المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت

يكتب في "المصوّر"

"خيرت": الإعلام في زمن الحرب .. حاجة لتجديد الخطاب وتقويمه

الأربعاء , 02 يناير 2019 - 11:07 صباحاً

تحدث اللواء عبدالحميد خيرت، وكيل جهاز مباحث أمن الدولة السابق، ورئيس المركز المصري، عن الخطاب الإعلامي الحالي، وفقة ضرورة التفضيل بين السبق الصحفي والمصلحة الوطنية.

وتحدث اللواء خيرت، عن أنه إذا كان الحديث يتصاعد خلال الأعوام والأشهر السابقة، تحديداً عقب ثورة 30 يونيو 2013، بضرورة تجديد الخطاب الديني والدعوي، جاء ذلك في مقاله الأسبوعي بمجلة «المصوّر»، في عدد الأربعاء 2 يناير 2019، بعنوان «فقه الضرورة بين السبق الصحفي والمصلحة الوطنية ... الإعلام في زمن الحرب .. حاجة لتجديد الخطاب وتقويمه»، وكان نص المقال كالتالي:

إذا كان الحديث يتصاعد خلال الأعوام والأشهر السابقة، تحديداً عقب ثورة 30 يونيو 2013، بضرورة تجديد الخطاب الديني والدعوي، باعتباره المدخل الأول لتصحيح المفاهيم وقيم الحياة والتسامح، واستعادتها بعد اختطافها ـ لفترة غير يسيرة من تاريخنا ـ على يد أقطاب التطرف والتكفير من ذوي احتكار الدين الذين عاثوا في الأرض إرهاباً على الأرض وإفسادا للعقول والضمائر والقلوب، إلا أن واقعنا المعاصر في مصر ـ وربما في الكثير من الدول العربية ـ يحتاج لما لا يقل خطورة.. تجديد الخطاب الإعلامي.!

وبمثل فوضى "الفتاوى" والمنابر التي سادت زمناً في البلاد، سواء على مساجد تابعة لوزارة الأوقاف، أو في "زوايا" انتشرت وتشعبت خطورتها كالأخطبوط دون رقابة أو ضوابط، وكذا قنوات وفضائيات استباحت الفضاء الرحب لتنفث سمومها بألسنة "دعاة" تقليديين أو "مودرن" تغلغلوا في غفلة من الزمن للسيطرة على العقول والأفئدة، ووصلت حتى بعض الأندية وبعض مراكز الطبقة المخملية، لا تزال فوضى الخطاب الإعلامي بكل انفلاتها وسذاجتها وهوسها المحموم بما يسمى "السبق الصحفي" لتقفز بذاتها ومعها مافيا وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت في ظل التقنية الحديثة ساحة مجهولة المصدر والعنوان، على كل ضوابط المجتمع ومتطلبات أمنه القومي والوطني معاً، لتشكل المواجهة الأخطر المطلوبة استثنائياً في المرحلة الاستثنائية التي نعيشها في مصر ومنطقة الشرق الأوسط، وربما العالم.. ألا وهي مرحلة محاربة الإرهاب.

كلنا يذكر كيف كان الإعلام بكل ماكيناته وآلاته الضخمة ـ وبالمقدمة منها لاحقاً ما يسمى الإعلام التفاعلي ـ أداة ممنهجة للترويج لغزو العراق، بعد شيطنة إعلامية متعمدة لمزاعم امتلاك الأسلحة النووية ثبت لاحقاً عدم صحتها وأنها كانت فقط أكذوبة كبرى نتج عنها ما نجني تبعاته من احتلال وعدم استقرار وتوفير بيئة خصبة للإرهاب والدواعش، وكلنا نعرف كيف كان الإعلام وفي مقدمته قناة "الجزيرة" القطرية ومواقع التواصل الاجتماعي، كير الحدَّاد الذي نفخ في نيران ما يسمى "الربيع العربي" باستغلال شعارات عامة وبراقة وجاذبة حتى تسبب فوضى شعبية وسقوط دول وتقسيم شعوب.. وكلنا يعاني من نتائج تضخيم إعلامي لحوادث فردية ـ ومنها جرائم إرهابية ـ تسببت في قطع أرزاق وضرب مقدرات ومحاصرة اقتصاد، بعد أن كانت خناجر لقطع رقاب.

