المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت

"خيرت": أي مجتمع هذا الذي تؤرجحه جريمه ويهزّه "فستان"؟

الخميس , 13 ديسمبر 2018 - 11:11 صباحاً

صورة من المقال المنشور بمجلة المصور
صورة من المقال المنشور بمجلة المصور

تناول اللواء عبدالحميد خيرت، وكيل جهاز مباحث أمن الدولة السابق، ورئيس المركز المصري، طريقة تعاطي وسائل الإعلام مع أزمة فستان الفنانة رانيا يوسف.

واستنكر اللواء خيرت، وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي التي ضخّمت الموضوع، مشيراً إلى أن الخطورة تكمن في جوقة النافخين في الكير إما جهلاً أو عمداً، والذين يعطون الأشياء أكبر من حجمها، جاء ذلك في مقاله الأسبوعي بجريدة «اللواء الإسلامي»، في عدد الخميس 13 ديسمبر 2018، بعنوان «من كان منكم بلا خطيئة "فليرمها" بحَجَر .. أي مجتمع هذا الذي تؤرجحه جريمه ويهزّه "فستان" ؟»، وكان نص المقال كالتالي:

في رائعته "آنا كارينينا" قال الروائي الروسي الشهير ليو تولستوي إن "العائلات السعيدة كلها متشابهة، ولكن كل أسرة تعيسة هي فريدة في تعاستها".. هكذا يمكنني أن أستعير هذا القول وبالذات المقطع الأخير لأطلقه وصفاً على كل تنظيمات الانغلاق والتحجر، وتحديداً كل منظومات التشدد الديني ما ظهر منها وما بطن.

فالتشدد الذي ارتبط أساساً بأحكام وتشريعات دينية، تعداها في الذهنية المجتمعية ليكون مظهراً مناقضاً لمفهوم "الحل في الأشياء الإباحة" ليكون عائقاً حقيقياً يمتد ليس أمام صيرورة التطور وفق الزمان والمكان، ولكن بمنطق الوقوف حجر عثرة أمام أي حركة تنوير أو تجديد، وبالتالي تعطيل العقل تماماً.. والاستلقاء في أسر حوادث عرضية وربما شاذة ووضعها في إطار جدلي تستنفد الوقت وتشغل الناس.. للدرجة التي يمكن القول حينها ـ حسب بعض المحللين ـ إنه "في كل مجتمع عربي، نمت اتجاهات من الردة الاجتماعية. وهي قد تختلف من مجتمع لآخر، لكنها تلتقي في النهاية في تجريف فكرة الدولة، وزجها نحو المزيد من الهشاشة والضعف. ونلاحظ أن الخرائط السياسية والثقافية الجديدة أعادت العشائر والعائلات إلى الواجهة السياسية في معظم دول التحولات العربية".

فكرة العشائر والأهل، هي ذاتها نفس الفكرة الإخوانية القابعة تحت مفهوم "الأهل والعشيرة" التي تحاول السيطرة على المقدرات والتحكم في المصائر، وإيجاد تشكيلات موازية بأسماء متعددة لتكون بديلاً موازياً لكينونة الدولة بشكلها الحديث أو حتى القديم.. سواء بافتعال صدمات أو استغلال أزمات تكون الذريعة للتغلغل وبسط النفوذ والانتشار، بداية من العشوائيات/ المناطق الأكثر خطراً في أي مجتمع.

وإذا كانت قوة أي مجتمع تكمن أساساً في قدرته على امتصاص أي صدمات، وعدم الانجرار وراء أي اهتزازات تضرب معنوياته في الصميم.. إلا أن المثير أن افتعال الصدمات والاهتزازات المجتمعية قد يأتي تحت تأثير فقاعات مفتعلة لبالونات عرضية، ربما تأتي عرضاً أو استعراضاً أو ربما من قبيل الظواهر العابرة التي يرى البعض في تضخيمها وسيلة للتنفيس عن غضب أو مشاعر مكبوتة.. أو اتخاذها ـ رغم شذوذها وخروجها عن الأعراف والقوانين الطبيعية ـ ذريعة للانقضاض على كل مواريث الدولة التاريخية وتقاليدها الأساسية.

ودعونا نعترف أولاً، أن لأي مجتمع على وجه الأرض مجموعة من القيم و الأعراف والمعتقدات التي تحكم هذا المجتمع والتي تعمل كمصفاة تقبل أو ترفض أي وارد غريب عليها وتكون بمثابة جهاز المناعة للجسم، وقد تكون بعض هذه القيم خاطئة ولكنها في النهاية تعطي هذا المجتمع شخصيته المميزة عن غيره.

