن عاطل على المقاهي لا يجيد إلا "شد نفس شيشة".. ناشطاً سياسياً، وهكذا اختلطت المفاهيم أو كادت.!
بالتوازي مع ذلك، أرجو ألا يتم فهم أنني أدافع عن أي خطأ يقوم به رجل شرطة، أو سلبية يمكن أن تحدث، لأنني مقتنع تماماً بأن "القانون ما فيهوش زينب" وأن سيادته يجب أن تطبق على الجميع بلا استثناء أياً كان موقعهم، وبأدوات القانون نفسه، وكلنا رأينا ما تقوم به المنظومة الشرطية من محاسبات وإحالات للصلاحية لمن يتم اتهامهم بارتكاب أي جريمة أو خروج على تنفيذ القانون بجرأة وشجاعة، وهنا أجد من الإنصاف تحية معالي وزير الداخلية اللواء محمود توفيق على نهجه الإصلاحي داخل الوزارة من جهة، ومن جهة أخرى رفع الغبن عن ضباطه وأفراده الذين ظلموا كثيراً نتيجة سياسات سابقة للأسف اعتمدها بعض من سبقوه كانت نتيجتها الشعور بالإحباط والعجز وشل القدرة على مواجهة أي خروج على الانضباط العام.
في واقعة ضابط المقطم، أعتقد أنه من الضروري الإشارة لظاهرة غاية في الأهمية لم ينتبه لها أحد، وهي تلك الحالة الشعبية الكبيرة من التعاطف مع الضابط، وقد لمستها في غالبية التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي التي تعتبر ترموميتراً بشكل أو بآخر للرأي العام.. صحيح أن حالة التعاطف والتأييد لما قام به الضابط ضد هؤلاء البلطجية ليست الأولي، ولكنها لم تكن بهذا الحجم الذي تجاوز مجرد التأييد ليصل إلى ضرورة الاجتثاث البات لأشكال البلطجة ومظاهر تحدي القانون العام من قبل أي "فتوة" أو "نمساوي" ولو بالعنف.. وهذا في رأيي مكسب كبير جداً، معنوياً ينفض على الأقل غبار بقايا سلبيات عانيناً منها كثيراً.. وفي مقدمتها انتهاء ما أطلق عليه قبل سنوات "شرعية الشارع" التي كانت بالتزامن مع أحداث 25 يناير بديلاً فوضوياً لـ"شرعية القانون" ومعه الدولة بأكملها.!
 ما يعنينا في هذه النقطة الأخيرة، هو أن ما تسمى "شرعية الشارع" التي روّج لها كثيرون وحاولوا فرضها وفق أيديولوجيتهم العقائدية (كجماعة الإخوان الإرهابية) أو عبر مظاهر وسلوكيات البلطجة والعنف والقوة في مرحلة سابقة، قد سقطت فعلياً وعملياً بقرار النيابة العامة فيما يتعلق بقضية ضابط المقطم.. وبقوة القانون أيضاً وهذا هو الأهم الذي نتمنى كمواطنين استمراره والتأكيد عليه في بقية الملفات الشائكة التي تواجهها الدولة المصرية.. وما أكثرها.
وأيضاً، فإن التفاعل الشعبي الإيجابي الذي كان الأبرز يعني إدراك المواطن العادي ـ وحتى غير العادي ـ أن مستقبل مصر لا يتم فرضه بسلوك خارج عن القانون الطبيعي الذي حدده الدستور، وأن أي تعامل بلطجي.. "نمساوي" أو غيره، لن يتم التسامح معه باعتباره إرهاباً مجتمعياً مروعاً بالقول أو الفعل.. ولا يقل خطورة عن الإرهاب التكفيري والدموي الذي يستهدفنا جميعاً.
أعتقد جازماً، أن الشعب أفاق ـ من خلال ثورة 30 يونيو وما بعدها ـ من غيبوبة متعمدة تم اللعب فيها على وتر أجندة اسقاط المؤسسات كمقدمة لإسقاط الدولة ذاتها، وأعتقد أيضاً أن كل الشعارات التي كان يتغنى بها سماسرة وتجار سبوبة سياسية وحقوقية، لم تستمر في خداع الناس طويلاً، وأن الشعب الذي يضحي بقوت يومه من أجل أن يسترد دولته، لن يتسامح مع مجرم أو قاتل أو بلطجي، ولعل ما كان من مساندة حقيقية لقرار النيابة بالإفراج عن الضابط بمثابة تفويض جديد للدولة المصرية ممثلة في وزارة الداخلية بإنهاء ظاهرة البلطجة النمساوية في الشارع العام، ولا أشك لحظة واحدة في قدرتها على فرض ذلك.. وبالقانون وحده. ولعل المتابعة الموضوعية الخالصة لقرارات الوزير سيادة اللواء محمود توفيق وتحركاته وتعاملاته داخل الوزارة وخارجها، تسير في هذا التوجه الذي يعتبر بصراحة مطلباً شعبياً ولا خلاف عليه على الإطلاق.