المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت

اللواء "خيرت": هل قرّر مجلس إدارة العالم صياغة أوروبا الجديدة ؟

الأربعاء , 12 ديسمبر 2018 - 09:47 صباحاً

صورة من المقال المنشور بمجلة المصور
صورة من المقال المنشور بمجلة المصور

 

سلّط اللواء عبدالحميد خيرت، وكيل جهاز مباحث أمن الدولة السابق، ورئيس المركز المصري، الضوء على أحداث فرنسا الأخيرة، وتظاهرات السترات الصفراء.

وتحدث اللواء خيرت، عن أن ما يحدث في فرنسا من الممكن أن يكون حدث تاريخي تتشكل أحداثه للمرة الثانية، بعد 50 عاما بالتمام والكمال، أو من الممكن أن يعتبر بداية لـ"ربيع أوروبي" لا يخلو من عنف وحرق وتكسير وتخريب، جاء ذلك في مقاله الأسبوعي بمجلة «المصوّر»، في عدد الأربعاء 12 ديسمبر 2018، بعنوان «فوضوية الشارع .. الشرعية المفترى عليها ... هل قرّر مجلس إدارة العالم صياغة أوروبا الجديدة ؟»، وكان نص المقال كالتالي:

في تحذير تاريخي، أطلقه قبل أكثر من عقد من الزمان العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز لدول أوروبا والغرب، قال ما معناه إن من يتغاضى عن الإرهاب سيجد نفسه يوماً وناره تحرق ثوبه، لم يلتفت أحدُ يومها لمغزى التصريح، أو توقيته الذي سبق فوضى ما يسمى "الربيع العربي" بسنوات قليلة، وربما كان ما جرى في عواصم هذا "الربيع" لاحقاً وانتشار كرة اللهب في شوارع عربية عدة، مدخلاً ـ إن لم يكن بيئة حاضنة ـ لكل ما رأيناه وعشناه من تخريب وفوضى تحت أسماء وشعارات متعددة، تم بها دغدغة مشاعر البسطاء إن لم يكن استغفالهم ليكونوا هم أنفسهم ـ بوعي أو دون وعي ـ أدوات المؤامرة.

وبنفس الطريقة، تجاهل العالم تحذيراً مماثلاً، مصرياً هذه المرة، تصاعد بعد ثورة 30 يونيو 2013 التي أعادت اكتشاف مصر مرة أخرى بعد عام من الاختطاف الدامي حكم فيه مكتب إرشاد جماعة الإخوان الإرهابية البلاد والعباد، لتكون ضريبة تصحيح المسار الوقوع في فخ إرهاب الجماعة وميليشياتها، وللأسف وسط أكبر حملة تواطؤ دولية تفرج فيها نفس العالم الغربي الذي هلل لتكبيرات ميليشيات القتل والعنف وهي تفجر وتنسف وتغتال وتدمر وتقطع الرؤوس، والأفظع أن هذا العالم تماهى مع شعارات حقوق الإنسان والديموقراطية والحرية ككلمة حق يُراد بها باطل، لدرجة أن تفجيرات مثل تلك التي وقعت في باريس ومدريد ولندن لم تكن كافية لإيقاظ النائمين من سباتهم أو حتى لفت انتباههم للخطر، إذ ظل التعامل الأوروبي مع ما يحدث في مصر من جرائم إرهابية في إطار مجرد الكلمات الإنشائية دون اتخاذ مواقف صارمة وجادة., بل تم اتخاذ مواقف تعتبر عقابية اقتصادياً ضد مصر بشكل مباشر أو غير مباشر.. ومعظمها تطال قطاع السياحة أكثر الشرايين حيوية للبلاد بزعم حماية السياح وهو ما لم يحدث رداً على تفجيرات أو حوادث مماثلة في عواصم السياحة الغربية.

وهنا، يضعنا ما يحدث في فرنسا الآن، أمام حدث تاريخي تتشكل أحداثه للمرة الثانية، بعد 50 عاما بالتمام والكمال، وكأن المظاهرات التي تجتاح فرنسا تحتفل بالعيد الذهبي لتظاهرات الشباب عام 1968 والتي أشعلها اليسار بمواجهة الرئيس شارل ديجول، وتضاءل إرثها بمرور الزمن مما جعل أعدائها من أنصار اليمين يحاولون طمس إنجازاتها، وهو بالفعل ما قرره الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، في بداية حكمه قائلاً إن من أهدافه "القضاء على ميراث حركة 1968".