ولكن الخطورة تكمن في جوقة النافخين في الكير إما جهلاً أو عمداً، والذين يعطون الأشياء أكبر من حجمها، ووضع ما قد يكون شاذاً أو استثنائياً في مسار ما هو طبيعي أو موروث، وللأسف فقد مررنا في مصر بمثل هذه الظواهر الفقاعية التي تم تجاوزها بصيرورة الزمن، وباعتبار أن ما هو طارئ لا يمكن أن يستمر أو يسود.

حالة الصخب والجدل الأخيرة حول فستان إحدى الفنانات التي ظهرت به في مناسبة عامة، كان مثالاً صارخاً لهذه الحالة الاستثنائية، صحيح أن المظهر العام كان صادماً للذوق العام الذي يستحق الانتقاد، وتتحمل صاحبته وحدها مسؤولية الخروج عن التقاليد أو الأخلاق ـ مهما اتفقنا أو اختلفنا حول معاييرهما ـ دون تعميم أو تجريح، ولكن عملية "الأفورة" الزائدة عن الحد، وما صحبها من اعتبار ذلك ظاهرة عامة وكذلك إساءة متعمدة لشريحة من المجتمع وهم الفنانون وغيرهم.. وكأن مثل هذا الفستان، أو صاحبته هما وحدهما من يحتكران صورة الفن المصري بكل عمقه وتاريخه الرائع عبر كل العصور.

ومع ذلك، فإننا نرى بين الحين والآخر، من يحاول استعادة الأضواء أو تسليطها على نفسه بحثاً عن مزيد من الشهرة والانتشار، لذا يلجا إلى أسلوب صدم المجتمع بالفكر الغريب أو الآراء الشاذة، وأحيانا أخرى بملابس أو مواقف مثيرة، وليس غريباً أن نجد مغنين أو مغنيات عندما يريدون الشهرة يلجئون الى الأغاني الخليعة والمشاهد الساخنة، وللأسف يقع الإعلام بقصد أو دون قصد ضحية هذا التسويق المشوّه إما باستضافتهم أو تسليط الأضواء عليهم.. لذا، فبدلا من أن نرفض هذه السلوكيات على الأقل بتجاهلها، يلجأ البعض منا لتناولها وإبرازها لنبدو وكأننا نساهم في تحقيق ما يريده هؤلاء.. والنماذج كثيرة قديماً وحديثاً.. وكل هذا للأسف يوقعنا في بؤرة التعميم.. وللأسف أيضاً من جهتين: جهة تستغل ما حدث لإبراز عضلاتها وفرض قانونها الخاص بأي شكل سواء بالقول أو الفعل، وجهة أخرى تلعب على وتر العواطف وتستثمر الحدث لوصم المجتمع والدولة إما بـ"العلمانية" أو بـ"الجاهلية" كما أسس لذلك أقطاب الفكر الإخواني والسلفي.. في مقدماتهم الفكرية لتكفير المجتمع والخروج عليه.

إشكالية التعميم تلك، هي مربط الفرس الذي يقع معظمنا غالباً في خطيئته دون إدراك للفارق بين ما هو شخصي بحت، وبين ما هو مجتمعي عام، والأخطر أنه رغم اعتذار تلك الفنانة ـ سواء باقتناع شخصي أو تحت وطأة الهجوم عليها ـ إلا أن كثيرين لم يستطيعوا التعامل مع ثقافة الاعتذار هذه على الأقل من قبيل الرجوع عن الخطأ، انطلاقاً من أن الأعمال في النهاية إنما تكون بالنيات، وبالتالي استمرار نفس الصورة الثأرية أو الانتقامية التي لم نعرف بعد كيف نتخلص منها.. والتي تمثلت فيما أصبح معروفاً بالضرورة من عودة لنظام الحسبة على يد بعض من يرفعون دعاوى قضائية مع دعوات للمحاكمة.!

هنا يبرز الفارق الكبير بين النقد أو الانتقاد كحالة طبيعية ومقبولة طالما كانت في إطارها المنطقي أو الطبيعي، وبين ما يسعى له البعض من احتكار للمشهد العام، وبالتالي الأخلاق أو الفضيلة ومن ثم الدين أيضاً وكأنهم الأوصياء المعتمدين الذين لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم، أو أن المستهدف في النهاية استنساخ صورة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" ليس بصورتها الموضوعية وقيمتها في نشر الفضيلة، ولكن بمنطق "الحراسة" والتفرّد والاحتكار والوصاية.