وكلنا كثيراً ما نفاجأ بـ"فضائح" إعلامية، أثبتت كيف تُدار بعض ماكينات الإعلام العربي أو العالمي.؟ ولحساب من.؟ وبأي أجندة.؟ حتى اختلط الحابل بالنابل، وحيث لا يفيد الندم بعد انكشاف المستور من الخبايا.

نحن إذاً أمام ما يمكن تسميته "خيال مآتة" إعلامي، تتم صناعته عمداً لإثارة الفزع ومن ثم التضليل وصولاً لصنع "أيقونة" مقدسة للمتاجرة والسمسرة بها والانتقام وتصفية حسابات سياسية، فمؤخراً عربياً مثلاً.. رأينا كيف تم استغلال جريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في تركيا، لتكون مقدمة لإحياء نفس مضمون "الربيع العربي" في منطقة الخليج وفي أكبر دولها التقليدية.. المملكة العربية السعودية، لاعتبارات عديدة ومتعددة ليس هذا مجالها.

لكن المثير مثلاً، كان ما تم كشفه قبل أيام من معلومات خطيرة، وعلى ذات صحيفة "واشنطن بوست" التي كان يكتب فيها خاشقجي، من أن مقالاته استخدمت كجزء من حملة دعائية كبيرة تقودها وتمولها دويلة قطر، من خلال "ماجي ميتشل سالم" المدير التنفيذي لمؤسسة قطر الدولية في العاصمة الأمريكية واشنطن.. وهو ما مثَّل واحدة من أكبر الفضائح الصحافية، باعتبارها اختراقاً قطرياً مخزياً يثير الكثير من الأسئلة الصعبة قانونياً وأخلاقياً.

صحيفة “واشنطن بوست” التي تختفي بكل بساطة خلف شعارها المثير على واجهتها: "الديمقراطية تموت في الظلام" شأن العديد من المنصات الإعلامية ذات الشعارات البراقة، لم تستطع حتى الآن ـ شأن كل المنصات والأذرع المعروفة ـ أن تثبت مدى اتساقها مع ما تدعيه من مبادئ أمريكية وغربية من حرية وديموقراطية قادت يوماً إلى كشف فضيحة "ووترجيت"، وأوراق البنتاغون، والحقبة المكارثية، وبالتالي أصبحت مع غيرها ـ كالجزيرة القطرية وكل ماكينات الإعلام العربي أو الغربي الممول من قطر ـ لا تختلف كثيراً عن أي منصة تستغلها أدوات دعائية تتعلق بقوى خارجية، مثل: تميم قطر المغلوب على أمره، وأردوغان تركيا الطامح للخلافة العثمانية الجديدة.

أما مصرياً.. فالأمثلة كثيرة وتفوق الحصر، بدءاً من اختراع "عجل أبيس" تتم عبادته وتقديسه والترويج له بأكثر من شكل.. خالد سعيد وسيد بلال ومعهما ما تسمى "ثورة" 25 يناير، ووصولاً إلى أكذوبة "مذبحة رابعة" و"الاختفاء القسري" وغيرها من الفقاعات التي راجت عن قصد، لتكون حصان طروادة لهدم الدولة وضرب مؤسساتها التقليدية تاريخياً في الصميم.

بالطبع لا ننسى فترة التأجيج قبيل فوضى 25 يناير، والتي انزلق فيها إعلام وإعلاميون كثر، انساقوا تماماً وراء "نظرية القطيع" بلا حد أدنى من متطلبات أمن قومي، ليس دفاعاً عن فرد أو حاكم أو نظام، ولكن حماية لأسس وأبجديات بقاء دولة، وبالتالي كانت أعنف حملة لفظية إعلامياً ـ داخلياً وخارجياً ـ أظهرت ما يمكن اعتباره "العنف اللفظي" الذي أصبح مقدمة مؤسفة لما تبعه من عنف سلوكي وميداني في الشارع، تحول إلى ما يمكن اعتباره إرهاباً واضحاً خاصة في مرحلة عام حكم جماعة الإخوان الإرهابية، وما أعقب ثورة 30 يونيو انتقاماً من قيام الشعب بطردهم من الحكم والحياة السياسية المصرية.