وكما اليسار والشيوعيون والأناركيين عام 1968 تظهر اليوم حركة "السترات الصفراء"، بسبب فيما بدا قبل المظاهرات من تغول أنصار النيوليبرالية على المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي بالكامل، وترجمه وصول الرئيس ماكرون، الذي يعتبرونه مندوب الليبرالية الجديدة في قصر الإليزيه، الأمر الذي ينذر  بتغيرات أعتقد ستكون مشابهة لما حدث سابقا هناك، مع تغيير أوسع يدحرج كرة النار  لما هو أبعد من مجرد استقالة رئيس أو تغيير نظام حكم.

والآن.. هل ما يحدث من احتجاجات وتظاهرات في فرنسا وانتقل بأشكال مختلفة إلى بلجيكا وهولندا وإيطاليا بأشكال مغايرة.. يمكن أن يعتبر بداية لـ"ربيع أوروبي" لا يخلو بالطبع من عنف وحرق وتكسير وتخريب، يكون عنوانه الفرنسي مقابلاً لما ساد عربياً في البداية من شعارات كـ "الشعب يريد إسقاط النظام" كما يدعو المحتجون في فرنسا لاستقالة الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته.؟

وهل يمكن اعتبار الاحتجاجات الواسعة تكريساً لما يسمى "شرعية الشارع" ـ والتي كانت العنوان "الإخواني" الأبرز لمرحلة "الربيع العربي" بكل استعراض عضلاته المؤامراتية التي تضع حالياً نماذج الديموقراطية الغربية في مأزق شديد، أخلاقياً قبل أن يكون قانونياً.؟ وما قصة السترات الصفراء التي باتت زياً موحداً طبع المحتجين وبذات الشكل في أكثر من عاصمة أوروبية.؟ من مولهم وهم "الفقراء" كما يقولون والذين لا يملكون قوت يومهم واحتجوا ضد زيادة الضريبة على المحروقات في فرنسا مثلاً داعين للعدالة الاجتماعية التي كانت أحد شعارات فترة الفوضى العربية.؟

المثير أن غالبية دول السترات الصفراء هي من وقفت مع "شرعية الشارع" في مصر ضد أبجديات الدولة ذاتها، وتحت أسماء وعناوين مختلفة، أحياناً باسم الديموقراطية، وأحياناً باسم حرية الرأي والتعبير، وأحياناً بمسميات حقوق الإنسان وحق التظاهر، وغيرها، وها هي الآن تكتوي بنفس النار التي خرجت عن السلمية تماماً، ووصلت حد العنف والحرق والتكسير والتخريب وتحت نفس الشعارات التي تم تصديرها للمنطقة العربية من "عيش وكرامة وعدالة اجتماعية" وإن بألفاظ مختلفة، والمأزق الأشد خطورة، أن غالبية من يقومون بالعبث، هم من مكتسبي الجنسية سواء بالميلاد أو التجنس، وغالبيتهم من دول شمال أفريقيا المهاجرة، وهؤلاء يشبهون أفراد وعناصر التنظيم الدولي للإخوان، الذين اكتسبوا حقوق الإقامة والتجنس في الغرب ضماناً للحماية، وسمح لهم بالتدخل وإشعال نار العنف والكراهية ضد بلدانهم الأصلية، وبحماية أوروبية وغربية لا تستطيع إدانتهم لأنهم بحكم القانون من مواطنيها واي اتهام آخر لهم يعني اتهام ضمني للدول التي تحتضنهم وتوفر لهم المأوى والملاذ.!

سؤال مهم آخر.. هل مشاهد التخريب التي رأيناها على الهواء، هي التعبير الأوروبي المهم عن "السلمية" التي تم الترويج لها عربياً، وقبول نتائجها المأساوية في عواصم "الربيع" إياه.. وإذا كانت "سلميتها" ليست كما شاهدنا بهذا الحرق في المنشآت والتخريب في المؤسسات والعنف الدامي، فلماذا اعتقلت الشرطة الفرنسية قرابة 1000 من المتورطين في هذه "السلمية" المزعومة.؟ ولماذا صمتت غالبية وسائل الإعلام الغربية ـ والتليفزيون الفرنسي في مقدمتها ـ عن تغطيتها من جانبها الأسود والمظلم.. بينما كانت كل هذه الوسائل تلتقط كل شاردة وواردة على أرض مصر مثلاً وجعلت منه حقلاً مفتوحاً على الهواء.؟

الغريب أننا ولأول مرة سمعنا تعبير "القلة المندسة" والمخاوف الأوروبية من استغلالها للموقف في فرنسا، كمحاولة للالتفاف على الأحداث والقفز على مشاهد العنف والتدمير، وكأننا أمام محاولة لاستنساخ "موقعة جمل" فرنسية ترمي التهمة على متطرفين ومهاجرين وأجانب وحدهم ليدفعوا الثمن، وهذه النقطة الأخيرة تجعلني أقول بصراحة إن ما يحدث في فرنسا فرصة مواتية جاءت على طبق من ذهب لليمين المتطرف، ليس في فرنسا وحدها بل في كل أوروبا ليؤكد تحذيراته من ضرورة طرد جميع المهاجرين من غير ذوي الأصول من هناك، أي مقدمة من تحت الطاولة لممارسة كل أشكال التطهير العرقي وبشكل قانوني، وبحجة أن "ما يحدث داخل شوارع باريس الان هي حرب أهلية بين المواطنين" حسب تعبير جون مسيحة، المستشار السياسي لمارين لوبان مرشحة الرئاسة الفرنسية السابقة وزعيمة اليمين المتطرف هناك.

