المركز المصري للدراسات رئيس المركز : اللواء / عبد الحميد خيرت

اللواء "خيرت" يكتب في "المصوّر": "معرض الكتاب".. فرصة تاريخية لاستعادة محاور قوتنا الناعمة.؟

الأربعاء , 06 فبراير 2019 - 11:38 صباحاً

سلّط اللواء عبدالحميد خيرت، وكيل جهاز مباحث أمن الدولة السابق، ورئيس المركز المصري، الضوء على معرض القاهرة الدولي للكتاب، في دورته الـ50 «اليوبيل الذهبي»، والتي انتهت امس الثلاثاء 5 فبراير.

ولفت اللواء خيرت، إلى أن معرض الكتاب يُشكل فرصة تاريخية لاستعادة محاور قوتنا الناعمة، في مجال مكافحة الإرهاب والأفكار المتطرفة، جاء ذلك في مقاله الأسبوعي بمجلة «المصوّر»، في عدد الأربعاء 6 فبراير 2019، بعنوان «معركة التنوير المطلوبة لا تقل أهمية عن محاربة الإرهاب ... "معرض الكتاب".. فرصة تاريخية لاستعادة محاور قوتنا الناعمة.؟»، وكان نص المقال كالتالي:

إذا كانت الثقافة والفن هما العنوان البارز لتحضر أي أمة عبر إرهاصاتهما الفكرية التي تشع وتمتد خارج الحدود لتمثل حركة إنسانية منفتحة، تضيف للبشرية إبداعاً ورصيداً يستمر طيلة قرون، إلا أنهما أيضاً أحد أهم أدوات القوة الناعمة التي تؤثر وتتأثر، وتضفي أبعاداً أخرى على مشهدها العام تنويراً وتأثيراً.

وبالتأكيد، لدينا في مصر هذا الرصيد و"الإرث" الثقافي والإبداعي الضخم، الذي تجذر طيلة تاريخها الطويل، صحيح أنه مرَّ بفترات ضعف أو فتور قد تطول أو تقصر، ولكنه في كل الأحوال بقى رصيداً عميقاً لا ينضب ولا يخفت بريقه في كل الأحوال.. للدرجة التي قيل فيها مقولة ذات مغزى مهم، ملخصها إن "مصر تكتب.. لبنان يطبع.. والعراق يقرأ".. وبغض النظر عن صحة المقولة من عدمها، إلا أنها تبقى تعبيراً عن الزخم الكبير للعقل المصري المفكر والمبدع بكل محاوره الإشعاعية على المنطقة.

كلنا نعلم أن مثلث الثقافة والفن والإعلام، كان من أقوى أسلحة مصر في العقود السابقة، حققت عن طريقه الريادة عربياً وإقليمياً، وطيلة ثلاثة عقود تقريباً من خمسينيات القرن الماضي، وحتى الثمانينيات، قبل أن يتراجع هذا المثلث المصري، تحت وطأة متغيرات إقليمية وعربية، لتبزغ عواصم أخرى، سحبت البساط تدريجياً وقدمت نفسها في ظل تقوقع مصر على نفسها، وتراجع أدوات قوتها الناعمة، بحكم التطور التكنولوجي أو ضعف الإمكانيات المادية، ومعهما ما يشبه الإهمال شبه المتعمد، والاعتماد على أن ذكريات التاريخ وحدها كافية لتحقيق الريادة.

وإضافة إلى الميراث الفني الكبير.. كانت الثقافة المصرية بتوهجها وإبداعها ـ حتى وقت قريب ـ أحد ركائز الإبداع العربي، بما تضمه من قامات كبيرة في الأدب والفن والسينما والمسرح والإعلام عموماً، للدرجة التي كانت فيها القاهرة عاصمة الإبداع العربي بلا منازع، قبل أن تتراجع قليلاً ـ وربما مؤقتاً ـ بفعل تأثيرات التطور وما يمكن اعتباره الثورة "النفطية" التي كان لها مآرب أخرى أثرت بقوة رأس مالها كثيراً، إضافة لاعتبارات سياسية معينة ليس هذا مجالها.

من هنا، تأتي قيمة معرض القاهرة الدولي للكتاب في صورته الجديدة هذا العام، لتضخ ما يمكن تسميته "عودة الروح" بتعبير أديب مصر الكبير توفيق الحكيم، إلى مجمل الحركة الثقافية ليس في مصر وحدها ولكن في المنطقة كلها.

