المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت

يكتب في «المصوّر»

"خيرت": بعد القاعدة وداعش.. احذروا من "الجيل الثالث" !

الخميس , 27 ديسمبر 2018 - 10:17 صباحاً

 

وضع اللواء عبدالحميد خيرت، وكيل جهاز مباحث أمن الدولة السابق، ورئيس المركز المصري، العديد من التكهنات حول اتجاه العالم نحو مرحلة جديدة في تداعيات الحرب على الإرهاب، مع مطلع العام الجديد 2019.

وتحدث اللواء خيرت، عن أنه قد يكون ما شهدته مصر من تراجع في عدد العمليات الإرهابية، مبشرة جداً، مقارنة مع ما حدث في بداية فترة الفوضى والعنف، جاء ذلك في مقاله الأسبوعي بمجلة «المصوّر»، في عدد الأربعاء 26 ديسمبر 2018، بعنوان «الإرهاب في 2019.. تحوّل أم تدوير؟ ... بعد "القاعدة" و"داعش".. احذروا من "الجيل الثالث"!»، وكان نص المقال كالتالي:

بنهاية العام 2018، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة في تداعيات الحرب على الإرهاب، ربما تحمل تكهناتها بشكل أو بآخر أيام العام الجديد 2019. الذي يمكن أن يكون مرحلة فاصلة في المقدمات أو النتائج.

وقد تكون حصيلة ما شهدناه هنا في مصر من تراجع في عدد العمليات الإرهابية، مبشرة جداً، مقارنة مع ما حدث في بداية فترة الفوضى والعنف، نظراً لنجاح الدولة عبر قواتها المسلحة والشرطة في ترسيخ مواجهتها على الأرض بمواجهة عناصر الإرهاب وميليشياتها التي سعت إلى تكثيف عملياتها في بر مصر بأكمله، وخاصةً في سيناء التي تعتبر مركزًا رئيسيًا لعملياتهم، إذ أنه وفق إحصائيات مركز الأهرام للدراسات السياسية والاقتصادية نجد أن خلال الأعوام الثلاثة 2014 و2015 و2016 شهدت تلك الفترة وقوع نحو 1003 عملية إرهابية منذ ولاية الرئيس عبد الفتاح السيسي وحتى 25 يناير 2017.. وللأسف كان عام 2015 تحديداً هو الأعنف في تاريخ المواجهات، حيث شهد ما يقرب من 600 عملية إرهابية في حين شهد عام 2014 ما يقرب من 222 عملية، بينما تراجعت العمليات في عام 2016؛ بقرابة 199 عملية إرهابية، في حين حدث تراجع كمي في عام 2017 أيضًا؛ فلم يتجاوز عدد العمليات 50 عملية إرهابية.. كان أكثرها مأساوية جريمة استهداف مسجد الروضة التي مثل ضحاياها الـ305 الحصيلة الأكبر في تاريخ حرب مصر مع الإرهاب.. في حين لم يشهد الربع الأول من عام 2018 في مصر سوى عدد قليل من العمليات الإرهابية لم تتجاوز 12 عملية زرع ألغام فقط.. بينما تشير الإحصائيات العامة عالمياً إلى أنه خلال الفترة من الأول من يناير وحتى الثامن عشر من ديسمبر 2018، نفذ "داعش" مثلاً بأفرعه العديدة 403 هجمات إرهابية، تسببت في سقوط 2786 قتيلًا في 22 دولة تنشط فيها عناصره .

من هنا يمكن فهم كيف كانت العملية الشاملة في سيناء 2018، نقطة تحول جوهرية في إدارة الصراع تكاد تحسم الأوضاع على الأرض في مواجهة هذا الإرهاب الأسود.. وربما يكون ذلك حسب تقديراتي في النصف الأول من العام المقبل 2019.. وجاء هذا كله كنتيجة متوازية مع ما يمكن تسميته "تطويق العنف بالأمن والتنمية " عبر العديد من المشاريع التنموية طويلة الأمد التي تعتمدها الدولة، وهي السياسة التي تحسب لإدارة الرئيس السيسي، وربما هي المرة الأولى الحقيقية خلال الـ50 عاماً الماضية.