ليس هذا فقط، بل إن الأخطر هو دخول تنظيمات إرهابية معروفة على خط الاحتجاجات، إذ نشرت صحيفة «ذا صن» البريطانية، أن مجموعتين تابعتين لتنظيم "داعش" قامتا بنشر ملصقات تحمل اسم "الذئاب المنفردة" كتب على أحدها عبارة تقول: "يا أيتها الذئاب المنفردة، استغلوا الاحتجاجات.. في فرنسا و اقتلوا الكفار"، كما ظهر أيضًا على الملصق ـ وفق صحيفة المصري اليوم ـ صور يد تحمل سكينًا ومدفعاً وزجاجة ملتهبة، بالإضافة إلى رسم كاريكاتيري يظهر شخصاً يصاب بسيارة ملطخة بالدماء في كل مكان و هو ما يمثل صور العمليات التي يعتمدها «الدواعش» في هجماتهم.. لنكون أمام تحول مثير ينبغي أخذه في الحسبان إذا ما صحت هذه التقارير الإعلامية التي لا أستبعدها شخصياً.. خاصة وأن تجربتنا في مصر، شهدت مثل هذه السيناريوهات المأساوية على يد جماعة الإخوان وعناصرها وميليشياتها الإرهابية.

بشكل أكثر دقة، فإن المخاوف الآن تتركز حول مخاطر انتقال "عدوى الشعبوية" التي انتهجتها جماعة الإخوان وتنظيمها الدولي، والتي للأسف لقيت تشجيعاً غربياً، إلى عقر الدار الغربية بكل تنوعاتها الإثنية والعرقية واللغوية، وإذا كان صحيحاً ما يقال من أن الرئيس الأمريكي ترامب هو الذي يشعل احتجاجات باريس، رداً على الطموحات الفرنسية لقيادة أوروبا وتشكيل جيش أوروبي موحد كما جاء على لسان الرئيس الفرنسي ماكرون والتي أثارت غضب أمريكا، بزعم أن ذلك سينهي أو يحد من حلف الناتو الذي تقوده الولايات المتحدة وكذلك دعوة ترامب لأن تدفع أوروبا لبلاده نظير حمايتها.. فإننا سنكون في منعطف خطير، يذكرنا بنفس أجندة الدور الأمريكي خلال إدارة أوباما وإشعاله النار في المنطقة العربية ضمن مخطط الفوضى الخلاقة بذراع تنظيم الإخوان الإرهابي.!

هذه النقطة الأخيرة تعيدنا لما يُثار عن نوايا ما يسمى "مجلس إدارة العالم" وخطته في صياغة أوروبا الجديدة، التي لا ينبغي أن تكون موحدة أو قوية أو مؤثرة، مثلما كانت خطة إعادة صياغة الشرق الأوسط من خلال مصطلح الفوضى الخلاقة، وبالتالي فإن اكتمال الصورة يقتضى تفكيك هذا الاتحاد وتهيئة المناخ السياسي القادم لقيادة اليمين المتشدد المتحفز أيديولوجياً للانقضاض، وبذلك تدخل دول أوروبا مرحلة من العنف لفترة، تفقد بعدها قوتها وقدرتها في التأثير ، إلا بالقدر الذى يسمح به هذا النظام العالمي الجديد.

فهل نحن فعلاً أمام مثل هذا التصور المرسوم في الخفاء.؟ وهل تدفع أوروبا الثمن الآن نظير ازدواجية معاييرها في التعامل مع الوجه الآخر لكرة اللعب الديموقراطية وما يرتبط بها من شعارات حرية وحقوق إنسان، باتت وسيلة للفوضى بدلاً من التغيير.؟

وهل تتجاوز أوروبا بدءاً من عقر دارها وقلعتها الفرنسية العتيدة أزمتها أم تسقط عندما تشتد الأمور في فخ حماية الخاطفين/ المتظاهرين الفوضويين، قبل المخطوفين/ الدول التقليدية، بالتعبير  "الإخواني" الشهير.

كلها أسئلة تتعدد إجاباتها وربما تنتظر المقبل من الأيام لتحديد مصيرها، ومعها أوروبا والعالم بأكمله.!