فالمعرض الذي يُعد أقدم وأكبر معارض الكتاب في الشرق الأوسط، وللدرجة التي اعتبر في عام 2006 ثاني أكبر معرض في العالم بعد معرض فرانكفورت الدولي للكتاب.. انطلق لأول مرة قبل نصف قرن (عام 1969) تزامنا مع احتفالات القاهرة بألفيتها الأولى، بات أحد معالم مصر الحضارية بما يضمه من دور نشر عالمية بإنتاجها الضخم، وكذلك بعدد زواره الذين يتجاوزن مليوني زائر.

وقد تميز معرض هذا العام ـ الذي افتتحه الرئيس عبد الفتاح السيسي ـ بانطلاقه لأول مرة من القاهرة الجديدة، بعد أن كان يقام بأرض المعارض بمدينة نصر، وسط أجواء تنظيمية على مستوي عالٍ في كل الاتجاهات، مع توفير كافة أدوات الدعم اللوجستي للجمهور، وتيسير أعمال الدخول والخروج، وأيضاً الخدمات اللازمة للمترددين بكافة الأعمار، مثل استراحات لكبار السن، ومطاعم وكافيهات ومساحات واسعة لساحات انتظار للسيارات، وأيضاً توفير وسائل نقل مواصلات من مختلف أنحاء العاصمة نحو المعرض بأسعار مخفضة وكذلك ملاهي للأطفال وألعاب بلاي ستيشن للشباب.

ولفت انتباهي خلال زيارتي للمعرض وتجولي بغالبية أجنحته، أنه كان بالفعل نقلة حضارية رائعة وبصورة جديدة ومغايرة تماماً، سواء من حيث التنظيم وتوفير كافة عوامل الراحة والاستمتاع للزوار والجمهور على كافة المستويات بالتنسيق مع الأجهزة المختصة وعلى رأسها القوات المسلحة والشرطة من جهة، والأهم من جهة أخرى، أنه أبرز توجه الدولة المصرية نحو الاهتمام بتنظيم المعارض وإتاحة الفرصة للمواطنين للمشاركة في الحوارات والنقاشات المتعلقة بكافة الملفات والقضايا، فيما شهد أيضاً تأميناً أمنياً واسعاً، وكذلك قيام وزارة الصحة بتوفير عيادات متنقلة لإسعاف أي مواطن يتعرض لأي أزمة صحية، إضافة إلى تفعيل مبادرة الكشف المجاني عن مرضى فيرس "سي" للمترددين على المعرض أيضاً، وغيرها من الاحتياجات الأخرى المتعلقة بالدعم اللوجستي.

الرائع أن جناحي وزارتي الدفاع والداخلية ـ عدا الاستقبال الرائع ـ شهد حالة تفاعل مميزة من الزوار، خاصة مع إصداراتهما المميزة وتسليطهما الضوء على تضحيات أبناء مصر من الجيش والشرطة بمواجهة الإرهاب وجهودهما في حفظ الأمن والاستقرار، إضافة إلى توثيق كل ذلك بكتب ومجلدات تثري وجدان الزائر، كل هذا مصحوباً بشرح وافٍ من قبل ضباط وعناصر على مستوى راقٍ من الثقافة والفكر والمعرفة ورحابة الصدر التي لا تضيق بأي سؤال أو استفسار.

هذه الصورة العامة والجميلة والراقية، تعيدنا مرة أخرى لمفهوم "القوة الناعمة" وتأثيرها على العقل والوجدان، والتي نأمل من خلال استعادتها للمشهد المصري من جديد، بهذا التنظيم والإثراء أن تشكل نقطة انطلاق محورية تستند على جذورها التاريخية لتؤصل لما هو مقبل.. لكن يبقى السؤال هو: كيف.؟

وهنا لا بدّ أن نستذكر كيف نجحت ثورة 30 يونيو 2013 في التأسيس لمصر الجديدة بعد اختطافها الكبير على يد جماعة الإخوان وتنظيمها الدولي الإرهابي.. وبالتالي يكون علينا أن نستثمر الظرف الموضوعي الجديد لنستعيد مجمل محاور قوتنا الناعمة التقليدية التي اختطفت لفترة ونؤسس انطلاقة جديدة ومغايرة لكافة محاور وعناصر هذه القوة لتكون في أوج توهجها.. خاصة في المراحل الاستثنائية كتلك التي نعيشها الآن.