ومن هنا أيضاً، على أن الطرق المثلى لإدارة مواجهة حقيقية ميدانياً ضد الإرهاب كـ"فعل" إجرامي، تتمثل في التغلب على التحديات الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت سبباً في ظهور بيئة مغذية للإرهاب، وهو ما يجب استكماله فكرياً وتثقيفياً بشكل يلامس أسس المواجهة ويجفف منابعها الفكرية والخطابية والدعوية التي تعتبر أمراً لا يقل أهمية أبداً عن الحرب الميدانية، لأن حرب الأفكار والعقول هي التي تحسم معادلات الصراع في النهاية.. وهو ما نأمل أن توضع أسسه ومحاوره بشكل فعال في عام 2019 على مستوى كل مؤسسات الدولة الفاعلة.

عام 2019 ـ من وجهة نظري ـ هو الحاسم والمؤثر، ليس محلياً وداخلياً في مصر فقط، ولكن إقليمياً ودولياً أيضاً وإن بنسبٍ مختلفة، حتى مع التحذيرات التي صدرت مؤخراً وتحديداً من منظمة الشرطة الجنائية الدولية "الانتربول"، وكلها تتوقع تعرض عدة بلدان أوروبية لموجة هجمات إرهابية جديدة يقودها تنظيم "داعش" بالذات. ويدعم الأمين العام للمنظمة يورجن ستوك، هذه التوقعات بناء على وقائع متعددة منها أن العديد من الدول التي فرضت أحكاما قضائية مخففة على مقاتلي "داعش" دون إثبات تورطهم بهجمات معينة، معتبراً أنه من الخطأ إطلاق سراح هؤلاء بعد انقضاء مدة عقوبتهم، فـ"عادة ما تشكل السجون تربة خصبة لنمو الأفكار المتشددة".، وقال إن الخطر بات حقيقياً، يتعلق بقدرة المتشددين على شن هجمات من نوع مبتكر عبر شبكات الانترنت.. وأن هزيمة تنظيم "داعش" ميدانياً، يمكن أن تدفع مقاتليه الناجين إلى التوجه إلى جنوب شرق آسيا أو أفريقيا، وقد يبقى بعضهم في أوروبا لشن هجمات إرهابية.. وهذا التحذير  الدولي يلتقى في عدة نقاط مع التقرير الأخير لإدارة أمن الدولة البلجيكي، وتحديداً حول الدور الذى تلعبه السجون في التحول بين عالمي الجريمة والإرهاب.

هذا التحذير المهم ومن منظمة دولية، يعيدنا إلى بدايات تورط بعض القوى العظمى التي هرعت لتوظيف الجماعات والتنظيمات الإرهابية حول العالم كأداة في الصراعات الدولية انطلاقاً من مبدأ "الإدارة من خلال الأزمات"، بعد أن فطنت لدورها المتنامي وكيفية انتشارها العنكبوتي وإمكاناتها التنظيمية واللوجيستية الهائلة فضلاً عن التسليح المتطور.. وكل هذا من أجل حماية مصالحها الذاتية وتنفيذ استراتيجياتها الدولية.

وإذا كانت بريطانيا منذ أواخر عشرينيات القرن الماضي، هي المسؤول الأول عن إنشاء واحتضان وتمويل جماعة الإخوان في مصر، لدرجة أن إعلانها جاء من مدينة الإسماعيلية ـ وليس العاصمة القاهرة كما يفترض ـ التي كان بها أكبر معسكر لقوات الاحتلال وقتها، فإن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تتحمل ـ تاريخياً ـ مسؤولية إعادة إنتاج تنظيمات "الجهاد" والتكفير التي خرجت كلها لاحقاً من تحت عباءة جماعة "الإخوان" التي كانت قياداتها المتعاقبة في مكتب الإرشاد هي الأب الروحي لكل قادة التطرف والعنف والتشدد بتنظيراتهم الفكرية أو تعاليمهم العقائدية، وهو الأمر الذي توج عام 1979 بظهور هذه الميليشيات لتكون أداة "أمريكية" في المواجهة الأمريكية مع الاتحاد السوفييتي ـ وقتها ـ وعلى الأرض الأفغانية، وبالتالي كانت هذه التنظيمات "الجهادية" حينها، منصة غربية بامتياز، وبعنوان "إسلامي" نجحت وكالة الاستخبارات الأمريكية وماكيناتها الدعائية السياسية في استثارته وسط طبقة الشباب، بدعوى أن ما يحدث في أفغانستان إنما هو "عدوان من دولة ملحدة على شعب مؤمن"، وبالتالي أيضاً كان التسليح العسكري والتمويل المادي والرعاية الإعلامية، التي تجمدت بعد انتهاء الغرض عام 1990بمجرد إعلان الرئيس السوفييتي جورباتشوف الانسحاب، ما يعني انتصار الغرب ووكلائه طبعاً، وهو الأمر الذي تبعه قرار أمريكا بالمغادرة وترك أفغانستان ساعة صراع جديدة بين "المجاهدين" وأيضاً بيئة حاضنة لما لا يُعد ولا يُحصى من تنظيمات التطرف وبالمقدمة منها تنظيم "طالبان" الذي نجح في السيطرة على المشهد بشكل غير مسبوق، وبعده بالتأكيد تنظيم "القاعدة" الذي تسبب بالمسؤولية عن التخطيط والتنفيذ لأحداث 11 سبتمبر 2001، وما أعقبها من غزو أمريكي لأفغانستان وإسقاط نظام حكم "طالبان".