نقطة العنف اللفظي التي مثلتها ببراعة استديوهات فضائيات وصحف ومواقع أليكترونية، استضافت من أطلق عليهم "نخبة" ونشطاء سياسيين، تجلت كمثال في شخصية كـ"أحمد دومة" الذي ـ إضافة لبذاءته اللفظية ـ اعترف ببذائة سلوكية أخرى، وهي التفاخر بمحاولة حرق رمز مصر/ المجمع العلمي، وظهرت في الكثير من الشتائم والوقاحات التي كانت تنتشر في الشوارع وعلى الفضائيات بلا رادع أخلاقي على الأقل، وكلها ساهمت في إسقاط واحد من أهم ركائز المجتمع المصري.. الاحترام حتى عند الاختلاف.!

هذا العنف اللفظي، شرحه باستفاضة الباحث العراقي الدكتور أكرم الربيعي في كتابه القيِّم "الممارسة الخفية والمعلنة لعنف اللغة في وسائل الاعلام" حيث ناقش ظاهرة تفشي مظاهر العنف اللغوي في وسائل الإعلام، وأوضح مخاطر وتأثيرات انتشار هذا العنف على أكثر من صعيد، وهو يؤشر انحرافا سلوكيا ينبغي التصدي له، لما يتركه من تأثيرات ضارة على مجتمعاتنا، كون وسائل الاعلام بمختلف أشكالها، هي الوسيلة التي من خلالها، ترى مظاهر العنف السلوكي، وقد انتشرت بين مضامينها بأشكال مختلفة.

المثير في الكتاب، أنه في فصله الرابع وبعد أن استعرض عنف اللغة الاعلامية، ومكامنها ونظرياتها، تطرق الى حدود العلاقة بين العنف اللغوي المستخدم في وسائل الإعلام وحالات التطرف، مشيراً إلى أن الحروب التي سادت المنطقة، والصراعات بين الانظمة السياسية وبينها بين جمهورها وتعدد انواع الأيديولوجيات والمذاهب الفكرية والدينية هي من تذكي الصراعات وعوامل الاحتراب لتفعل فعلها في اللغة، وتؤدي الى سيادة مظاهر العنف والصراع الذي يصل الى حد استخدام الكلمات البذيئة والنابية، والتي تتعارض مع قيم المجتمع وبنائه الفكري الايجابي.

 الأكثر إثارة، أنه أشار بصراحة إلى أن "العنف التلفزيوني أصبح أكثر كثافة بتعدد مصادر المشاهدة التلفزيونية، حتى ان البرامج التلفزيونية أصبحت مصطعنة ومعدَّة لغايات تجارية واستهلاكية وحتى سياسية، وكل لها طابعها في التحريض والإثارة وسلوك العنف بين مضامينها، وربما تعد نشرات الأخبار والبرامج الحوارية وحتى الأفلام السينمائية أحد تلك الأنشطة التي يعد العنف أحد أبرز سماتها".

هذه النقطة الأخيرة، وبالتالي تزامناً مع حربنا الحالية ضد الإرهاب ميدانياً وفكرياً، تكشف لنا بالمقابل كيف أن الإعلام تحول على يد بعض تنظيمات الإرهاب وميليشياته وخاصة "داعش" وقبله تنظيم "القاعدة" وبالتأكيد تنظيمهما الأم.. جماعة "الإخوان" قبيل وبعد عزل مرسي، إلى وسيلة فاعلة للترهيب المعنوي وضرب النفسية العامة، راجعوا جميع فيديوهات قادة الجماعة البائدة وأسامة بن لادن والظواهري والزرقاوي، وراجعوا أيضاً مشاهد حرق الطيار الأردني حياً في سوريا، ومشاهد قطع الرؤوس في العراق، ولقطات استهداف الكمائن والضباط في مصر، وراجعوا أيضاً مشاهد "الإسهال" الإعلامي المحموم على بث بيانات التنظيمات الإرهابية وعمليات نقل أخبار جرائمها والتهويل منها.؟!