ففي زمن الحروب المصرية المتعددة، وحقبة النضال الوطني، وترسيخ الدولة بمؤسساتها الراسخة والتاريخية، كان الفن بالأغنية والسينما والمسرح، ومعهم الثقافة والأدب بمجملهم رمزياً وأدواتياً ركيزة التفوق الهادف، بموازاة القوة التقليدية.. وكان الوعي بقيمة الكلمة في الحشد والشموخ الوطني، يتكاتف جنباً إلى جنب مع البندقية والرصاصة، حتى في زمن "الهزيمة" أو "النكسة" كانت الكلمة سلاحاً يشحذ النفوس، بمثل ما كانت في وقت الحرب والانتصار.

وهنا يمكنني أن أقول وفي هذا الظرف والتوقيت، إن معرض الكتاب 2019، بشكله الجديد يمكن أن يكون أحد روافد قوتنا الناعمة بأدواتنا الفنية والإعلامية والثقافية التي يمكن أن تكون نموذجاً يتم البناء عليه بجدية لتطوير ذاكرتنا الواعية وإعادة بناء الشخصية المصرية بكافة تفاعلاتها وانفعالاتها، وبكل ثرائها وإثرائها.. وبالتالي تأثيرها في محيطها العربي والإقليمي.

هذا البناء لن يكون إلا ببناء الشخصية المصرية أولاً، وإعادة الاعتبار للثقافة لتكون الرافد الأساس في تشكيل العقل وضمان تنوعه وصولاً لإبداعه بعيداً عن الأيديولوجيات الشاذة وصيانته من الانحراف الوجداني أو التغييب العقلي الذي يسمح بالانجراف وراء التطرف أو التشدد.

الثقافة معيار تسامح وقبول للاختلاف وليس الوصول للخلاف، بمثل ما هي معيار حضارة وتحضر يخرج العقل من إسار الجمود والتبعية إلى التنوير الصحيح عبر حركة نقدية فعالة، يمكن من خلالها إنهاء مراحل الاستلاب والارتهان لغياهب الظلمات.

معركة التنوير المطلوبة حالياً للعقل المصري، يجب أن تكون شاملة ومتنوعة ومتعددة، بحيث تتجاوز كثيراً مجرد دعوات تجديد الخطاب الإعلامي أو الديني أو الثقافي أو الفني، لأن هذه الأخيرة أدوات ممكنة تحتاج لتصويب شجاع، أما معركة التنوير الضرورية لعقولنا، فيمكن أن تكون حربنا الحقيقية والتي يجب أن تستمر ولا تنتهي بمجرد القضاء على الإرهاب الميداني الذي صحيح أنه تضاءل كثيراً تحت وطأة جهود الدولة لاستعادة الأمن، ولكن تأمين العقول برأيي هو الأساس الفعال لضمان عدم الانجراف وراء أي فكر شاذ أو ادعاء خارج عن أصول الشخصية المصرية بميراثها التقليدي حضارياً منذ آلاف السنين.

ربما يكون معرض الكتاب الأخير فرصة ذهبية، وعنواناً عاماً نحاول من خلاله ترسيخ كل ما سبق، ولكن نحتاج لما هو أكثر.. نحتاج لاستعادة مجد السينما المصرية، ومعها كل فنون المسرح والغناء، نحتاج لأن نثبت أن مصرنا الكبيرة كتاب كبير يعبر عن مخزوننا الثقافي وإبداعنا العقلي بنظرة وطنية خالصة، تبدأ من هنا ولا تنتهي أبداً.

نحتاج أكثر لاستنساخ كل رموز حركتنا الثقافية والفنية بثوب عصري لا يقف عندنا، وإنما يقدمنا للآخر بمثل ما قدمنا لأنفسنا هذه التظاهرة الإبداعية سلوكاً ورقياً، ومثلما ترك لنا أجدادنا رموزاً تاريخية لا تزال محط إعجاب العالم.

باختصار شديد.. نريد أن نكون على قدر مصر الوطن الكبير، ونترك لأحفادنا ما يمكن أن يتباهوا به وسط الأمم.. ونحن قادرون بكل تأكيد.