المؤسف كان في عدم اتعاظ الإدارات الأمريكية المتعاقبة ـ ومعها بعض عواصم الغرب ـ من التكلفة الهائلة التي تكبدوها نتيجة سياسات المناورة واللعب بالنار وأيضاً "الرقص مع الذئاب" كما في الفيلم الشهير، فلجأوا إلى ما يمكن اعتباره "تدوير اللعبة" واستنساخها في أماكن أخرى ـ منذ العام 1990 ـ كالبوسنة وكوسوفو والشيشان، وتجلى لاحقاً خلال فترة حكم الرئيس السابق باراك أوباما وما يُعرف بـ"الربيع العربي" عام 2011، وتحديداً عبر اعتماد جماعة "الإخوان" وتنظيمها الدولي كوكيل رسمي معتمد، بدلاً من الدول الفاعلة الأساسية في الشرق الأوسط، لنشهد أول تحول دراماتيكي بارز في المشهد العربي والإقليمي، حيث أصبحت جماعات الإرهاب في المنطقة من "الإخوان" وحتى "النصرة" و"الحوثيين" وغيرها وبمعاونة شركاء إقليميين مثل تركيا وقطر وإيران، أدوات وظيفية في استراتيجية واشنطن ومشاريعها الجديدة الرامية لتغيير الخارطة بشكل غير مباشر ليس في الشرق الأوسط فقط، ولكن ربما في شرق آسيا أيضاً كخطة "وقائية" لمواجهة التنين الصيني القادم.

وإذا كانت لندن قد احتضنت تنظيم "الإخوان" الإرهابي، فإن واشنطن نفسها احتضنت "داعش" التي كان زعيمها أبو بكر البغدادي معتقلاً في سجن جوانتانامو الشهير، وأفرج عنه بـ"عفو" أمريكي، ليؤسس بعد 6 أشهر فقط تنظيمه الإرهابي "الدولة الإسلامية في العراق والشام" الذي أصبح "داعش"، وتجلى التخاذل الأمريكي في مواجهته، بتزويده بالأسلحة التي قيل إنها تمت بالخطأ، وإعلان واشنطن أن القضاء عليه "قد يستغرق 10 سنوات" وإفادة وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون (أبريل 2013) بأن القضاء على التنظيم "يجب ألا يتصدر سياسة أمريكا في الشرق الأوسط"، وهو ما يمكن تفسيره بأن هناك استراتيجية واضحة تسعى لـ"الحد من الخطر وليس القضاء عليه".!

حدث هذا في العراق، ومن ثم سوريا، ولا يزال يحدث في ليبيا، وبشكل مختلف في مصر بعد فشل نظرية حل الجيوش الوطنية الضاربة عبر حروب الوكالة التي تقوم بها التنظيمات والميليشيات، حيث يتم توظيف الإرهاب لتحقيق أهداف غربية، هي بالأساس تتفق مع أهداف الجماعة الإرهابية لتفكيك دولة ما بعد 30 يونيو، واستغلال هذا الإرهاب للضغط على الدولة المصرية إن لم يكن محاصرتها اقتصادياً، ما حدث بعد جريمة الطائرة الروسية مثال واضح للتضييق، وربما "العقاب" خاصة بعد التطور اللافت في التعاون المصري مع روسيا وفرنسا كمثال، وتحقيق صفقات عسكرية ضخمة لترسيخ قوة الجيش المصري، وبالتالي الدولة ككل.