وبالتالي يكون السؤال/ الضرورة.. من يصنع الخطاب الاعلامي في زمن الحرب.؟

هكذا تساءل الباحث اليمني الدكتور فيصل الحذيفي، قبل أن يفرق بين نوعين من المفردات: الأول (الخطاب الاعلامي) وهو المضمون الذي يتم صناعته واعداده وتسريبه الى وسائل الاعلام من مصادره الخاصة سواء بشكل مدروس أو بطرق غير مدروسة  ..والثاني: (الرسالة الاعلامية) وهي التي يتولى نشرها الإعلامي وفق منهج خاص لتحرير الأخبار باعتباره ناقلا ومحررا وليس منتجا أو مصدرا لها ..

يضيف أن هناك ثلاثة اطراف في زمن الحرب لها علاقة بإمكانية صناعة الخطاب الاعلامي وهم: السياسيون، الإعلاميون، القيادة العسكرية، فمن هو الطرف المخول - أساسا - بصناعة الخطاب الإعلامي.. هل هو الصحفي أو الإعلامي بصفة عامة.؟

بالطبع لا.. لأن الإعلامي في كل وسائل الاعلام المختلفة (مكتوبة، مسموعة أو مرئية، أو إليكترونية) هو من زاوية مهنية بحتة ناقل للأخبار كما هي دون تعسف في تحويرها.. باستثناء الإعلام الحربي كمصدر أوحد لمسار المواجهات.

وهنا يبرز الفرق بين نوعين من الإعلام في زمن الحرب.. الإعلام المهني والإعلام الحربي.

فالإعلامي يقوم بنقل الأخبار وتفاصيل الأحداث الميدانية من مصادرها المتخصصة ولا دخل له بإنتاجها أو اختراع مصادرها أو أن يجعل نفسه أحد مصادرها.. حتى وإن ارتقى إلى دور المحلل للأحداث فذلك لا يجعل منه صانعا للخطاب الاعلامي .

السؤال الأهم.. هل هذا يحدث عندنا.؟ أو بمعنى أصح بنازعٍ وطني يعلي المصلحة القومية العليا ـ وقت الحرب قبل وقت السلم ـ على مزاعم "السبق الصحفي".!

الإجابة مزدوجة، وتحمل النقيضين معاً حتى وقت قريب، بحيث يمكنني الاعتراف بـ"نعم" من جهة، و"لا" من جهة أخرى، لأنه ـ كما قال د. عادل عبدالغفار في إحدى مقالاته بالأهرام ـ فإن "المتتبع لدور الإعلام المصري في مواجهة الإرهاب، يلاحظ تخصيص مساحات كبيرة لتقديم تطورات ما تشهده البلاد من حوادث إرهابية، وتعظيم دور الأجهزة الأمنية في ضبط الخارجين على القانون، والقبض على الشخصيات النافذة في مجال التخطيط للعمليات الإرهابية"، وغيرها من إيجابيات لا تمنع بالمقابل من وجود بعض المآخذ في المعالجة، "حيث افتقدت بعض وسائل الإعلام المهنية في التعامل مع حرمة الموت في تغطية الأحداث الإرهابية، وأصبح عرض صور جثامين الموتى ومشاهد العنف أمرا معتادا على شاشات الفضائيات، كما روجت بعض المعالجات الإعلامية للعديد من فيديوهات الذبح والقتل البشع الذى نفذته المنظمات الإرهابية، ودعم نشر هذه الفيديوهات بشكل غير مباشر الحرب النفسية التي تنفذها هذه المنظمات، وخلطت بعض المعالجات الإعلامية في معالجتها لحوادث الإرهاب بين الإعلام والدعاية، كما خلطت المعلومات بالآراء على حساب المهنية، إضافة إلى التأثير السلبي للسبق الإعلامي على دقة ما ينشر من أخبار".

ولأننا أما ما يمكن اعتباره "فقه الضرورة" فلا يفوتني الإشارة لتأثير القوة الناعمة فنياً وثقافياً وسينمائياً وأهمية مشاركتها الفاعلة، وهو ما يبدو في حالة غياب واضح (خاصة الأفلام السينمائية أو الوثائقية) عدا بعض الأغاني في مناسبات مختلفة.

باختصار.. تجديد الخطاب الإعلامي من منظور وطني، وفي هذه المرحلة ليس أقل خطورة مما نواجهه من إرهاب فعلي، ولا بدَّ أن تكون منظومة التجديد شاملة وواعية، إذا كنا فعلاً نريد أن ننجح في هذه المواجهة المصيرية.