منطق ادعاء حراسة الفضيلة هذا بصورته "المتسلفة"، هو الذي تسبب قبل سنوات في جريمة قتل صدمت المجتمع وفي مدينة ؟السويس تحديداً، لشاب كانت كل جريمته أنه يمشي ويتنزه مع خطيبته في مكان عام، وهو نفسه الذي استغلاله "عاطفياً" لتمريره وسط البسطاء باعتباره ركنا معلوماً من الدين بالضرورة، والأشد وطأه هو تمريرة ليكون سلطة موازية تفتئت على سلطة الدولة التي هي بالأساس ملزمة بحفظ الأمن وفرض القانون العام سواسية على الجميع، وأجزم أن هذا كان أحد وسائل جماعة "الإخوان" الإرهابية وأذرعها العقائدية من سلفية وجهادية وتكفيرية للسيطرة على المجتمع وفرض قانونها الخاص حتى على قانون الدولة.

المشكلة الأعمق ـ والتي ربما لا ينتبه إليها كثيرون ـ أن كل هذه التصرفات تعني في مضمونها ومظهرها الخضوع لأحكام سلطة أخرى خارجة عن القانون، تهدف من خلال هذه الممارسات هدم مظاهر سلطة الدولة بالتدريج وابتداءً من الشارع، بافتعال حوادث مثيرة وتدويرها لتكون شرارة لإضعاف قانون الدولة ومعه كل حالة السلم الاجتماعي وتعرضه للخطر.

لذا.. كانت بعض حوادث التهييج المجتمعي المتعمدة وخاصة استغلال عمليات التحول الديني، سواء من مسيحي لمسلم، أو العكس، وإثارة الرأي العام باللعب على الوتر الديني واستغلال العواطف الحادة في هذا الاتجاه، دون فهم حقيقة أن إسلام شخص مسيحي لا ينقص إطلاقاً من المسيحية كدين سماوي تتبعه الملايين من البشر في شتى أنحاء العالم، بمثل ما أن إلحاد شخص مسلم لن يزلزل أركان الإسلام الذي تدين به الملايين أيضاً.!

هذا الفهم الناقص هو المأزق الحقيقي أو "الورطة" التي يدعمها عمداً بعض المتنطعين دينياً أو المحسوبين عليه دعوياً أو فكرياً أو حتى شكلياً حتى خلقوا تلك الحالة التنطعية التي باتت مظهراً مؤسفاً يبيح لنفسه التلصص على الآخرين والتدخل في حياتهم الشخصية ومن ثم استباحتهم وتقمص دور القيّم عليهم، دون تفرقة بين ما هو عام وبين ما هو شخصي.

سلوك وملبس "الفنانة" إياها مدان ومنتقد بحدة، خاصة وأنه في مكان عام ومن شخصية تعتبر عامة مهما كانت قيمتها أو أهميتها، ولكن ليس معنى هذا أن يصل الأمر لرفع دعوى قضائية، والقذف والسب أحياناً، وأعتقد أن الرد المجتمعي الناقد والرافض يمكن أن يكون هو الوسيلة المقبولة كـ"عقاب" مقبول أيضاً، أما التهويل والإثارة وإيصال الأمر لدرجة التدقيق في النوايا واعتبار الأمر مروقاً وإظهاره كأنه مظهراً  من مظاهر الفسق والفجور التي تستحق إقامة الحد ومن ثم الوصول لأحكام مسبقة وجاهزة.. فهو المرفوض تماماً.

وهنا أسأل: من المسؤول عن تحويل الموضوع وإخراجه من ثوبه "العفوي" بافتراض حسن النوايا ومن ثمَّ إظهاره وكأنه حرب على الدين أو استهداف له وصبغه بصبغة دينية تهدد كيان المجتمع المصري وتهدد "إسلاميته"، كما راج وشاع للأسف على كثير من مواقع التواصل التي تعج بكل من هبّ ودب.؟

التناول الموضوعي العاقل لأي حدث، يجب أن يكون في مساره الطبيعي، وأننا لسنا في "مدينة فاضلة" بتعبيرها الأفلاطوني، وأنه إذا كان الدين ـ أي دين بقيمه العظيمة ـ لن يتأثر أبداً بدخول شخص فيه أو تركه له، فإن أي مجتمع أيضاً لا ينبغي أن يكون هشاً تفزعه جريمة ما، أو تعريه فستان ممثلة ما، لأن حكمة الخلق هي في التنوع وأننا لن نعرف أيداً قيمة الخير إذا لم نعرف عواقب الشر.. هكذا خلق الله الدنيا وهكذا قال عز وجل "من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر".. أما نظرية حراس الفضيلة فمسألة فيها نظر.!