الوكلاء الإقليميون شرق أوسطياً وأبرزهم تركيا وقطر، لا يمكن التغاضي عن دورهم في استراتيجية توظيف الإرهاب لتحقيق غنائم كبيرة، حتى إيران المتهم أمريكياً برعاية الإرهاب وتنظيماته في لبنان واليمن، حظيت بدور لافت في محاربة "داعش" وما مشاركتها في مؤتمر فيينا حول الأزمة السورية سوى دليل على ذلك.

لن أتحدث عن إسرائيل.. المستفيد الأول ـ من تحت الطاولة ـ من كل ما يجري على الساحة، ولكن قراءة معادلات ما جرى خلال السنوات السبع الماضية تؤشر لإمكانية حدوث ما يمكن اعتباره تدوير الإرهاب بشكل أو آخر ليس في منطقة الشرق الأوسط ولكن ربما في العالم كله، وبالذات أوروبا التي يأتي تحذيرها في سياق ارتفاع "درجة الحمّى" تحسباً مما قد يأتي في عام 2019، ومعها شرق آسيا كتكتيك لمواجهة النفوذ، دون أن ننسى أفريقيا، ساحة إدارة الصراع التي يتم تأسيسها بشكل خفي.

وإذا كان تقرير أصدرته "مؤسسة السلام والتجارة" التي  تتخذ من أستراليا مقرا لها، كشف عن أن نيجيريا تحتل المركز الاول لعام 2018 للهجمات الارهابية عن طريق جماعة "بوكو حرام" الارهابية تليها الصومال والتي تعاني من حركة  الشباب الصومالية المتشددة، إضافة للنار تحت الرماد في مالي وغرب أفريقيا، فإننا أمام ملمح أتوقع تصاعده بشكل تدريجي، دون أن ننسى ما يحدث من إثارة متعمدة في السودان، خاصرة مصر الجنوبية، وليبيا القنبلة الموقوتة غرباً، واللغم الكامن في قطاع غزة شرقاً، فهذا يعني أننا أمام تطورات قابلة للانفجار في أي لحظة.. فما المتوقع حدوثه خلال العام المقبل.؟

قبل الإجابة، ربما يكون من المناسب الإشارة إلى النسخة الـ11 من فعاليات "المنتدى الاستراتيجي العربي" الذي امتد غبر 5 جلسات نقاش، واستضافته دولة الإمارات العربية المتحدة قبل أيام، برعاية الشيخ محمد بن راشد نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بمشاركة خبراء دوليين وإقليميين لاستقراء حالة العالم اقتصادياً وسياسياً في عام 2019، وتحليل المؤشرات المستقبلية الحيوية التي يتوقع أن تلعب دوراً محورياً في تشكيل السياسات والتأثير  في اقتصادات المنطقة العربية والعالم.

المثير أن حلقة "حالة العالم العربي سياسياً في 2019" أشارت إلى أن حالة العالم العربي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، ستبقى كما هي عليه في العام المقبل 2019، إن لم تتدهور للأسوأ، معربين عن مخاوفهم من الجيل الثالث للإرهاب، الذي وصفه الخبراء ب«الأعظم» والأكثر تنظيماً.. واعتبروا أن "نمطية القاعدة كانت تمثل الجيل الأول للإرهاب الذي اعتمد مبدأ استهداف الأنظمة، فيما يمثل داعش الجيل الثاني الذي يهدف إلى السيطرة على الأرض والتوسع".

 الأخطر كان التأكيد على أن نظرية "الجيل الثالث للإرهاب" هي التي تتولى "خلق الفوضى في المجتمعات وضرب الاقتصادات الوطنية للدول، وبناء قواعد ليست متصلة في دول متعددة، لتحقيق ذات الأجندات والغايات المتطرفة"، والأكثر خطورة أن "الإرهاب القادم سيعصف بالمنطقة والعالم، ولا توجد رؤية حقيقية شمولية عامة تستطيع التصدي له، مطالباً بتقييم الجيل الثالث من الإرهاب، والاتحاد لمواجهته، عبر منظومة عربية متكاملة".. هذا بالإضافة إلى التذكير بأنه على "المدى الطويل لا مصلحة لأحد من الإرهاب، ولكن على المدى القصير هناك أطراف مستفيدة من تأزيم وضع العالم العربي".

ما يهمني هو المدى القصير الذي أرجو أن يكون عام 2019 من ضمنه مصرياً على الأقل وكل المؤشرات المنطقية تؤدي لذلك، أما إفريقياً ودولياً.. فأعتقد أنه لن يكون كذلك.!